تحقيقات

ابتكرها حائز المركز الأول في معرض «القاهرة تبتكر» مجدي شرف

بيوت ومدارس ومستشفيات «كرتون»!


أحمــد الجمَّــال
1/10/2017 12:44:54 PM

في ظل ارتفاع تكاليف الزواج، نتيجة حالة الغلاء التي تعيشها البلاد حالياً، فإن تملك شاب في مقتبل العمر وحدة سكنية أمر ليس هيناً، وفي الوقت ذاته تبدو فكرة الإقامة في بيت مصنوع من الكرتون ضرباً من الخيال، لكن يصبح الأمر واقعاً حين يتم تنفيذ الابتكار العبقري الذي توصل إليه الباحث المصري مجدي شرف، لإعادة تدوير الكرتون المستهلك لنصنع منه ديكورات وأثاثاً منزلياً وأعمدة إنارة، بل وبيوتاً كاملة من الكرتون المعالج بمواد أخري، أبرزها »الفايبر جلاس»‬!

يشهد السوق العقاري في مصر حالة من جنون الأسعار، في ظل ارتفاع تكاليف مواد البناء والخامات المستخدمة من حديد وطوب وأسمنت، وانعكس ذلك علي أسعار الشقق السكنية، بما في ذلك تلك الشقق التي تشيدها الحكومة بنظام »‬الإسكان الاجتماعي»، حيث تنفق الدولة مليارات الجنيهات في سبيل توفير وحدات سكنية لمحدودي الدخل وخاصة من الشباب، فبحسب تصريح للمتحدث باسم وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية، هاني يونس، دفعت الوزارة 61 مليار جنيه خلال العام 2016 لبناء وحدات إسكان اجتماعي.
ومن بين غيامات الوضع الاقتصادي الراهن التي تسعي الدولة جاهدة إلي قشعها بموجب ما سمته قبل أشهر بـ»الإجراءات الاقتصادية الصعبة»، خرج مجدي أحمد عبدالفتاح شرف (47 عاماً) مثل شعاع ضوء، حاملاً بين يديه فكرة تقدم حلاً جوهرياً لأزمة الإسكان في البلاد، فالرجل الذي حصل من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، في نوفمبر 2015، علي المركز الأول في معرض القاهرة الدولي الثاني للابتكار »‬القاهرة تبتكر» كصاحب أفضل ابتكار تكنولوجي عن ماكينة Gک»‬  لصب مواد مثل الأسمنت والفايبر جلاس، استطاع أن يمسك بتلابيب المشكلة، ويعلن عن تنفيذه أفكاراً كثيرة من مادة مكوناتها الأساسية الكرتون والفايبر جلاس، مثل الأثاث والديكورات المنزلية، وأن الفكرة ذاتها تصلح لتشييد منزل كامل بجميع أثاثه من هذه المادة القوية وخفيفة الوزن، والقابلة للإصلاح حال تعرضها لأي صدمات.
في ورشة واسعة بمنطقة »‬طناش» في »‬وراق العرب» بالقاهرة، التقينا مجدي شرف، الذي بدا منهمكاً في عمله، لتصنيع أبواب وشبابيك ولافتات إرشادية وغيرها من قطع الديكور المتناثرة في أرجاء المكان، قبل أن يتوقف قليلاً عن العمل ويبدأ حديثه معنا بشيء من التفصيل، لافتاً إلي أنه تخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1992، وعمل مع أحد أقاربه الذي يمتلك مصنع Gک»‬ وفايبر جلاس في مدينة السادس من أكتوبر، وبدأ العمل كأمين للمخازن حتي وصل اليوم إلي منصب مدير عام المصنع، وعلي مدار نحو 25 عاماً ساهم في تطوير وابتكار العديد من الأفكار التي يمكن أن يسهم تطبيقها عملياً في مصر في إحداث طفرة في مجال البناء والديكور، ويقلص حجم الميزانية الضخمة التي تنفقها الدولة من الموازنة العامة سنوياً في مجال الإنشاءات، وبالتالي توفير وحدات سكنية بكلفة أقل بكثير، بما يعزز التوجه الذي يتبناه الرئيس عبدالفتاح السيسي في النهوض بالبلاد، والتوسع في بناء وحدات الإسكان الاجتماعي وزيادة أعداد المدارس في مصر.
يقول شرف لـ»آخرساعة»: ماكينة Gک»‬ المتخصصة في صب المواد مثل الأسمنت والفايبر جلاس كان يتم استيرادها من الخارج بنحو 250 ألف جنيه، بينما تمكنتُ أنا من تصنيعها محلياً بحوالي 60 ألف جنيه فقط، حيث تقوم الماكينة بخلط المواد وصبها في قوالب حسب الشكل المرغوب، كما عدلت في تصميمها لتكون قادرة علي صب الأسمنت والفايبر جلاس في نفس الوقت.
