تحقيقات

جنون الدولار وركود السياحة يهددان الصناعة

»ساقية أبوشعرة«.. كانت تـُصـِّدر سجادها للعالم!


عــلا نافـع
3/14/2017 12:05:13 PM

علي إحدي حوائط قصر الإليزيه بفرنسا توجد سجادة حريرية كبري تلفت أنظار زوار القصر الرئاسي نظراً لجودة صناعتها وزهاء ألوانها، أغلبهم يظن أنها إيرانية الصنع لشهرة تلك الدولة بصناعة السجاد الحريري الفخم، لكن لا يخطر ببال أحد أنها نسجت بأيد مصرية تعيش بعيداً عن دائرة الضوء في قرية »ساقية أبوشعرة»‬ بمحافظة المنوفية، وفوجئ الرئيس الأسبق حسني مبارك بالسجادة في زيارته للقصر الفرنسي فقرر زيارة القرية أوائل التسعينيات ورؤية منتجاتهم عن كثب.

تتبع القرية مركز أشمون يجاورها قرية »‬سنتريس» وشرقا نهر النيل فرع دمياط يبلغ عدد سكانها 30 ألف نسمة يعملون بمهنة غزل السجاد الحرير والصوف لا يعرفون مهنة غيرها فقد توارثوها من آبائهم وأجدادهم علي مر السنين، فقلما تجد بيتا يخلو من النول اليدوي بل وأصبح من مستلزمات منازلهم الأساسية فقد دخلت الصناعة إليهم في أواخر خمسينيات القرن الماضي علي يد الكحال باشا وكان سوري الجنسية فأنشأ مصنعاً بالدراسة لصناعة السجاد ثم استقدم شابين من القرية لمعاونته فأنشأ أحدهما ويدعي رشدي زهران أول مصنع بالقرية واستقطب الأطفال لتعليمهم الحرفة لتنتشر بعد ذلك وتصبح مهنتهم الأساسية حتي يومنا هذا.
ويتراوح عدد مصانع السجاد اليدوي في »‬ساقية أبوشعرة» بين 20 و30 مصنعاً، معظمها تقليدية ملحقة بالمنازل وكان السياح يأتون خصيصا لزيارتها ويتهافتون علي شراء منتجاتها ونقلها لبلادهم حتي تأثرت السياحة بالأحداث المتتالية والفوضي عقب ثورة يناير فانهارت حركة التجارة وخسروا زبائن من معظم دول العالم خاصة روسيا وأمريكا وألمانيا ناهيك عن ارتفاع سعر الدولار وما سببه من أزمة استيراد المواد الخام من الصين فارتفع سعر كيلو الحرير الواحد من 200 إلي 700 جنيه، ويتم شراؤه خاماً ليدخل بعد ذلك للمصابغ لاختيار ألوان ملائمة.
وليس هذا فحسب فقد زاد سعر كيلو الصبغة الواحد عشرة جنيهات، ما سبب أزمة كبري دفعت الكثير من أصحاب المصانع لغلقها في ظل تجاهل الحكومة ورفع وزارة التضامن يدها عن دعم تلك الصناعات وتوفير موادها الخام كما أن الكثير من الأيدي العاملة هجرتها جرياً وراء وظيفة ثابتة مما قلل من نسبة العاملين بالمهنة لأكثر من 50%.
تجولنا داخل القرية لنرصد ما آلت إليه الصناعة.
تجلس سميحة (13 عاماً) أمام نولها تدخل في منافسة حامية مع صديقتها سميرة والتي تكبرها بعدة أعوام لغزل أكبر عدد من العقد والغرز، تضحكان بعفوية ومرح تنتظران علي أحر من الجمر الانتهاء من تلك التحفة الفنية والتي من المتوقع اشتراكها في مسابقة دولية بالقاهرة أوائل العام القادم، تتمنيان فوزهما تتويجاً لكدهما، تنظران بين الحين والآخر علي لوحتهما ذات اللون »‬الأخضر» أو»‬البرسيمي» كما تطلقان عليه فهو اللون المحبب لقلبيهما فقد تفتحت أعينهما عليه ويحيط بهما يميناً ويساراً.
