تحقيقات

خبراء يطمئنون رواد الشواطئ

قصص الحيتان والقروش تستهدف ضرب السياحة


نــدي البــدوي
7/12/2016 11:07:09 AM

امتزج الواقع بالأكاذيب، خلال الأسابيع الماضية، بشأن ظهور حيتان وقروش في مناطق متفرقة من شواطئ مصر، فعلي الرغم من صحة بعض هذه الروايات مثل ظهور حوت في الساحل الشمالي، إلا أن هناك منْ زكاها بالشائعات لبث الرعب في نفوس الناس، بهدف ضرب السياحة الشاطئية التي تعوِّل عليها البلاد في تعويض غياب تدفق السياحة الأجنبية التي أصابها الشلل في أعقاب منع دول أجنبية علي رأسها روسيا رحلات السفر إلي مصر، علي خلفية سقوط طائرة لها في سماء شرم الشيخ أواخر أكتوبر من العام الماضي. »آخرساعة»‬ حاولت استجلاء الصورة عن قرب من مصادر متخصصة في سياق التحقيق التالي.

حالة من الصدمة والرعب انتابت قطاعا عريضا من المصريين، بعد انتشار صور وروايات تم تداولها عن وجود حيتان وقروش علي مقربة من بعض الشواطئ السياحية، لكن إحدي الوقائع كانت كفيلة بتكذيب الأمر ولو جزئياً، فشواطئ مصر ومنتجعاتها السياحية لم تتحول إلي ملجأ مائي لأسماك البحر المفترسة كما هي الصورة التي ترسخت في الأذهان أخيراً.
الواقعة التي أزاحت الرماد عن الحقيقة، لخصها مركب يحمل اسم »‬الحاج رجب» الذي قام طاقمه بالحصول علي حقيبة سوداء كبيرة من أحد المراكب الدولية تبين لاحقاً أنه يحتوي علي أسماك القرش، بغرض تصويرها ورفع الصور علي مواقع الإنترنت للإيحاء بأن هناك أسماكا مفترسة موجود قرب شواطئ مدينة دمياط، لكن مخابرات حرس الحدود رصدت الواقعة وألقت القبض علي طاقمها، وأمرت النيابة بفتح تحقيق في الواقعة، التي تؤشر بما لا يدع مجالاً للشك إلي وجود خطة ممنهجة لضرب السياحة في مصر، عبر تخويف المواطنين من ارتياد الشواطئ صيفاً.
آراء الخبراء سارت علي الدرب ذاته، حيث أكد الدكتور محمد سالم رئيس الإدارة المركزية للتنوع البيولوجي بوزارة البيئة أن الشائعات التي تم تداولها خلال الأيام الماضية حول خطورة الحيتان وتهديدها لرواد الشواطئ، لا تتعدي كونها معلومات مغلوطة وغير سليمة يُروّج لها بشكلٍ مُمنهج من جانب البعض، لإثارة مخاوف المواطنين والسُيّاح بغرض التأثير علي السياحة، وقال في تصريحات لـ»‬آخرساعة» إن الحيتان لها طبيعة خاصة مثل الدرافيل، لا تُشكل أي خطورة ويستحيل أن تُهاجم الإنسان، وعلي مستوي العالم لم يُسجّل أي حالة تعدٍ من جانب الحيتان، لأن تكوينها البيولوجي ونظامها الغذائي له خصوصية مُعينة، فمعظم الحيتان تًصنّف علي أنها غير مُسننة (بلا أسنان) حيث يتكوّن فكّها من شبكة خطوط دقيقة، تُشكّل ما يُشبه المصافي التي تُمكّنها من تنقية المياه والتقاط غذائها، لكونها تتغذي علي القشريات والهائمات البحرية وهي نوع من الكائنات الحية الدقيقة التي يصعب رؤيتها بالعين المُجرّدة.
يتابع: ينطبق ذلك أيضًا علي الحوت الذي تم رصده أخيراً في منطقة الساحل الشمالي، ويُسمي حوت »‬الزعنفة» الذي يُعدّ من أهم أنواع الحيتان »‬البالينية» عديمة الأسنان. ويواجه هذا الحوت خطر الانقراض بجانب الحوت الأحدب وحوت العنبر وأنواع أُخري من الحيتان المُسجّلة لدينا والتي يصل عددها إلي 15 نوعًا. لذا تلتزم مصر منذ سنوات طويلة بالتزاماتها الدولية المُتعلّقة بحماية التنوع البيولوجي والبيئة البحرية، ويأتي علي رأسها اتفاقية صون الثدييات والحيتان في حوض البحر المتوسط، فنحن بصدد تنفيذ برنامج بدعم من الجهة الممولة بالاتفاقية، لإجراء مسح كامل لحوض البحر المتوسط بهدف رصد تجمعات وكثافة الحيتان وتحديد المخاطر التي تهددها، ووضع حلول للحد من تأثيرات النقل البحري والتلوث البترولي وتهديدات الأنشطة السكانية في البحر المتوسط علي الحيتان والبيئة البحرية.
