تحقيقات

لعبة القط والفأر بين الملاك والمستأجرين

فتنة «قانون الإيجارات القديم» تضرب المجتمع


ياسمين عبد الحميد
9/19/2017 1:09:10 PM

50 عامًا والأزمة تزداد تعقيدًا شهرًا تلو الآخر، لا أحد يقترب من الملف الشائك خشية ردود الأفعال الغاضبة، اتهامات لمن يحاول نبش الجرح بالخيانة والعمالة، والرغبة في تشريد ملايين الأسر المصرية.
قانون الإيجارات القديم، قنبلة موقوتة انفجارها يهدد المجتمع بالانقسام في وقت نحتاج فيه جميعًا للتوحد خلف وطن عاني كثيرًا خلال السنوات الماضية.. الملاك يعانون والمستأجرون مرعوبون، والبرلمان أعلن التحدي وقرر إجراء العملية الجراحية الصعبة.

الخلافات الدستورية والتشريعية وتعدد القوانين في هذه المسألة كلها تسعي في النهاية لإيجاد صيغة توافقية تحمي حقوق الطرفين الملاك والمستأجرين، فالفريقان بينهم ظالمون ومظلومون، لا أحد يرضي أبدًا لرجل في الستين من عمره، مثل أحمد صابر، لديه 3 بنات وأم تعيش معه في منزل والده، ويعمل موظفا في التأمينات، أن يُطرد من منزله بوسط البلد، ليذهب إلي شقة في منطقة متواضعة وبمساحة صغيرة لا تجعله يستطيع حتي استقبال أي عريس يتقدم لإحدي بناته، وكل ذلك لمجرد أن أصحاب العقار قرروا هدمه وإقامة برج تجاري مكانه يحصدون من خلاله ملايين الجنيهات، دون منح الرجل حقه.
في المقابل، لا يُعقل أبدًا لرجل ذي منصب مرموق ورث عن والده شقة في جاردن سيتي، تركها مُغلقة وذهب ليعيش في فيلته بالتجمع الخامس، واشتري لأبنائه شققا في أماكن مختلفة، ويرفض التنازل عن شقة والده التي يدفع لها شهريًا 20 جنيهًا.
كما لا يُعقل أن يمتلك رجلًا عمارة بالكامل تطل علي كورنيش النيل، ولا يملك القدرة علي شراء شقة لابنه، لأنه لا يملك مصدرًا للرزق سوي 300 جنيه هي مجموع إيجارات الشقق التي يملكها في عمارته وكلها مؤجرة بنظام قانون الإيجارات القديم.
عمارة بـ370 جنيهًا
البداية كانت من عند النائب، إسماعيل نصر الدين، عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب، الذي حمل علي عاتقه مهمة التقدم بمشروع لتعديل قانون الإيجارات القديم، أكد أن اتخاذه لموقفه بنبش هذا الجرح الغائر كان بسبب سيدة قابلته أمام مجلس النواب، وقالت له "سأختصمك يوم الدين" أمام مرأي ومسمع النواب، فالسيدة التي تعول ثلاثة أبناء وتقوم بشراء أدوية بـ370 جنيهًا شهريًا، لا تستطيع الإنفاق علي علاجها وأبنائها، رغم امتلاكها عمارة سكنية بالكامل، تحصل منها علي 76 جنيهًا فقط شهريًا، مجموع إيجارات شقق العمارة.
إسماعيل، شرح تفاصيل مشروع قانونه قائلًا إنه يُقسم الإنشاءات إلي 3 شرائح، بحيث تكون المرحلة الأولي خاصة بالمساكن المؤجرة إلي الحكومة أو الشركات قطاع الأعمال والشركات الخاصة، ولها مدة زمنية عام واحد من تاريخ إصدار القانون والعمل به، وفي حالة الرفض فإن من حق المالك أن يخلي المبني ويعاونه في ذلك الجهات الإدارية، في ظل أن الحكومة مسئولة عن حل مشاكل الشعب لا العكس.
