الصفحة الأولي

«آخرساعة» تكشــف:مراكز تخاطب غير مرخصة تتلاعب بالمرضي


نـــدي البـــدوي
9/12/2017 1:35:26 PM

لا فرحة تُضاهي سماع الكلمات الأولي التي ينطقها الطفل. تلك التي ينتظرها الأهل بترقبٍ وأمل، مُحتفين بكل كلمةٍ جديدة تُضاف إلي قاموسه اللغوي. الأمل الذي ينطفئ في عيون آخرين وهم يقفون عاجزين أمام أطفالهم، ممن يعانون من مشكلاتٍ في السمع وتأخر الكلام أو عيوب النطق. ليطرقوا أبواب مراكز التخاطب الخاصة التي تنتشر في كافة أنحاء الجمهورية، غير مدركين أن جلسات التأهيل التخاطبي التي يخضع لها أبناؤهم، تتم علي أيدي أشخاص غير مؤهلين، مع انتشار المراكز غير المُرخصة التي يفتحها أخصائيون، دون أن تخضع لأي إشرافٍ طبي. بعدما تحوّل المجال إلي »بيزنس»‬ يستنزف الأهالي ويستغل عدم وجود الوعي الكافي لديهم. وهي الظاهرة التي تزداد حدتها في ظل ضعف الرقابة من جانب وزارة الصحة، وتصل خطورة تشخيص غير المؤهلين لأمراض التخاطب حسبما يُشير خبراء إلي تدهور حالة المرضي، والتأثير علي قدرة الأطفال علي الكلام.

