تحقيقات

انخفاض تدريجي للدولار ينعش العملة المحلية

رحلة الجنيه من التعويم إلي الصعود


عــلا العيسوي
2/14/2017 12:47:59 PM

شهد الجنيه أداءً متذبذبا منذ »تعويمه»‬ بقرار البنك المركزي في 3 نوفمبر الماضي، وأدي قرار تحرير سعر صرف الجنيه بشكل مفاجئ إلي ارتباك كبير في السوق وكان بمثابة ضربة موجعة للمضاربين علي العملة، ورغم كل المخاوف التي شابت القرار وانخفاض قيمة الجنيه بشكل كبير خلال الأشهر الأربعة الماضية إلي حد وصول سعر الدولار إلي نحو 20 جنيهاً، إلا أن الجنيه سرعان ما نجح خلال فبراير الجاري في التماسك والصعود تدريجياً واستعادة جزء من عافيته، ما بث روح الأمل في السوق، لكن مازالت الآمال حذرة تشوبها المخاوف بشأن مدي إمكانية صعود الجنيه أمام الدولار.

خبراء اقتصاديون أكدوا لـ»‬آخرساعة» أن الجنيه بدأ رحلة التعافي وسط الآمال الحذرة بعدم حدوث موجات هبوط أخري، بفضل عوامل أبرزها تحويلات المصريين في الخارج، وبدء تعافي القطاع السياحي، ودخول استثمارات أجنبية إلي البلاد، وتعزيز الاحتياطي النقدي، ما ساهم في تماسك الجنيه أمام الدولار ولو بشكل نسبي.
الدكتور مختار الشريف الخبير الاقتصادي استعرض رحلة الجنيه منذ قرار التعويم وحتي الآن، قائلا: قرار البنك المركزي بتحرير سعر صرف العملة  ليصل في البنوك إلي 13 جنيهاً كسعر استرشادي، مقابل 8.88 جنيه قبل قرار التعويم، جاء كبداية لتطبيق شروط قرض صندوق النقد الدولي الذي أبرم في أغسطس الماضي للحصول علي قرض قيمته 12 مليار دولار علي ثلاث سنوات، للمساعدة في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي ومالي.
وأضاف: علي إثر القرار سمح البنك المركزي للبنوك بفتح فروعها حتي التاسعة مساء وأيام العطلة الأسبوعية لتنفيذ عمليات شراء وبيع العملة وصرف حوالات العاملين في الخارج، وبمجرد إعلان قرار البنك المركزي رفعت البنوك المصرية سعر صرف الدولار، ليسجل في البنك الأهلي المصري نحو 13.01 جنيه للشراء، و13.05 جنيه للبيع ، ثم شهد الدولار سلسلة قفزات متتالية منذ ذلك التاريخ ليرتفع  سعر الدولار مقابل الجنيه إلي نحو 15 جنيهاً في البنوك حيث فقد الجنيه المصري نحو 110٪ من قيمته خلال العامين والنصف الماضيين.
وأشار إلي أن الجنيه شهد انخفاضا حادا في قيمته عقب قرار تحرير سعر الصرف لينخفض بنسبة 57٪ بعد أن كانت قيمة سعر صرف الدولار أمام الجنيه أكثر من ضعفها في السوق الرسمية، حيث وصل سعر الدولار في السوق السوداء قبل قرار التعويم إلي نحو 18 جنيها، في حين كان سعره الرسمي  8.88 جنيها.
وأضاف: قرار تحرير سعر الصرف كان له رد فعل إيجابي علي البورصة المصرية رغم المخاوف التي كانت تحيط بالقرار والاتهامات بأن القرار لم يكن في الوقت المناسب وأنه كان يجب تأجيل القرار لأن الاقتصاد المصري يعاني معوقات كثيرة تجعله غير قادر علي تحمل تبعات الخطوة، إلا أن البورصة المصرية خالفت كل التوقعات وقفز مؤشرها الرئيسي لدي افتتاح الجلسة الأولي بعد قرار التعويم  بنسبة تزيد علي 8٪.
وخلال ديسمير الماضي ومع نهاية العام تراجع الجنيه بنسبة 13٪ ورغم ذلك شهدت البورصة عمليات شراء مكثفة علي الأسهم  لتظل محققة مكاسب قوية بعد قرار التعويم.
وخلال شهر فبراير الحالي شهد الدولار هبوطاً مفاجئاً في البنوك رغم كل الظروف السلبية التي تحيط بالاقتصاد والمخاوف من وصول الدولار إلي 20 جنيها، إلا أن الجنيه خالف التوقعات وهبط سعر الدولار أمام الجنيه ليصل إلي 18.27 كأعلي سعر للشراء في البنك المصري لتنمية الصادرات، و18.35 أعلي سعر للبيع في بنك التعمير والإسكان.
