تحقيقات

بعد 10 سنوات من تمرد الحركة علي القاهرة

صفعة مصرية للإخوان وداعش سيناء بـ«تطليق حماس من غزة»


مصالحة حماس وفتح برعــــــــــــايـة مصـر تعيـد الأمـل في إحيــاء عملية السـلام

مصالحة حماس وفتح برعــــــــــــايـة مصـر تعيـد الأمـل في إحيــاء عملية السـلام

عــلاء عــزمي
9/19/2017 10:20:04 AM

فارق كبير بين حماس أبريل 2007، وحماس سبتمبر 2017.. فالأولي اجتاحت غزة واستولت عليه بقوة السلاح والدماء بمباركة من جماعتها الأم "الإخوان"، والثانية رفعت شعار العودة إلي الرشد صراحة ودون أي مواربة، معلنة خضوعها للرؤية المصرية الخاصة بحتمية تخليها عن القطاع المنكوب والعمل تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية وعودة الوفاق مع فتح. بيد أن المحصلة النهائية، أن تحول الفصيل المسلح من النقيض إلي النقيض، لا يعني إلا فك ارتباطه عمليًا برجال المرشد، والأهم بتنظيمات العنف والإرهاب الداعشي في سيناء علي وجه التحديد.

وأعلنت حماس فجر الأحد، في بيان رسمي، أنها حلّت حكومتها في قطاع غزة، داعية حكومة السلطة برام الله، بقيادة رامي الحمد الله للقدوم إلي القطاع لممارسة مهامها.
حسب البيان، أكدت الحركة موافقتها علي إجراء انتخابات عامة واستعدادها لتلبية الدعوة المصرية للحوار مع حركة فتح حول آليات تنفيذ اتفاق القاهرة 2011 وملحقاته، وتشكيل حكومة وحدة وطنية في إطار حوار تشارك فيه الفصائل الفلسطينية الموقعة علي اتفاق 2011 كافة.
فيما قطعت الحركة أن "هذه القرارات تأتي استجابة للجهود المصرية، والتي جاءت تعبيراً عن الحرص المصري علي تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام".
ولطالما عانت مصر من العبث الحمساوي علي حدودها الشرقية، والذي تراوح بين حفر مئات الأنفاق، أو عمليات التسلل علي الحدود، وبين التعاون التام مع العناصر الإرهابية السيناوية بالدعم وبتوريد الرجال والعتاد والتسليح، وبخاصة فيما بعد 25 يناير 2011، وبعد زوال دولة المرشد صيف العام 2013.
"حماس بدت فعليًا في الجبهة المناوئة لمصر إلي جانب الإخوان، ومن خلفهم قطر وتركيا".. يقول الخبير بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، محمد جمعة، ثم ما لبثت أن دخلت علي خط التعاون والتنسيق التام مع جماعات العنف.
الآن ما الذي جري؟.. طلاق بائن رسمي بين حماس والجماعة.. الأخيرة فقدت ذراعًا عسكرية مؤثرة، كانت تعدها دومًا "شوكة مسلحة في خاصرة القاهرة"، علي حد وصف ماهر فرغلي، الخبير في حركات الإسلام السياسي والجماعات المسلحة.
عمومًا، وعلي مدار العامين الماضيين، بدت علي السطح تحركات عدة نحو تسليم حماس، ورفعها الراية البيضاء أمام القاهرة، ومن ثم إدارة ظهرها للإخوان وأجندتهم الفوضوية ضد نظام الحكم علي ضفاف النيل.
جاء وفدان رفيعا المستوي للقاهرة من جانب حماس، بحثًا عن توافق ظن كثيرون أنه سيكون بعيدًا، ثم كانت زيارة الوفد الأهم الأسبوع الماضي، بقيادة رئيس المكتب السياسي الجديد للفصيل الفلسطيني إسماعيل هنية، والذي جرت علي يديه وبالفعل تحولات كبري إيجابية من جانب الحركة تجاه مصر علي وجه التحديد..