تقول سميحة: تعلمت غزل السجاد من والدتي عندما أتممت السادسة من عمري فقد كانت تعمل بالمهنة مع شقيقاتي الثلاث وسرعان ما احترفتها وكنت كباقي زميلاتي نعمل طيلة شهور الصيف وبحلول العام الدراسي لا نعمل سوي ثلاثة أيام أسبوعياً لمدة ثماني ساعات متقطعة، وكثير من السياح كانوا يجيئون لقريتنا لشراء منتجاتنا فاشتهرنا بين دول العالم وهذا كان يسرني كثيراً وأفتخر بذلك ولكن بعد ثورة يناير واضطراباتها اختفي السياح تماما ولم يعودوا يجيئون إلينا مما أثر علي حركة البيع والشراء لذا علي الحكومة أن تبذل قصاري جهدها لعودة السياحة مرة أخري وجذب زبائننا الذين كانوا يفتخرون بما نصنعه فيحملونه إلي بلادهم شاكرين لنا.
أما سميرة فقالت: لا توجد قرية في مصر كلها تشتهر بصناعة سجاد الحرير سوي قريتنا ونظرا لتلك الشهرة حرصت السيدة جيهان السادات في السبعينيات علي زيارة قريتنا بعدما علمت بما ننتجه وأمرت وزارة الشئون الاجتماعية بدعمنا بما نحتاجه من مواد خام وتسويق وهي قصة متوارثة يحرص آباؤنا علي روايتها لنا وليست هي من دعمتنا فقط فالسيدة آمال عثمان وزيرة الشئون الاجتماعية السابقة كانت من أهم الوزيرات اللائي دعمننا بأوامر من مبارك في أوائل التسعينيات ولكن بعد ذلك ساءت الأحوال وباتت المصانع الكبري هي المحتكر الأول للصناعة مما أثر علي يوميتنا فبتنا نتقاضي أجوراً تافهة.
أما الطفل عبدالله محمد فالتصق بوالده ليتعلم منه كيفية تثبيت العقد، ينظر بتركيز عال حتي يتعلم أصول المهنة فقد عشقها منذ نعومة أظفاره ووقع في غرامها منذ أن أتم السادسة من عمره، يساعد أقرانه في اختيار الألوان المناسبة، ينتهي سريعا من عمل واجباته المدرسية ليغادر إلي »‬المصنع» الذي يعمل به والده، يمسك نوله ويبدأ في نسج الخيوط مؤكداً أنها هواية ليس أكثر.
يمر تصنيع السجاد بأربع مراحل تبدأ كما يشير الحاج فتحي صاحب أحد المصانع بإعداد النول من خلال تثبيت الحرير عليه ثم تأتي المرحلة الثانية بوضع الماكيت الأساسي للسجادة ليسير عليه العمال أثناء التصنيع وتأتي المرحلة الثالثة بصباغة الخيوط الحريرية البيضاء التي نستوردها من الصين بألوان مناسبة أما المرحلة الأخيرة فهي غسل السجادة وتثبيتها.
يضيف: وقبل تعويم الجنيه ورفع سعر الدولار كنا نستورد كيلو الحرير بـ400جنيه وارتفع السعر إلي 800 ومتر السجادة الواحد يحتاج إلي 4 كيلو، إضافة إلي ارتفاع سعر كيلو الصبغة إلي 35 جنيها وهناك بعض أنواع من السجاجيد تستغرق سنوات لإنجازها مما جعل الكثير من الأصحاب يغلقون أبوابهم.
انتقلنا للحديث مع محمد ناجي أحد أقدم مصممي السجاد في مصر فيقول: أمارس تلك المهنة منذ أكثر من أربعين عاما وصممت الكثير من السجاجيد الشهيرة للمستشار الألماني الأسبق هيلموت كول والرئيس اللبناني السابق إميل لحود وعدد من أمراء الخليج إضافة لأشهر مصانع السجاد بالقاهرة وأعتمد في التصميم علي القلم الرصاص والورق إضافة للألوان المحببة إلي قلبي وبعد رسم التصميم أقوم بتحويله من خط كروكي إلي مربعات ونظراً للظروف الصعبة التي نمر بها بدأ الكثير من أصحاب المصانع الاعتماد علي التصاميم القديمة دون تجديد وابتكار وتختلف أسعار التصاميم حسب المقاسات وعن الوقت الذي تستغرقه تصميم سجادة كبري يقول: من الممكن أن تستغرق سجادة كبري عدة شهور وتصل إلي سنة.