عشوائية المنظومة الحاكمة لمجال التخاطب في مصر، والتي يُفترض أن تخضع لرقابة إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة، تزداد مع ظهور طرق ملتوية يتخذها كثير من أخصائي التخاطب، لممارسة المهنة بشكل غير مشروع ودون إشراف طبي، وذلك تحت ستار جمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة، التي تحصل علي تصريح من وزارة التضامن الاجتماعي. قائمة طويلة تشملها أمراض التخاطب منها أمراض الصوت والكلام والتأخر اللغوي، وأمراض التلعثم والبلع وصعوبات التعلم، والتي تتطلب خضوع المريض لبروتوكول علاجي يُقره طبيب التخاطب وفق تشخيصه للحالة، ليقوم الأخصائي بتنفيذ التدريبات المطلوبة.
سيلٌ من الصفحات والإعلانات الترويجية علي شبكة الإنترنت، ستجده بمجرد أن تبحث عن »‬مراكز تخاطب» علي محرك البحث. لا أحد يتصوّر أن كثيراً من هذه المراكز غير مُرخصة. وهو ما كشفناه بالفعل في جولة بعدد من المراكز بمحافظة القاهرة والجيزة. بعدما التقطنا بعض عناوين هذه المراكز، لافتات تُعلن عن مراكز للتخاطب وعلاج السلوك وصعوبات التعلّم. »‬أريد مُقابلة الطبيب المسؤول» بدا طلبي غريبًا للسكرتيرة التي استقبلتني بأحد هذه المراكز. »‬لدينا أخصائيون حاصلون علي دورات تأهيلية في التخاطب» لتسرد لي قائمة الخدمات التي يقدمها المركز، والتي تشمل علاج تأخر الكلام وعيوب النطق غير برامج تعديل السلوك والتأهيل الوظيفي وتنمية المهارات». القائمة ذاتها وجدتها بمركز آخر بخلاف أنه يقدّم رعاية نهارية للأطفال، مع توفير جلسات فردية للتخاطب.
حكايات مأساوية يسردها الأهالي الذين وقعوا ضحيةً للجشع وغياب الضمير. تحكي والدة أحد الأطفال الذي يتردد علي إحدي مراكز التخاطب الشهيرة عن التجربة التي اختبرتها. تخبرني أن حالة ابنها- ذي الخمس سنوات- تم تشخيصها بشكل خاطئ علي أنه يُعاني من التلعثم، رغم اكتشافها فيما بعد أنه لديه تأخر في الكلام». أخصائية التخاطب أخبرتني أنه يحتاج لجلسات جماعية يوميًا، برفقة أطفال يُعانون من نفس حالة التلعثم، بعد فترة وجدت أن حالة ابني تسوء وقدرته علي النطق تأثرت بشكل كبير».
لم تتخيل شيماء حمدان أن تصل ابنتها إلي سن ثماني سنوات وهي عاجزة عن النطق بسبب بروتوكولات علاجية خاطئة. أروي التي تُعاني من حالة طفيفة من التوّحد بدأت رحلتها مع مراكز التخاطب منذ خمس سنوات. »‬خلال هذه السنين ترددت علي أكثر من مكان، لم يكن هناك أي تحسن في حالتها حيث لا تنطق غير كلمات محدودة، ولا تستجيب للأصوات بشكل سليم. إلي أن ذهبت إلي أحد المراكز بحي الدقي الذي يستخدم العلاج بالأكسجين وجلسات التكامل السمعي، أوهمتنا صاحبة المركز أن هذه الجلسات ستحسن حالتها، عن طريق جهاز يعمل بتقنية التكامل السمعي». هذا الجهاز كما تخبرني شيماء عبارة عن سماعات متصلة بوحدة تصدر ترددات معينة.
تتابع: أخبروني أنها تحتاج إلي عشر جلسات وسعر الكورس العلاجي خمسة آلاف جنيه. لم تتحسن بعد أول فترة، لأكرر الجلسات مرة أخري. اضطررت إلي بيع ذهبي حتي أتمكن من توفير تكاليف العلاج، لأكتشف أن كل هذا ليس إلا عملية نصب. حالات أخري أطلعتنا عليها الدكتورة نهال هشام مدرس مساعد بمعهد السمع والكلام، ومسؤولة لجنة أمراض التخاطب بنقابة الأطباء. كم الحالات التي تصادفها يوميًا ممن تعرضوا لعمليات النصب والتضليل دفعتها إلي تبني القضية. تخبرني أن من بين الحالات التي أتت إلي المعهد شاب عمره 20 عامًا يُعاني من التلعثم، تنقّل من مركز لآخر لمدة عشر سنوات، حتي تدهورت حالته النفسية وأُصيب بالاكتئاب. وللأسف تم تشخيص الحالة في أحد هذه المراكز علي أنه لديه مشكلة في الأحبال الصوتية.
غير أن بعض حالات تأخر الكلام تُشخص من غير المُختصيّن خطأ علي أنها مشكلة تلعثم، وبالتالي يتلقي الطفل جلسات تأهيلية خاطئة ولا تناسب حالته، ما يؤدي إلي زيادة المشكلة وتدهور الحالة. بعضهم أيضًا يوهمون الأهالي أن أبناءهم يعانون من تخلف عقلي، باختبارات ذكاء غير سليمة. تتابع حالة أخري أجرينا لها منظاراً للحنجرة تعاني من نتوءات علي الثنايا الصوتية وتحتاج إلي جلسات صوت، صُدمت عندما أخبرتني أن الجلسات التي تلقتها في أحد الأماكن كانت عبارة عن »‬مساج» للرقبة. وهذا بالطبع ليس له أي أساس علمي. العديد من الحالات الأخري أتت إلينا من أماكن تُطبّق »‬تخاريف» في العلاج. من بينهم طفل لديه »‬شق سقف حلق» من المفترض أن يخضع لجلسات تخاطب لعلاج الخنف المفتوح، إلا أن الأخصائي أوهمهم بجدوي جهاز يوضع في الفم لتقوية العضلات. وللأسف بعدما كشفنا عليه بالمنظار وجدنا أنه كان يجب أن يخضع لجراحة عاجلة حتي لا يتأثر كلامه.