ويُشدد سالم علي ضرورة العمل علي توصيل المعلومات السليمة للجمهور حول طبيعة الكائنات البحرية وبصفة خاصة أسماك القرش، لفهم سلوكياتها وعدم الانجراف وراء الشائعات التي تهوّل من تهديدها للشواطئ المصرية. موضحًا أن حوادث مهاجمة أسماك القرش لمرتادي شواطئ البحر الأحمر محدودة للغالية، ولم نُسجل خلال الخمس سنوات الماضية غير حالتين آخرهما الحادثة التي وقعت بمنطقة العين السخنة. حيث إن مصر تُعد من أقل الدول تعرضًا لحوادث أسماك القرش، بينما إذا نظرنا إلي سجلات أهم المنظمات العالمية المعنية بالأحياء البحرية، سنجد أن الولايات المتحدة الأمريكية يقع بها سنويًا مالا يقل عن 60 حادثة، تليها أستراليا وجنوب أفريقيا في معدلات حوادث هجوم أسماك القرش.
بينما يؤكد الدكتور رضا فيشار الرئيس السابق للمعهد القومي لعلوم البحار والمصائد أن هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء التغيير الذي يُمكن أن يطرأ علي سلوكيات أسماك القرش، ويجعل بعضها يتجه إلي مناطق قريبة من الشواطئ. تكمن أهمها في وجود خلل في نظامها الغذائي بسبب الصيد الجائر للأسماك، ما يجعلها تنتقل من منطقة إلي أخري بحثًا عن الغذاء. إلا أن ذلك لا يعني مُهاجمتها للإنسان. فأسماك القرش لا تُهاجم مالم يتم استثارتها عن طريق رائحة الدم أو شعورها بالخطر جرّاء الحركة المُفرطة. لذا لا يجب المبالغة في تصوير خطورتها، كل ما نحتاجه هو الوعي البيئي بهذه الكائنات وكيفية التعامل معها ويقع هذا الدور بالطبع علي عاتق وزارة البيئة.
ويوضح أن ظهور الحيتان قُرب الشواطئ ظاهرة طبيعية تحدث علي فترات مُتباينة، وذلك أثناء هجرتها أو تجوّلها في البحار. فالحيتان بطبيعتها تعيش في الأعماق إلا أن بعضها يضل طريقه ويجنح إلي السواحل الضحلة عن طريق الخطأ، وكثيرًا ما يتعذر عليه العودة إلي المياه العميقة بسبب ضخامة حجمه وصعوبة عملية الحركة في السواحل. وهذا ما يُفسر تمكّن بعض رواد شواطئ الساحل الشمالي من مشاهدته بشكلٍ واضح، فالحركة البطيئة التي كان عليها تدل علي أنه مُجهد ومُصاب ويحاول العودة إلي أعماق البحر. ومن المهم أن نوضح أهمية هذه الحيتان في خلق التوازن البيئي في البيئة البحرية لكونها من أهم مكونات هذه البيئة، ما يستدعي ضرورة الحفاظ عليها. حيث إن اختفاءها يُحدث خللاً فيما يُعرف بالسلسلة الغذائية للكائنات البحرية، وقد يؤدي إلي تكاثر أنواع من الكائنات السامة بسبب اختلال التوازن البيئي.
بينما يري الدكتور مصطفي فودة خبير الأحياء البحرية ومُستشار وزير البيئة للتنوع البيولوجي، أن الكيفية التي تم تداول الظاهرة بها، يمكن أن تؤثر بشكلٍ سلبي علي وعي المواطنين بقضايا التنوع البيولوجي وأهمية الحفاظ علي الكائنات البحرية باعتبارها ثروة طبيعية لا يجب التفريط فيها. مُتابعًا: مجال السياحة البيئية في كثير من دول العالم يعتمد بشكل كبير علي سياحة القروش ومُشاهدة الحيتان التي تدر دخلاً هائلاً لهذه الدول. وهذا لا يعني عدم الحذر في التعامل معها لكن ينبغي استغلال هذه الثروة الطبيعية.


تعليقات القرّاء