وأكد أنه خلال الأسبوع الأخير شهد سعر الدولار في البنوك تراجعا بنحو 60 قرشًا حيث وصل في البنك الأهلي إلي نحو 18.10 جنيه للشراء و18.15 جنيه للبيع مقابل 18.70 جنيه للشراء و18.75 جنيه للبيع.
تماسك الجنيه ومعاودته للتعافي دفع بنك بي إن بي باريبا، إلي إصدار تقريره الأخير حول وضع الجنيه، متوقعا أن يبلغ متوسط سعر الدولار خلال العام المالي الحالي نحو 14.5 جنيه، وأن يرتفع إلي 16.5 جنيه خلال العام المالي المقبل.
وأضاف التقرير، أن تحرير سعر الجنيه جذب نحو 4 مليارات دولار للنظام المصرفي، وأكثر من نحو 1.3 مليار دولار استثمارات أجنبية في الأوراق المالية المصرية، متوقعًا أن تتجاوز تدفقات رؤوس الأموال الرسمية 10 مليارات دولار خلال العام المالي الحالي.
فيما قال الدكتور فخري الفقي مساعد مدير صندوق النقد الدولي الأسبق، إن قرار تعويم الجنيه كان لابد منه، لتحفيز المستثمرين علي ضخ استثماراتهم في السوق، مشيرا إلي أن تعدد نظام أسعار الصرف في السوق السوداء والبنوك سيؤدي إلي تطفيش المستثمرين عن الاستثمار في مصر، فالمستثمر بعد قرار التعويم أصبح يتحرك وفقا لقوي العرض والطلب، مشيرا إلي أنه كان لابد من توحيد سعر الصرف في ظل تذبذب الأسعار، كما أن الحكومة سعت من خلال التعويم الحر إلي سداد التزاماتها المالية.
ويضيف: الجنيه شهد قفزات كبيرة أمام الدولار إلي حد أنه اقترب من العشرين جنيها، رغم أن الحكومة كانت تري وفقا لخطة التعويم أنها كانت تستهدف أن يصل الجنيه أمام الدولار إلي نحو 15 جنيها كحد أقصي، لكن السعر زاد لأكثر مما كانت تتوقع حتي أن بعثة صندوق النقد الدولي ذكرت في تقريرها أن الجنيه فقد أكثر من قيمته علي عكس كل التوقعات.
وأكد أن الصندوق لن يمنح مصر الشريحة الثانية من القرض إلا بعد أن يتم تحقيق مسار الإصلاح الاقتصادي ويعبر الجنيه عن قيمته الحقيقية، وبالتالي من المتوقع أن تطلب بعثة الصندوق إجراءات تكميلية لصرف الشريحة الثانية من القرض المقدرة بنحو 1.2 مليار دولار.
وأوضح أن سعر الجنيه كان قد وصل خلال الأيام القليلة الماضية إلي نحو 19.25 جنيه، وكانت المخاوف تتزايد من بلوغه حد العشرين جنيها، مشيرا إلي أن الحكومة نجحت خلال الفترة الماضية في سداد التزاماتها المالية لتركيا ونادي باريس، وهذا يعد أحد إيجابيات قرار التعويم، كما ارتفع صافي الاحتياطي النقدي لدي البنك المركزي بحوالي 2.1 مليار جنيه خلال يناير الماضي، ليصل إلي 26.3 مليار دولار وهو أمر غير مسبوق منذ سنوات طويلة بعد أن كان الاحتياطي لا يتعدي حاجز 25 مليار دولار، وبالتالي يمكن للاحتياطي تغطية وارادات مصر لفترة أربعة أشهر ونصف قادمة، ما سيعطي ثقة أكبر للمستثمر الأجنبي في الجنيه.
وأكد أن انخفاض سعر الجنيه أمام الدولار خلال الثلاث أسابيع الماضية ليصل سعر الدولار أمام الجنيه إلي 17.5 جنيه يعد مؤشرا علي تعافي الجنيه، مشيرا إلي أن استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية بلغت 500 مليون دولار في يناير ارتفاعًا من 250 مليون دولار في ديسمبر 2016 كما زادت حجم التدفقات الدولارية إلي مصر سواء من بيع السندات الدولارية أو الحصول علي مجموعة من القروض والمنح مما أدي إلي توافر الدولار في السوق.
وأضاف أن هناك إيجابيات لتعويم الجنيه أبرزها فقدان المضاربين لتوازنهم في السوق، كما بدأت البنوك المصرية تتلقي مزيدا من الدولارات، كما بدأت السياحة تتعافي بشكل كبير، فضلا عن ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج إلي مصر وفقا لتقرير البنك المركزي الأخير.
