فنون

صاحب الجلالة المصري في »كان«

قراءة في مهرجان كان السينمائي الدولي الـ 69


رسالة كان : نعمــــــة الـلـــــه حســـيـن
6/7/2016 11:07:38 AM

أنا ابن الشمس..
ملك الوجهين..
راعي الشعب..
وحامي البلاد..
أري أن الرشوة والفساد قد تمكنا في البلاد.. فأين الكاهن الأعظم.. وأين قائد الجيش.. أنا ملك مصر المعظم.. افتحوا خزائني ليأخذ الشعب الغلال والحبوب.. ليأكل حتي يشبع الجميع.. فأنا راعي الشعب.. حامي البلاد. هذا الأداء الرائع بكلماته الصادقة كان أحد المشاهد القوية الجميلة في الفيلم المصري القصير الذي شارك في زاوية الأفلام القصيرة بمهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والستين والمأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم »‬صاحب الجلالة» للأديب الراحل د. مصطفي محمود.. كتب لها السيناريو وأخرجها الشاب »‬محمد الحضري» في فيلم قصير شديد التميز حاز إعجاب الجميع.
في هذا الفيلم المأخوذ عن مجموعة قصصية قصيرة للدكتور الراحل مصطفي محمود هي (عنبر 7) لفتت »‬صاحب الجلالة» انتباه المخرج الشاب محمد الحضري الذي تحمس لها وقدم عملا إبداعيا رائعا شديد الجمال.. حاول أن يوضح إلي أي مدي أصبح الفنان الجاد يعاني من إحباطات وكيف تدهورت أحوال المسرح والعاملين فيه.. والغريب أنه مازالت الضرائب والمجتمع يضع الفنانين كلهم في سلة واحدة معتبرا إياهم جميعا من الأثرياء أصحاب الملايين.. بينما »‬مجدي» بطل الفيلم الذي يقوم بدوره »‬تامر الدريني» في أول بطولة مطلقة له.. كان محاسبا يهوي الفن والتمثيل.. ومن أجل خشبة المسرح وأحلامه الفنية تدهور به الحال وانفصل عن زوجته وابنته وأصبح مطاردا من الشرطة.. لكنه في النهاية يرفض كل التنازلات خاصة وهو يؤدي دور »‬إخناتون» حيث يشعر فعلا أن الملك هو الذي يحقق العدل.. وينصر الصغار ويجمل الحياة.. وهو الدور الحقيقي للفن بكل جمالياته.
إن مصرنا العظيمة ولادة دائما ومعطاءة إلي أقصي حد.. والأمل كل الأمل في الفنانين الشبان من الممثلين والمخرجين خاصة فهم الطاقة الجديدة التي تفتخر بها مصر في عالم الفن والسينما.
>  >  >
العنف .. والشباب
من رحم تونس الخضراء ومن أبوين هاجرا إلي فرنسا ولد المخرج »‬كريم دريدي» ولديه من الوعي ليتأمل أحوال صغار العرب أبناء الضواحي ومن بعدها عندما صاروا شبابا.. ويوم أن قرر أن يتجه إلي السينما ويختارها مهنة له.. أخذ علي عاتقه أن يقدم صورة صادقة تحليلية للمجتمع الذي يعيش فيه لتكون أفلامه كلها وثائق هامة.. وتأريخا للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وفي أحدث أفلامه »‬شوف» الذي عرض بمهرجان »‬كان».. وهو يعتبر »‬ثلاثية» أفلامه عن الشباب »‬ومارسيليا» تلك المدينة التي تعج بالمهاجرين خاصة العرب.. ومن بعدهم الكثير من »‬الأرمن».. إن مارسيليا بالنسبة لدول شمال أفريقيا هي »‬الباب المفتوح».. و»النافذة» التي تطل علي ثقافات الغرب.. وأول مايرنو إليها الشباب ويتطلعون إليها من الشاطئ الآخر في بلادهم.
في فيلمه الأول »‬باي باي» الذي عرض عام 1995 كان مرحلة اكتشاف للحياة في مارسيليا.. والثاني »‬خمسة» سمح له كما يقول بمعايشة أطفال هذه المدينة من الغجر المشردين وأطفال الأحياء الشمالية الفقيرة وهذه التجربة السينمائية شديدة الثراء من الناحية الإنسانية والفنية هي التي دفعت به لتقديم فيلمه الثالث »‬شوف» الذي اختار اسمه المخرج القدير »‬رشيد بوشارب» الذي شارك في إنتاج الفيلم.
إن مأساة الأحياء والشباب في »‬مارسيليا» أن كل الأسر تنتظر يوميا قوائم للموت تضم خيرة الشباب لكن حالة الضياع التي يعيشون فيها لا تسمح لهم بحياة كريمة وتدفعهم دفعا لعالم الجريمة والانحراف.