الأخطر كما توضح أن هذا المجال دخله الكثير من »‬النصابين» ممن يدّعون أنهم متخصصون في التخاطب. بعض المراكز تُسبب كوارث للمرضي يتم إغلاقها، لكن تفتح للأسف في مناطق أخري. فتخصص أمراض التخاطب هو تخصص طبي إكلينيكي. هذه الأمراض عديدة ومُتشعبة، منها أمراض الصوت والكلام واللغة والبلع وصعوبات التعلم. وتتحدد مُهمة الطبيب في علاج المشكلات الصحية التي تمنع الشخص من الكلام، سواء الأطفال الذين يعانون من تأخر الكلام، أو حالات فقدان اللغة بعد اكتسابها وتحدث بسبب التعرض للجلطات، التي تؤثر علي قدرة التواصل الشفهي لدي الكبار. وكذلك من يستطيع الكلام والتعبير عن أفكاره، لكن لديه مشكلات في الصوت مثل التلعثم والخنف. فالذي يقوم بالتشخيص واختبارات تقييم اللغة يفترض أن يكون طبيباً متخصصاً في أمراض التخاطب، حيث يقوم الطبيب بوضع البروتوكول العلاجي والتأهيلي الذي ينفذه أخصائي التخاطب. إلا أن الأساليب العلاجية والتأهيلية التي يتبعها هؤلاء في الأغلب تكون غير علمية.
تتابع: مجال التخاطب يعتبر من المجالات الحديثة نسبيًا لدينا، حيث بدأ في مصر منذ عام 1973 بجامعة عين شمس علي يد الدكتور ناصر قطبي. فعدد أطباء التخاطب لا يتجاوز 300 طبيب علي مستوي الجمهورية. وهناك ثلاث جهات فقط تقدم دورات تخاطب معتمدة ومُعترف بها للأخصائيين كما تؤكد هشام، هي معهد السمع والكلام ومستشفي الدمرداش بجامعة عين شمس وكلية الطب بجامعة الإسكندرية. هذه الدورة مدتها سنتان وتعد بمثابة دبلومة. المسمي الوظيفي لأخصائي التخاطب »‬معالج نطق وكلام»، له دور فني مساعد لتطبيق البروتوكول العلاجي الذي يضعه الطبيب لكل حالة. وهو ما يدرسه ويتدرب عليه في هذه الجهات، والتي تقبل بالأساس خريجي أقسام علم النفس بكليات الآداب والتربية. لا يمكن أن يُشخّص أو يغير بروتوكول العلاج. الكارثة أن بعضهم يدّعون أنهم أطباء. للأسف كثير منهم يفتحون مراكز دون إشراف طبي، والكارثة الأكبر أن هناك دورات في كليات أخري ومراكز غير معتمدة، وغير مؤهلة علي أي خلفية علمية أو طبية، تعطي شهادات.
الظاهرة كما تقول لا تقتصر علي المراكز فقط ولكن تمتد إلي مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة، التي تقتصر في الأغلب علي تقديم الخدمة من قبل أخصائيين، غير الجمعيات وحضانات الأطفال التي تحصل علي ترخيص من وزارة التضامن الاجتماعي. خاطبنا إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة وأرسلنا لهم عناوين بعض المراكز غير المرخصة، لكن للأسف مازالت الأماكن تعمل ومازال الملف عالقًا بسبب ضعف الرقابة. وللأسف نجد أن هناك أيضًا مستشفيات خاصة وعيادات أطباء أمراض نفسية، يستعينون بغير المؤهلين لإعطاء جلسات تخاطب بدلاً من المُختصين.
 لذا عقدنا عدّة اجتماعات بنقابة الأطباء منذ فترة، وخرجت الجمعية العمومية بعدد من التوصيات علي رأسها، عدم السماح لأي منشأة بممارسة مهنة التأهيل التخاطبي، بغير إشراف طبيب حاصل علي ماجستير أو دكتوراة في أمراض تخاطب، وإيقاف أي منشأة مخالفة مع تشكيل لجنة لبحث إيجاد تشريع يحد من هذه المخالفات من خلال مشروع قانون لمزاولة المهنة.
وتوضح الدكتورة إيمان عبد البديع رئيسة قسم السمعيات بمعهد السمع والكلام، أن حالة السمع هي الأساس الذي يُحدد قدرة الشخص علي الكلام، وتأتي بمثابة القاعدة التي تُبني عليها بروتوكولات التأهيل التخاطبي. حيث نقوم بقياس ضغط الأذن وما إذا كانت هناك مُشكلة في الأذن الوسطي، ويلي ذلك اختبارات الذكاء وتحديد مقاييس مستوي السمع التي نجريها قبل خضوع المريض لعملية التخاطب. وهنا تأتي خطورة المراكز التي لا تخضع لإشراف طبي، فغير المُختص يُمكن أن يعطي الطفل تدريبات لعلاج تأخر الكلام، دون أن يُدرك أن لديه مشكلة في السمع، ما قد يؤدي إلي فقده القدرة علي الكلام تمامًا.
وتُشير عبدالبديع إلي أن أول ثلاث سنوات في عمر الطفل هي الفترة الحساسة في نمو اللغة، وعدم علاج مشكلات السمع يؤثر بدوره علي مركز التفسير في المخ، وهو الخاص بفك شفرات الكلام والأصوات. وهنا يعمل التخاطب علي تحفيزه لفك هذه الشفرات حتي يبدأ المريض في تعلّم الكلام. فلا جدوي من إجراء عملية زراعة القوقعة لفاقدي السمع دون أن يعقبها تأهيل تخاطبي. كذلك من يخضع لعلاج ضعف السمع باستخدام السماعة، فبعض هذه الحالات لديها مشكلة في الوظائف العليا للغة التي تتحكم في عملية الفهم، والقدرة علي تفسير المعاني غير المُباشرة.



تعليقات القرّاء