وأشار إلي أنه من المتوقع أن يتعافي الجنيه أمام الدولار مع نهاية السنة المالية، وأن يصل لما كان مخططا له قبل التعويم، وأن ينخفض ليصل سعر الدولار نحو 15 جنيها.
بينما تري الدكتورة يمن الحماقي أستاذة ورئيس قسم الاقتصاد بجامعة عين شمس، أن الاقتصاد المصري كان يعاني من عجز في العملة الأجنبية قبل قرار التعويم لإطلاق الحكومة بعض القرارات غير السليمة أبرزها تقييد حدود السحب والإيداع، ما دفع الكثيرين إلي اعتبار الدولار سلعة مما ولَّد مناخا من عدم الثقة في الاقتصاد المصري نتج عن ذلك قيام السماسرة باحتلال دور البنوك في تحديد سعر صرف العملة.
تضيف: هناك أخطاء فادحة في السياسة النقدية لأن الحكومة تركت الأزمة تتفاقم وتم ترك الحبل للمضاربين للتحكم في سعر صرف العملة، مشيرة  إلي أن الشائعات أضرت كثيرا بالاقتصاد المصري لأنها جعلت الكثيرين يقومون بتخزين الدولار في منازلهم خوفا من تقلبات سعر الصرف، مؤكدة أن عملية التعويم لم تتم بالكفاءة المطلوبة لأن الحكومة تركت الجنيه حتي يصل لسعر ما يزيد عن 19 جنيها.
وبررت انخفاض قيمة الدولار أمام الجنيه بعدة أسباب أبرزها ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج لتصل إلي نحو 2 مليار دولار، كذلك ارتفاع التدفقات النقدية، وارتفاع حجم الصادرات المصرية، وانخفاض قيمة الواردات رغم أنها لم تنخفض للحد المطلوب، كما بدأ القطاع المصرفي يستعيد دوره في تحديد سعر الصرف، طرح سندات دولارية، دفعة صندوق النقد الدولي التي تم منحها لمصر، بالإضافة لضخ استثمارات أجنبية، كل هذه العوامل ساعدت علي تعافي الجنيه بشكل نسبي .
وحصلت مصر منذ بداية العام المالي الجاري علي عدة قروض وتسهيلات مالية من الخارج، منها نحو2.75 مليار دفعة أولي من قرض صندوق النقد الدولي البالغ قيمته الإجمالية نحو 12 مليار دولار تقدم علي مدار 3 سنوات، ونحو 2 مليار دولار من البنك الدولي، إضافة إلي نحو 500 مليون دولار من بنك التنمية الأفريقي.
كما حصلت مصر علي نحو2.7 مليار دولار من خلال اتفاق تبادل للعملة مع الصين، تم توقيعه قبل نهاية 2016. كما باعت مصر سندات دولارية في الأسواق الدولية بقيمة 4 مليارات دولار نهاية شهر يناير الماضي.
وأضافت: لابد من عمل استراتيجية لتنمية الصادرات وذلك من خلال خبراء اقتصاديين ذوي كفاءة، مشيرة إلي أن السياحة بدأت تتعافي والمؤشرات السياحة الصينية وتواجدها في أسوان .
فيما تري الدكتورة بسنت فهمي عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب أنه من المتوقع حدوث انخفاض في قيمة الدولار أمام الجنيه خلال الفترة القادمة، مشيرة إلي ارتفاع الطلب علي الجنيه نتيجة توافر الدولار في البنوك.
وأضافت أن هناك انخفاضاً في الواردات من السلع الترفيهية بسبب التعريفة الجمركية، كما أن تثبيت سعر الدولار الجمركي واستقرار السعر في المنافذ الجمركية ساهم أيضا في انخفاض الدولار.
وأوضحت أن قرار تعويم العملة لم يكن المرة الأولي التي تقوم فيها الحكومة المصرية بهذا الإجراء بل قامت به في 2003 حينما قررت الحكومة المصرية، برئاسة عاطف عبيد، تعويم الجنيه، وكان سعر الدولار قبل قرار التعويم في الأسواق 3 جنيهات و40 قرشا، وفجأة وبعد قرار التعويم ارتفع ليصل إلي 5 جنيهات و50 قرشا، ثم ارتفع مرة أخري، ولامس سقف 7 جنيهات، لكي يستقر عند 6 جنيهات و20 قرشا في ذلك الوقت.



تعليقات القرّاء