تحقيقات

«آخرساعة» ترصد المعاناة في ورش ومصانع ميت غمر

قلعة الألومنيوم «تنهار»


عــلا نافـع
3/14/2017 12:40:14 PM

مدينة ميت غمر بالدقهلية حباها الله بتربة عفية لزراعة محاصيل كالقمح والأرز، واشتهرت بتنوع أنشطتها بين الزراعة والتجارة كانت تسمي »منية غمر»‬ أي القرية ذات الأسواق والمتاجر العديدة، وفيها تنتشر مصانع الطوب الطفلي، لكنها نالت الشهرة الأكبر لاحتضانها مسابك وورش الألومنيوم المنزلي لتصبح قلعة صناعة الألومنيوم الأولي في مصر.

لا يخلو منزل في ميت غمر من ورشة أو مصنع صغير لسبك وصهر الألومنيوم، حتي أن غرفة الصناعات المعدنية قدرت عددها أواخر 2012 بنحو 70 مسبكا و800 ورشة توزع إنتاجها علي المحافظات والدول الأفريقية.
وقد دخلت تلك الصناعة مصر أوائل السبعينيات بعد أن استغني الكثيرون عن الأواني النحاسية التقليدية, حيث قام عياد باشا أحد أبناء المدينة ببناء أول مسبك ألومنيوم لتشغيل أبناء بلدته بعد عودته من ألمانيا واستقائه الخبرة الأوربية الحديثة في هذا المضمار ومن ثم انتشرت الصناعة تدريجيا خاصة بعد افتتاح مجمع الألومنيوم بنجع حمادي عام 75 والذي أطلق شرارة بنائه الرئيس عبدالناصر بمعاونة خبراء روس, فيقوم المجمع بتزويد احتياجات تلك المصانع من الطاقة الإنتاجية التي زادت خلال العشر سنوات الأخيرة بعد أن قامت عدة مصانع بتصدير إنتاجها لتونس وليبيا والسودان وغيرها.
ورغم المخاطر الصحية التي يتعرض لها العمال من درجة حرارة عالية إلا أنهم لم يفكروا في هجرها أو البحث عن مهنة أخري حتي صدور قرار تعويم الجنيه، أوائل نوفمبر الماضي، لمواجهة الارتفاع الجنوني لسعر الدولار ما أثر سلبا علي أسعار المواد الخام والمعدات التي يتم استيرادها من الخارج فارتفع سعر كيلو الألومنيوم من 30 إلي 50 جنيهاً، بخلاف التعقيدات الروتينية لاستخراج التصاريح اللازمة وملاحقة الضرائب والمحليات لهم مما دفع الكثير منهم لغلق مصانعه وتسريح العمالة، دون أن تمد الحكومة يد العون لهم وتنقذ تلك الصناعة.
والأدهي- بحسب قول أصحاب المسابك - أن يحتكر أصحاب المصانع الكبري المواد الخام والدعم المقدم للورش الصغيرة ليصبح »‬حاميها حراميها».
للوهلة الأولي حين تدخل المدينة يسترعي انتباهك الأواني المنزلية اللامعة والمتراكمة علي جانبي الشوارع الضيقة, أصوات ماكينات تشكيل الألومنيوم تشعرك بكونك داخل خلية نحل فالكل يعمل بهمة وحذر فما أكثر حوادث البتر التي تعرض لها عمال تلك الماكينات دون صرف تعويضات لهم, أما داخل المسابك فتشم روائح الدخان وأصوات اللهب القوي الذي يصهر الألومنيوم الخردة الذي زاد سعره إضافة إلي الارتفاع الجنوني لسعر »‬المؤدة» أو فرن الصهر الذي تصل صلاحية استخدامه لشهرين فقط وكان يتم استيراده من ألمانيا بخمسة آلاف جنيه وبعد ارتفاع سعر الدولار زاد إلي 17 ألف جنيه، ما دفع الكثيرين للإبقاء علي الفرن الحالي، وهو ما يزيد من خطر انفجاره فإلي الآن يستخدمون أنابيب البوتجاز دون أن تهتم الحكومة بإمدادهم بخط غاز طبيعي.