من أجل هذا الفيلم عاش »‬كريم دريدي» عامين كاملين في مارسيليا.. مختلطا بالأسر والشباب وحتي العصابات والتشكيلات الإجرامية.. إن مدينة كبيرة »‬كمارسيليا» 80% من أبنائها يعانون البطالة والفراغ ولا شيء مفيدا يشغل حياتهم من الطبيعي أن يكون عالم الإجرام مأوي لهم، ورغم ذلك كان كريم يريد تقديم فيلم روائي وعمل فني متميز.. وليس فيلما تسجيليا وقد نجح في ذلك وفي تقديم شخصياته خاصة سفيان بطل الفيلم الذي وقع عليه الاختيار من وسط ألف شاب.. وهو شاب من مارسيليا يدرس في الكونسرفتوار من الحالمين بغد أفضل.
»‬شوف» أو »‬أنظر» و»‬فتح عينيك» لأحوال هؤلاء الشباب الذي لايملكون مايكفيهم للتعليم أو الدراسة.. مدرستهم في الحياة هي »‬النواصي» في الشوارع يعيشون في فرنسا مع أسر فرنسية متوسطة الحال لكنها تتمتع بكل سبل الحياة الكريمة.
سفيان بطل الفيلم شاب موهوب استطاع التفوق في دراسته لكن الحياة وسط هذا الحي القاسي تدفعه للانتقام والثأر لمن قتل أخاه وحتي في النهاية عندما يفكر في ترك الماضي وراء ظهره والرحيل.. لباريس يدفع حياته هو الآخر ثمنا.. لنمط وأسلوب حياة يعيشها ملايين الشباب الضائع من مارسيليا.. والذين بالتأكيد يكونون مادة خصبة للإرهاب في كل مكان.. إن أبناء المهاجرين يحتاجون من الدولة التي يعشون فيها ويعتبرون أبناءها نظرة إصلاحية جديدة.. تجعلهم يدورون في عجلة الإنتاج بدلا من أن يطلعوا »‬العفريت» الذي يخاف منه الجميع.
ساعات.. قبل الموت
في اليوم التاسع من أغسطس 1715 عاد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر  من رحلة صيد.. يشكو من حرارة وألم في ساقه اليسري قبل أن يكتشفوا أن قدمه قد أصيبت »‬بالغرغرينا» التي انتقلت إلي ساقه الأخري وذلك قبل إعلان وفاته في التاسع من سبتمبر في نفس العام وذلك بعد أطول فترة حكم بلغت اثنين وسبعين عاما.. انقسم فيها المؤرخون حولها ما بين ازدهار للفنون والثقافة والعمارة.. والأدب.. وانتشار الفقر أيضا.. لكن في النهاية انتصرت الإرادة التي وصفته أنه من أعظم ملوك فرنسا.. ففي عصره ازدهر الأدب.. »‬راسين» »‬كورنيل».. »‬موليير» .. عندما توفي والده الملك لويس الثالث عشر تولي تربيته »‬مازاران» رجل الدولة القوي وأعطاه من خبرته الكثير وذلك برعاية الملكة آن..
كان لويس الرابع عشر يكن »‬لمازاران» كل تقدير.. وقد أقام واحدا من أجمل وأضخم قصور فرنسا وجعله مقر إقامته وهو قصر »‬فرساي» الذي يعد تحفة معمارية.
»‬وفاة لويس الرابع عشر» هو واحد من الأفلام التي مثلت فرنسا في البرنامج الرسمي لمهرجان »‬كان» للمخرج »‬ألبير سيرا» كما قام ببطولته الفنان القدير »‬جان بيير ليو» الذي تم تكريمه في المهرجان عن مشوار حياته الفني.
الفيلم تدور أحداثه علي مدي شهر من بداية مرض الملك وحتي وفاته.. حرص المخرج علي تقديم كل الحقائق والتفاصيل التاريخية لمعاناة هذا الملك الذي أثري الحياة الثقافية والفنية الفرنسية والعالم.. كاشفا أيضا كل أساليب الخداع أحيانا والنفاق وجو التآمر الذي يحيط بالملوك عند بداية السقوط..
لقد نجح المخرج باقتدار شديد في أن يقدم لنا فصلا في تاريخ فرنسا وإن كان الفيلم رغم قيمته قد عابه التطويل المصاحب للملل.. بالإضافة إلي أن الإضاءة الخاصة التي استخدمها المخرج في كل لقطات الفيلم كانت مجهدة للعينين وأضفت جوا من الكآبة وهو ما قال المخرج إنه كان يسعي إليه.. إن ملكا بعظمة لويس الرابع عشر لم يكن يليق أن تظهر معاناته بنسبة مئة في المئة بل كان المطلوب كما كان في الحياة أن يظل شامخا لآخر لحظة في عمره..
لكن الحقيقة ماذا يجدي الشموخ والعظمة وكل الكلمات أمام »‬الموت».. الذي نتساوي أمامه ولا مفر منه.. حيث لا فرق بين غني وفقير سوي المظاهر الكاذبة في الدفن والاحتفالات بطقوس لا تفيد من مات في شيء.

ليلة وفاة الملك لويس الرابع عشر