مقالات

ضربة قلم

حيل الغلابة

2/14/2017 10:06:26 AM

مبدعا رغم فقره .. خلوقا رغم قلة إمكاناته .. شاطرا يغزل مطوعا، بسط الأشياء لينتج مايسد حاجته ويغنيه عن سؤال اللئيم.. صابرا وإن بدا في نظر حكامه خنوعا.. صعب ترويضه عكس ظاهره الخادع بالعجز والضعف وقلة الحيلة.. تتثاقل الحمول علي ظهره فلايفقد ابتسامته.. تحني الهموم ظهره فينفضها فجأة ليهم مستعيدا قوته متحفزا. ينحني للعواصف بخبث موروث ثم ينهض ثائرا علي كل النواميس.. من مرارة تاريخه وقسوة تجاربه اكتسب الحكمة والحنكة في التعامل مع »جار السو»‬ حاكما ظالما كان أو عدوا متربصا.. هكذا يبدو المصري عبر كل زمان ومكان.. طبيعته شديدة التعقيد والخصوصية جعلت من الصعب التنبؤ بردود أفعاله لدرجة العجز وإن ظن الحمقي العكس.. يبدو مستسلما لحيل حكامه التي يتبارون في إلهائه بها.. يشجع بجنون الكرة ويصرخ فرحا لانتصار حققه فيها ويحزن مكتئبا بهزيمة مني بها.. يرفع أعلاما يجوب طرقات.. يهتف بحماس وكأنه نسي هموما ثقالا رابضة بقوة علي قلبه.. يبدو مغيبا لكنه في الواقع شديد اليقظة ..يقظة تعكسها كلمات تلقائية لرجل بسيط يشرح لك الحال ويكشف المستور ويفضح ألاعيب المسئولين وفسادهم وحيلهم المفضوحة للإلهاء والتغييب.. يدرك أن ميزان العدل مختل ويوقن أن ميزان القوة أيضا لايقل اختلالا.. يصمت إلي حين.. يدخر مابقي له من جهد وطاقة لتدبير حاله .. يعافر للتحايل علي سبل المعيشة.. يتكاتف مع أمثاله من الغلابة مرة في صورة »‬جمعيات» يقبضها كل منهم تباعا لدفع أقساط مدرسة أو تجهيز عروسة أو مقدم لشقة.. وأخري لشراء أقفاص الخضار والفاكهة بسعر الجملة وتوزيعها علي الجيران كل يأخذ حصته وفق مايدفعه توفيرا للنفقات وهروبا من جشع التجار.. وثالثة في صورة وجبات تعدها ربات البيوت لتبيعها لغيرها كمحاولة لزيادة الدخل.. ورابعة بتبادل الخبرات والبحث الدائم عن منافذ البيع الرخيصة علها توفر جزءا من ميزانية مختلة دوما بفعل جنون أسعار لايعرف الرحمة.. هكذا يتحايل الغلابة لتدبير الحال في صمت يغري المسئولين علي استمراء سياساتهم الظالمة الجائرة علي شعب منهك مأزوم .. غير عابئين بما وراء الصمت من غضب كامن غير عصي علي الانفجار..لكنهم للأسف لايدركون ذلك إلا بعد فوات الأوان .. ربنا يستر. .