يقف الشاب »‬عماد ناصر» أمام نار المؤدة القوية يلقي بكميات من الألومنيوم الخردة التي يتم تجميعها من تجار الروبابكيا ليقوم بصهرها وصبها في »‬الدرفلة» لصنع قوالب من الألومنيوم يقضي أكثر من سبع ساعات يوميا نظير أجرة لا تتعدي 70 جنيها. يتذكر والده الذي ورث مهنة النحاتة منه وتعلم فنونها علي يده إلا أن إصابته بالغضروف وآلام العمود الفقري أجبرته علي ترك العمل دون تعويض.
يقول عماد: منذ تفتحت عيناي علي الدنيا ومدينتنا توارثت مهنة صناعة الألومنيوم المنزلي ويعمل بها أكثر من 20 ألف عامل تتباين أعمارهم وشهاداتهم الدراسية ونصدر منتجاتنا للمحافظات الأخري، أما المصانع والمسابك الكبري فتصدر منتجاتها إلي الدول الأخري يقول: هناك الكثير من المخاطر التي نواجهها أهمها الأمراض الصدرية وحساسية الجلد وأمراض العمود الفقري إضافة لخطر انفجار أنابيب البوتجاز لكن »‬ما باليد حيلة»، فلا نعرف سواها عملا في ظل الظروف الاقتصادية السيئة وغلاء المعيشة كما أننا نعاني من خطر إغلاق مصدر رزقنا نتيجة لارتفاع أسعار الخامات والوقود.
أما عن خطوات تصنيع الألومنيوم فيقول محمود سعيد أحد العمال: تمر صناعة الأواني بعدة مراحل أولها صهرها وتحويلها لسبائك ثم مرحلة »‬الدرفلة» وهي عملية فرد الألومنيوم وتحويله إلي ألواح يسهل استخدامها، وتتم هاتان المرحلتان في مسابك ثم يتم تشكيل الألواح إلي أوانٍ مختلفة بورش مخصصة للتشكيل، وتلميع الأواني وتغليفها ثم عرضها في السوق.
أما محمد عبدالمعطي صاحب أحد المسابك فيقول: منذ افتتاح مصنعنا كنا نقوم بتصدير منتجاتنا لدول شرق أوربا، لكن في السنوات الأخيرة سادت حالة كساد عصفت بإنتاجنا وساهم ارتفاع سعر الدولار في تفاقم الأزمة فارتفع سعر كيلو الألومنيوم الخردة، ما دفع الكثيرون إلي الإقبال علي استخدام علب المياه الغازية الفارغة والألومنيوم الرديء »‬خبث الألومنيوم» الذي يعد أحد أسباب الإصابة بالسرطانات المختلفة إضافة إلي ارتفاع سعر الخامات.
يتابع: نعاني أيضاً من ملاحقة الجهات المختصة لنا كالأمن الصناعي والكهرباء فيقومان بتحرير محاضر مخالفات بزعم عدم مطابقة المسابك لاشتراطات الأمن الصناعي وعدم وجود تراخيص لمزاولة العمل مما يدفعنا لتقديم الرشاوي النقدية لهم تفاديا لدفع المخالفة التي تصل قيمتها إلي 10 آلاف جنيه، والكارثة أنه عند التقدم بطلب لترخيص المسبك تفاجئك الإجراءات الروتينية التعقيدية التي تطول إلي شهور عديدة.
يتفق معه طارق جبر صاحب أحد المسابك: أصبحت صناعتنا في مهب الريح دون أن نلقي دعما من الحكومة ففي التسعينيات كانت تمدنا بحصص من الألومنيوم الخام ودعم مادي إلا أن الحال تبدل وبات أصحاب المصانع الكبري والذين تربطهم علاقات شراكة مع أعضاء الحكومة يحصلون علي الدعم كله ويقومون باقتسامه دون أن ندري شيئا وهم أنفسهم محتكرو التصدير للدول العربية والأوربية وإذا طلبنا قرضا للمشروعات الصغيرة نفاجأ بتعقيدات وإجراءات تكلفنا أكثر من قيمة القرض.
