تحقيقات

دخلت مصر في عهد محمد علي ومنعها عبدالناصر

مطالبات بعودة زراعة التبغ


عـــلا نــافــع
8/29/2017 1:42:34 PM

تتصدر مصر مركزاً متقدما بين الدول الأكثر استهلاكا للدخان وتعتبر السجائر أكثر منتجات التبغ رواجا بين كافة الأعمار، فبحسب إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فإن أعداد المدخنين تبلغ 14 مليونا و600 ألف ويمثل المدخنون نحو 17٪ من إجمالي أعداد المصريين الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فأكثر. الغريب هو انطلاق مطالبات في الفترة الأخيرة بعودة زراعة التبغ في مصر، بعد ارتفاع أسعار السجائر بشكل كبير في الآونة الأخيرة.. التفاصيل في السياق.

لا شك أن رفع أسعار السجائر وتطبيق ضرائب مضاعفة عليها، يعمل علي رواج سوق السجائر المهربة والتي تتركز تجارتها في مناطق الموسكي وباب البحر القادمة من تركيا واليونان وقبرص وأغلبها مجهول الهوية وطريقة التصنيع، ما يزيد من أعداد مرضي الربو والقلب وتفاقم حالات الوفيات والكارثة أن أغلب مستهلكيها من المراهقين والأطفال نظرا لرخص أثمانها مقارنة بالأنواع الأخري، ولكن هناك شريحة أخري من المستهلكين اضطرت للعودة إلي السجائر »اللف»‬ وورق البفرة وأغلبهم يقطنون القري والصعيد ويعتبرون عملية لف السيجار مزاجا وتميزا فيقبلون علي شراء »‬المرل» وهي ماكينة اللف وتأتي من الدنمارك وإنجلترا وتستخدم مرة واحدة كما ظهرت البفرة المستوردة والتي تعطي للسيجار نكهة ومذاقا مختلفا علي عكس الورق الأبيض التقليدي.
أما التبغ فتختلف أنواعه وجودته بحسب المقدرة الشرائية للمدخن مما يجعل تدخين »‬اللف» أرخص من غيره ومهما كثر الحديث عن أخطاره الصحية فقد ارتبط التبغ بعدة حكام لعل أهمهم علي الإطلاق الرئيس محمد نجيب عاشق البايب وكذا الرئيس السادات المولع بالتبغ الأمريكي أما ناصر فقد كان يدخن السجائر العادية كالبلمونت وكينت المستوردة.
كانت تلك الأسباب هي التي دفعت الشركة الشرقية للدخان المحتكرة لإنتاج السجائر بتقديم دراسة مستفيضة للدكتور أشرف الشرقاوي وزير قطاع الأعمال حول الفوائد الجمة التي ستعود علي اقتصادنا بزراعة التبغ من توفير للعملة الصعبة لاستيراده والتي تصل سنويا إلي 180 مليون دولار بحسب الدراسة وليس هذا فحسب بل مساهمتها في خلق فرص عمل لآلاف الشباب والابتعاد عن سيطرة الشركات العالمية المتحكمة في ذلك السوق ومن المنتظر عرضها علي البرلمان لأخذ الموافقة علي المشروع.
ومن المعروف أن تلك الشركة تحتكر صناعة السجائر، وتسيطر الحكومة علي أغلب أسهمها، إذ تتوزع أسهمها بين 55٪ من إجمالي الأسهم ملكاً للدولة وباقي الأسهم تتوزع بين صناديق خاصة يملكها مصريون وأجانب وأخري لرجال أعمال واللافت للنظر أن الشركة كانت تقدمت بهذا المشروع منذ عدة سنوات لوزير الزراعة الأسبق أيمن أبوحديد الذي رفض المقترح لخطورته علي الصحة، وبمجرد انتشار الفكرة لاقت تشجيعا من العديد من نواب الشعب أهمهم رفعت داغر عضو لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي ونائب زفتي الذي تحمس للفكرة مبررا ذلك بأنها لا تختلف عن الزراعات الأخري وستدر علي خزانة الدولة أموالا كثيرة.
وليس بجديد علينا زراعة التبغ بأراضينا فقد عرف مع دخول الحملة الفرنسية إلي مصر، وبدأت زراعته علي استحياء بالفيوم، إلا أن النقلة في زراعة التبغ كانت في عهد محمد علي باشا الذي بدأ حياته كتاجر أدخنة، ليحتكر زراعته في مصر ويصدره لمعظم دول العالم ويزرعه بمدن الصعيد وظلت تنتشر بتوسع لتوفير المادة الخام لشركات السجائر في عهد الاحتلال الإنجليزي لمصر من عام 1882 وحتي عام 1952 ونظرا للانفتاح الثقافي واحتضان مصر للعديد من الجنسيات المختلفة شجع ذلك الأرمن إلي الهجرة وافتتاح أكبر شركة سجائر وتبغ وهي شركة »‬ماتوسيان» للأخوين اللذين حملا نفس الاسم.
ولم يكن الأرمن وحدهم الذين خاضوا غمار تلك الصناعة فقد تلاهم اليونانيون بتأسيسهم مصانع الإخوة كريازي ومصانع جانكليس للسجائر، وتأسس الأول عام 1873 بالتوفيقية، وكان إنتاج المصنع من السجائر يتم تصديره إلي الشرق الأوسط وأوربا، وكانت من أهم ماركاتهم »‬زينيت» و»‬ألف ليلة وليلة» وظل احتكار هاتين الفئتين لصناعة السجائر حتي ثورة 1919 وشعور المصريين بضرورة مقاومة الاحتكار الأجنبي ليخرج سيجار »‬بيت الأمة» لصاحبه محمود باشا فهمي وظهرت عدة شركات مصرية لكن لم تنل حظها من الشهرة علي عكس الشركات الأجنبية وإذ بالملك فؤاد يصدر مرسوما ملكيا بإنشاء شركة الشرقية للدخان لمحاربة السيطرة الأجنبية فقد كان عاشقا لتدخينه من خلال البايب وخاصة »‬دانهيل» وهو أحد الأنواع المشهورة.