أما عن فكرة إعادة تدوير الكرتون فيقول: حصلتُ علي جائزة أفضل شركة ناشئة من وزارة الصناعة عام 2016، عن تنفيذ منتجات تكنولوجية من الكرتون والفايبر جلاس، مثل أعمدة الإنارة والأبواب والحوائط الجاهزة واللافتات الإرشادية، كما يمكن بناء بيت كامل من الكرتون والفايبر جلاس، أو أي بناء آخر مثل المستشفيات والمدارس، وتصبح الفكرة ذات أهمية كبيرة في حال أردنا بناء طابق إضافي في المدارس القديمة لاستيعاب الكثافة الطلابية، فالمدارس القديمة لا تتحمل أوزاناً إضافية، لذلك يكون الحل الأمثل هو تشييد هذه الطابق الجديد بمادة الكرتون والفايبر جلاس نظراً لخفة وزنه وقدرته الفائقة علي التحمل.
يتابع: يمكن الاستفادة من إعادة تدوير الكرتون والفايبر جلاس في تشييد مدن بالكامل، وبناء وحدات سكنية للشباب، ومدارس ودور عبادة ودور سينما ومراكز ترفيهية ومراكز تسوق وغيرها من الأبنية، وحبذا لو تم تطبيق الفكرة في واحدة من المدن الجديدة التي تشيدها الدولة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، حيث أري أن هذه المدن يجب أن تساير التكنولوجيا العصرية، وتكون بمواصفات صديقة للبيئة، وأقل بكثير جداً في التكلفة، إذا قارناها بالطرق التقليدية في البناء.
وبمزيد من التوضيح يشرح فكرته: باستخدام ماكينة Gک»‬  يتم مزج الأسمنت مع الرمل والفايبر جلاس، وتدخل استخداماته في تصنيع جميع الواجهات الداخلية والخارجية، كما أنها تنافس السيراميك بأشكاله البارزة التي لا يمكن تنفيذها في السيراميك، وبأسعار أقل بكثير، ومثلاً في السعودية متر الفايبر جلاس المجهز للواجهات يباع بـ300 جنيه، بينما تمكنتُ أنا من تجهيز هذه المادة في شكلها النهائي مقابل 80 جنيهاً للمتر فقط.
ولم يكتف شرف بذلك بل قام بتعديل الخامة: قمت بإضافة مادة محلية هي (الكتان) إلي الفايبر جلاس وأعطت نتائج جيدة بعد خضوعها لاختبار في وحدة الورش والمعامل والاختبارات بكلية الهندسة جامعة بنها، حيث أفادت في تقرير فني صدر بتاريخ 2 أغسطس 2016 بصلاحية المادة كمادة ديكورية داخلية وخارجية، وحسب نص التقرير »‬تبين أن العينات المختبرة مقاومة لإجهادات الضغط والانحناء وتعتبر كافية للاستخدام في أعمال الديكور والمنشآت الخفيفة».
ومن مزايا الواجهات المصنعة من هذه المادة حسبما يقول إنها تُغني عن المحارة حيث يتم تركيبها علي الطوب مباشرة بطريقة ميكانيكية دون أي مواد لاصقة، كما أنها عازلة للمياه بنسبة 100٪، لأن نسبة نفاذ المياه من خلالها صفر٪، وبالتالي يسهل تنظيفها، كما يسهل تغيير لونها بالدهان، بخلاف السيراميك الذي يستحيل طلاؤه.
تكلفة بناء بيت مساحته 100 متر مربع لن تكون كبيرة، فالمتر المربع يكلف نحو ألف جنيه فقط شامل التشطيب داخلياً وخارجياً، ما يعني أن الكلفة ستكون في حدود 100 ألف جنيه فقط.
أما قطع الأثاث فيقوم بتصنيعها بنفس الطريقة، مع اختلافات بسيطة حيث يتم إطارات خشبية بسيطة علي القطعة الديكورية مثل باب الشقة أو الشباك أو السرير أو الدولاب، بما يسمح بتثبيت مسامير أو وضع مفصلات، ومن مزايا هذه المادة التي تجمع بين الكرتون والفايبر جلاس أنها قابلة للإصلاح حال تعرضها للالتواء نتيجة أي صدمة عنيفة، لتعود إلي شكلها الطبيعي مرة أخري، دونما الاضطرار إلي تغيير القطعة بالكامل.
المشكلة التي تواجه شرف هي أنه حتي الآن لم يتم إتاحة منتجاته المصنعة من الكرتون والفايبر جلاس كإنتاج فعلي، حيث يكتفي بتصنيع الواجهات والقطع الديكورية لأصدقائه بخلاف تنفيذها لمن يطلبها من العملاء، وجميعهم انبهر بالأفكار التي تم تنفيذها وأشادوا بجودتها وقوة تحملها إلي جانب أشكالها الديكورية الجذابة.
وفي النهاية يطالب الحكومة بتوفير قطعة أرض ودعم مالي لإنشاء أول مصنع لـGک»‬ في مصر، لتصنيع الماكينات نفسها بدلاً من استيرادها من الخارج، ومن خلال المواصفات الفنية الجديدة التي قام بتعديلها علي الماكينة المستوردة، معتبراً أن مشروعاً من هذا النوع بإمكانه إحداث طفرة نوعية في مجال البناء والتشييد، وخلق فرص عمل كثيرة جداً لمن سيعملون في هذا المصنع ومن يستعلمون مهنة جديدة للعمل في مجال تركيب القطع المنفذة علي اختلاف أنواعها، وهو سوق عمل واعد خصوصاً لخريجي التعليم الفني، والأهم هو الاستفادة من الكرتون المهدر وإعادة تدويره في مشروع مهم من هذا النوع، وتشجيع العاطلين علي جمع الكرتون والتربح من هذا العمل بشكل جيد.