فيما يقف الأسطي طارق صاحب إحدي الورشة بحذر علي ماكينة التشكيل التي تتعدد فورمها وأحجامها ممسكا بإحدي قطع الألومنيوم يعاونه أحد صبيانه الصغار الذي لا يتعدي عمره الثالثة عشرة سنة, ينظر بتركيز لحركة الماكينة تفاديا لأي إصابة, يخرج بين الحين والآخر ليتابع سير عملية صقل الأواني وتلميعها فعشرات الأطفال الصغار يكسو السواد وجوههم الغضة يعملون بهمة في تلميع تلك الأواني وصقلها في الهواء الطلق نظير بضعة جنيهات يعودون بها مساء لذويهم علها تعينهم علي نفقات الحياة لا تتعدي أعمارهم 15 عاماً إلا أن ظروف الحياة صنعت منهم رجالا صغاراً, يلقون بأكياس الصودا الكاوية داخل المياه التي يغسلون بها الأواني بعد تشكيلها دون قفازات ما يعرضهم لسرطانات الجلد وأمراض الرئة.
يقول رامي (11 عاماً): بعد وفاة والدي اضطررت لترك المدرسة والعمل بورشة الألومنيوم لمساعدة والدتي في الإنفاق علي إخوتي الأربعة فأستيقظ منذ السابعة صباحا وأستقل إحدي عربات النصف نقل والمجيء للورشة بتمام التاسعة وأقوم بمساعدة زملائي في وضع الصودا كاوية والميتريون بحوض الغسيل لتلميع الأواني وتجفيفها في الشمس وأتناول وجبة واحدة.
أما عمر جابر (9 سنوات) فلا تفارق البسمة شفاهه رغم صعوبة عمله والذي ظهر علي يديه التي تشققت وأصابها الوهن فإلي الآن لم يفقد الأمل في أن يصبح لاعب كرة شهيرا مثل لاعب الزمالك عمر جابر والذي يحمل نفس اسمه فيقول: بعد طلاق والدتي اضطررت لمساعدتها في الإنفاق عليّ أنا وأختي الصغيرة فوالدي تنصل منا وتزوج بأخري ولكني أحاول بقدر الإمكان أن أرضي حبي للعبة كرة القدم فأنا أعشقها وأعشق نادي الزمالك وسعدت بأني أحمل اسم عمر جابر وأتمني أن أقابله ولومرة واحدة.
أما الأسطي طارق صاحب الورشة فيقول: بعد ارتفاع سعر كيلو الألومنيوم بات من الصعب استمرار عملنا فنحن نعمل يومين فقط في الأسبوع والكثير من الورش أغلقت أبوابها حتي أن التجار الذين كانوا يتعاملون معنا أفلسوا فبعد أن كانوا يبيعون نصف طن في الشهر الواحد أصبح من الصعب عليهم بيع مائة كيلو فقط مما أثر علينا ناهيك عن ارتفاع أسعار المواد الكيماوية التي نستخدمها لتلميع الأدوات المنزلية فارتفع سعر كيلو الصودا كاوية من 6 إلي 15 والمتيريون من 75 قرشا إلي 2.5 جنيه.
من ناحية أخري يقول المهندس محمود الدهتوري رئيس نقابة الألومنيوم بالدقهلية: حجم استثمارات قطاع صناعة الأدوات المنزلية 10 مليارات جنيه، وتواجهه معوقات أبرزها ارتفاع أسعار المواد الخام مما أثر علي سعر المنتج النهائي وأدي لتوقف بعض مصانع الألومنيوم، بالإضافة لارتفاع الأجور وزيادة أسعار الكهرباء مضيفا أن القرار الأخير الذي أصدره محافظ الدقهلية حسام الدين إمام بإعطاء تراخيص مؤقتة لمدة سنة لأكثر من ألف مصنع سيساهم في تخفيف الأزمة لمساعدة تلك المصانع علي مزاولة نشاطها بشكل قانوني، وتسهيل تعاملاتها مع البنوك.