وعقب ثورة 1952 تعرضت مصالح الأجانب للتأميم من بينها شركة »‬ماتوسيان» التي تركت تحت إدارة الأخ جوزيف ماتوسيان، واندمجت الشركة مع الشرقية للدخان ونقلت الشركة بالكامل إلي مقر الماتوسيان بالجيزة وأصدر الرئيس عبد الناصر قرارا بمنع وتجريم زراعة التبغ، وتأسيس منظومة جديدة لزراعة الحاصلات الزراعية التي توفر لمصر غذاءها مثل الزيادة في زراعة القمح والذرة والشعير وظل قرار المنع مطبقا حتي يومنا هذا ليعود الحديث عنه مجدداً ويثير جدلاً في ظل مطالبات بضرورة التوسع في زراعة محاصيل استراتيجية.
يقول محمد عثمان هارون رئيس الشركة الشرقية للدخان: بمجرد أن تم طرح فكرة إعادة إحياء زراعة التبغ حتي قمنا بإعداد دراسة مفصلة عن جدوي زراعته في توفير آلاف فرص العمل للشباب وتوفير العملة الصعبة وما يفيض عن إنتاجنا سوف يتم تصديره إلي الدول الأخري وذلك بمساندة باحثين من وزارة الزراعة علي رأسهم الدكتور سعد نصار رئيس مركز البحوث الزراعية الأسبق والدكتور إبراهيم صديق رئيس جامعة المنوفية الأسبق وعدد من الخبراء وقد أثبتت الدراسات أن هناك أنواعا يصلح زراعتها في تربتنا »‬كتبغ بيرلي» والمنتشر بعدة دول عربية كلبنان وفلسطين وتصل نسبته نحو 25٪ من مشتريات الشركة.
يتابع: من أهم الدول التي نقبل علي الشراء منها الهند وأندونسيا وملاوي وتختلف جودة المشتريات من دولة لأخري وقد فكرنا من قبل في زراعة التبغ في دول أخري ولكن ذلك يكلفنا أموالا طائلة ويضعنا تحت تصرف تلك الدول والغريب أنه لا يوجد سبب فعلي لمنع زراعته بمصر سوي إصدار السلطان العثماني قرارا بمنع زراعته وتجريمه في عهد محمد علي بعد توقيع معاهدته مع اليونان وبعد ثورة 52 منع منعا تاما فبحسب التفكير في ذلك الوقت بضرورة الاعتماد علي المحاصيل الهامة لتوفير لقمة العيش بعد أن امتص المحتل الإنجليزي دماءنا واستقر الأمر علي استيراده فقط  من المستهدف زراعة 75 ألف فدان علي الأقل، وذلك لسد حاجة الشركة من التبغ وعدم استيراده من الخارج، والذي يكلف من 25 إلي 30 مليون دولار شهريًا ومن الممكن زراعة مساحات أكبر لسد حاجة المصانع.
أما الدكتور صلاح عطية الأستاذ بمركز البحوث الحقلية فقال: في ثمانينات القرن الماضي بعد إجراء التجارب والأبحاث الزراعية علي التبغ كمحصول زراعي لعدة سنوات وتسجيل الكثير من الباحثين لرسائل ماجستير ودكتوراه عن جدوي تلك الزراعة صدر قرار بوقف مناقشة الموضوع مرة أخري وقد أثبتت التجارب والأبحاث علي زراعة مساحة 4 أفدنة بالتبغ في منطقة النوبارية أن هذا المحصول يعطي حوالي طنا من ورق التبغ المجفف بتكاليف منخفضة ولكن عوائده ضخمة جدا فلا يجتاج سوي 60 يوما بفصل الصيف يعطي النبات الواحد حوالي 15 جراما من بذرة التبغ مضيفا أن احتياجاته من السماد ضئيلة جدا لا تتعدي 33 كيلو للفدان الواحد وتجود زراعته بالأراضي المالحة كالنوبارية والبحيرة ومن الممكن اختبار الزراعة بتوشكي وشرق العوينات والوادي الجديد.
من ناحية أخري، استنكر الدكتور رجب القطان الأستاذ بكلية الزراعة جامعة الزقازيق تلك المطالبات بزراعة التبغ قائلا: ليس من المعقول استقطاع مساحات هائلة من الأراضي ذات الجودة العالية والتي يتم زراعتها بالقطن والذرة لتزرع بالتبغ بحجة توفير الدولارات التي يتم استهلاكها في استيراده فمن الأولي علي الحكومة توسيع خطتها لزراعة المحاصيل الاستراتيجية وتوفير الدولارات أيضا وبالفعل هناك العديد من المحاولات لإعادة زراعته مرة أخري ولكن من المعروف أنها مكلفة للغاية لعدم وجود خريطة لزراعته بسبب الظروف المناخية غير الملائمة له كما أنه يحتاج بعد زراعته إلي تكنولوجيا عالية لصناعة إنتاج المحصول، من خلال استخدام تكنولوجيا عالية تسمي بالتعطين، ولا يوجد فنيون في مصر لصناعة المنتج مما يجعله عديم المنفعة مشيرا إلي أن زراعته تشكل خطرا علي التربة حيث تنهكها وتفقدها قيمتها وتعرضها للبوار مما يجعلنا نخسر آلاف الأفدنة الجيدة.