الثابت، حسب الباحث محمد جمعة، أن الأوضاع تداعت بغزة في أسوأ صور المعيشة المتردية في ختام السنة العاشرة تحت حكم حماس، فرفعت الأخيرة الراية البيضاء..
وغيرت حماس مكتبها السياسي ورئيسه مايو الماضي، وجاءت بمن يملكون أو علي أقل تقدير من حافظوا علي رحابة ود وتفاهم مع القاهرة..
وبالقطع أرادت حماس وفي نهاية المطاف الاستقرار وفك الحصار عليها عمليًا، خصوصًا أن مصر تملك المعبر الوحيد الأكثر إفادة لها "رفح" والذي يعتبر الجسر الوحيد المتاح للبقاء في معية الصف الفلسطيني.
القاهرة بدورها كانت ولا تزال تريد الحركة في صلب المكون الفلسطيني الوطني، بعيدًا عن أي أجندات دولية أو إقليمية أو أيديولوجية (الإخوان والجماعات التكفيرية والدينية المسلحة).
مصر لا تريد من حماس أن تصبح عائقًا يعطل السلطة في فلسطين، مصر لا تريد من حماس أن تتحول لشوكة أزلية تحترف التعاون مع الإرهاب في ظهرها. وبالتالي حفزتها علي وضع يدها مع البراجماتيين في فتح، كمحمد دحلان، والتخلي عن الأجندة الإخوانية، لتتوقف خسائرها المؤلمة.
حماس جاءت إلي القاهرة بقيادتها الجديدة وعقدت أول اجتماعاتها السياسية الرسمية، مع إعلان صريح بحل لجنتها الإدارية التي تدير غزة، استعدادًا للدخول في حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مع الفتحويين، مع ترك ملفات الأمن والأسري في يد مصر كذلك، وقبل كل شيء السعي الجاد لتحقيق المصالحة الفلسطينية.
النتيجة النهائية، أن حماس أنقذت رقبتها في الوقت القاتل، فيما تلقي الإخوان صفعة كبري بتخلي أكبر فصيل مسلح ظل لعقود يعمل تحت لواء بيعة تنظيمهم الدولي.
وكانت وثيقة السياسات العامة الجديدة لحماس، الصادرة مطلع مايو الماضي أول تغيير جذري لا ريب فيه بالنسبة لتوجهات وأهداف ومنطلقات حركة المقاومة الإسلامية تجاه الإخوان بصفة خاصة والقضية الفلسطينية والثوابت العربية بصفة عامة..
فالركيزة الأكثر لفتًا للانتباه بالوثيقة، أنها "فكت عمليًا ورسميًا ارتباطها العضوي والفكري بجماعة الإخوان، وبكونها ذراعها العسكرية والسياسية في فلسطين"، وفق الباحث محمد جمعة..
الوثيقة السياسية الجديدة لحماس، خلت من أي إشارة لأي علاقة بالإخوان، وذلك علي عكس ما كان عليها بيانها التأسيسي الأول قبل ثلاثين عامًا، والذي وضع بمعرفة مؤسسها الروحي الشيخ أحمد ياسين، حيث تم ذكر الصلة بالتنظيم العالمي لرجال المرشد في 6 مناسبات صريحة، لعل أبرزها في باب التعريف بالحركة، المادة الثانية: "حركة المقاومة الإسلامية (حماس) جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي (الإخوان) كبري الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتي مجالات الحياة، في التصور والاعتقاد، في السياسة والاقتصاد، في التربية والاجتماع، في القضاء والحكم، في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام، في الغيب والشهادة، وفي باقي مجالات الحياة".
وفي بند الموقف من الدول العربية والإسلامية، جاء نصًا في البيان التأسيسي لحماس: "والدول العربية والمحيطة بإسرائيل مطالبة بفتح حدودها أمام المجاهدين من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، ليأخذوا دورهم ويضموا جهودهم إلي جهود إخوانهم من الإخوان المسلمين بفلسطين".
العلاقة والصلة التنظيمية الواضحة بالإخوان، انتفت تمامًا في وثيقة السياسات الحمساوية الجديدة.. بل إن الأخيرة تضمنت فقرة مطمئنة ولو ظاهريًا لنية جديدة للحركة لعدم الاستمرار في دور الجماعات الوظيفية التي تدير معارك بالوكالة لصالح فصائل وأنظمة حكم في بلدان أخري، علي غرار ما فعلته قبلًا لصالح الإخوان وقطر وربما تركيا أو إيران، في مصر أو في غيرها، حيث جاء بصيغة واضحة لا تحتمل التأويل في البند السابع والثلاثين:
"تؤمن حماس بالتعاون مع جميع الدول الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما ترفض الدخول في النزاعات والصراعات بينها. وتتبني حماس سياسة الانفتاح علي مختلف دول العالم، وخاصة العربية والإسلامية؛ وتسعي إلي بناء علاقات متوازنة، يكون معيارُها الجمع بين متطلبات القضية الفلسطينية ومصلحة الشعب الفلسطيني، وبين مصلحةِ الأمَّة ونهضتها وأمنها".
ربما، وعلي الأرجح أرادت حماس أن تطمئن مصر، بحثًا عن إعادة التناغم التام مع بلاد النيل سياسيًا وأمنيًا، بعد سنوات من الشد والجذب، وعمل الحركة في معية الأجندة الإخوانية، ناهيك بالأصابع والبصمات الكثيرة التي رصدت لها في فورة الإرهاب بأرض الكنانة، وبالأخص في سيناء..
وتسعي حماس منذ عامين لإعادة الوفاق مع القاهرة، وخلال تلك المدة زارت 3 وفود رفيعة المستوي مصر، والتقوا بمسؤولين أمنيين ومخابراتيين لحل القضايا العالقة، وكان أبرزها التوقف عن دعم الإرهاب الداعشي وغير الداعشي في سيناء، وفك الارتباط العضوي والاستراتيجي بالإخوان، ما أثمر في النهاية عن إجراءات حمساوية تراجعت بها عمليًا عن دعم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء)، بل وبدأت تضرب بيد من حديد لمنع التحاق العناصر المتسربة من عز الدين القسام أو من رموز السلفية الجهادية النشطة بقطاع غزة، بمقاتلي جماعات العنف الديني بأرض الفيروز..
يقول الباحث ماهر فرغلي: "هذا يفسر العداء الكبير الحالي بين دواعش سيناء وحماس، ومحاولات الفريق الأول إشعال معارك جانبية مع حركة المقاومة الإسلامية أو توريطها مع إسرائيل بإلقاء صواريخ عليها عبر أقران بيت المقدس بغزة، ناهيك بالكشف عن هوية القساميين المتواجدين في شبه الجزيرة المصرية، علي أمل ضرب توافق فريق إسماعيل هنية مع القاهرة"..
من جانبها، باتت مصر، تفصل بين الإخوان، وذراعهم العسكرية المسيطرة علي قطاع غزة، حماس، حتي من قبل إعلان الأخيرة لوثيقتها الجديدة، وذلك لاعتبارات الأمن القومي بالنسبة للقاهرة..
 بالأحري القاهرة تتعامل حاليًا مع الكيان السياسي لحركة المقاومة الفلسطينية، بحسابات الاحتواء، حتي ولو أقرت بتورط الأجنحة المسلحة فيها، بعضها أو كلها، في الإرهاب النشط علي ضفاف النيل..
هكذا جرت الأمور والتفاصيل، ليستيقظ الإخوان علي كابوس جديد: حماس لم تعد تحت بيعتهم وخططهم الكارثية.