تابع، أن المرحلة الثانية تخص المحلات التجارية والجراجات والمخازن، والقانون وضع لها 5 سنوات فترة انتقالية، بحيث يتم زيادة القيمة الإيجارية الحالية علي خمس مرات، بحيث تصل إلي القيمة العادلة خلال 5 سنوات، لإعطاء وقت للتاجر في تصريف بضاعته وإيجاد مكان آخر، أما المرحلة الأخيرة فتخص السكن الأسري وهو هدف القانون، لأنه يمس شريحة كبيرة من المجتمع، موضحًا أن القانون فرض مرحلة انتقالية 10 سنوات، تكون فترة لتزويد القيمة الإيجارية لتصل إلي نهايتها خلال 10 سنوات تدريجيًا.
عضو لجنة الإسكان بالبرلمان، شدّد علي أنه لا يوجد نائب مُحترم يسعي لحماية فئة علي حساب فئة أخري بالمجتمع، فجميع من يتحدث في الموضوع لم يقرأه جيدًا، كما أشار إلي أن هناك صندوق التكافل الاجتماعي الذي سيُساعد المُستأجر علي تغطية فرق الزيادة للمالك، وهذا لا يتطلب شهادة فقر ولا يُرهق المستأجر في شيء، فالقانون هدفه الأساسي هو الحفاظ علي حقوق الطرفين المالك والمستأجر وتحقيق التوازن بينهما، موضحًا أن مصادر التمويل للصندوق تتمثل في الزيادة السنوية للإيجار المُحددة بـ10٪ تتقاسم بين المالك والصندوق باعتبارها الضريبة التي يدفعها المالك للحصول علي حقه، فضلًا عن الاستفادة من الشقق المغلقة التي تقدر بـ6 ملايين شقة وفقًا لإحصائيات التعبئة العامة والإحصاء، لافتًا إلي أن القيمة الاستثمارية للشقق المغلقة تصل إلي 600 مليار جنيه، ولا تستثمر أو تفيد الشعب بسبب قوانين الإسكان العاجزة.
مؤامرة وتشريد
مُجرد الإعلان عن تقدم النائب البرلماني بمشروع قانونه، انفجرت الخلافات بين الملاك والمستأجرين، فأعلن الخبير القانوني، محمود عطية، أحد المدافعين عن حقوق المستأجرين بنظام الإيجارات القديمة، أن الحديث القائم داخل البرلمان من قبل بعض الأعضاء حول قانون الإيجارات القديمة "مؤامرة"، لاسيما أن المحكمة الدستورية العليا فصلت في الأمر بإصدار حكم ينُص علي تمديد العقد لمرة واحدة فقط، لافتًا إلي أن هناك عددًا من النواب أطلقوا بعض التصريحات حول إنشاء صندوق لصالح المستأجرين بقيمة 200 مليار جنيه، وأن هناك 67 لقاء تلفزيونيًا مدفوع الأجر، و337 خبرًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، و217 خبرًا بالصحف القومية والمستقلة، إضافة إلي 17 قانونًا بمجلس الشعب، و13 حالة وفاة بين الملاك والمستأجرين فور إعلان نواب مجلس الشعب مناقشة مشروع القانون.
عطية، شدّد علي أنه يوجد عدد من النواب ورجال الأعمال يرغبون في تمرير ذلك القانون لصالح أهوائهم الشخصية، مؤكدًا أن تنفيذ ذلك القانون سيُلقي أكثر من 20 مليون مواطن بالشارع، لافتًا إلي رغبة الملاك في استعادة شققهم مرة أخري وذلك بسبب قلة قيمة العائد المادي الذي فرضه قانون الإيجار القديم.
في المقابل، أيدت جمعية المتضررين من قانون الإيجارات القديمة، علي لسان مُستشارها القانوني، المحامي أحمد البحيري، مشروع تعديل قانون الإيجارات القديمة، وقال البحيري إن مالك العقار يتضرر في ماله والمستأجر يتضرر في حياته بسبب قانون الإيجار القديم، وأن أزمة الإيجار القديم تتعلق بالعدالة الاجتماعية، فالقانون به كثير من المشاكل الخاصة منها مثلًا مسألة تنفيذ صيانة العقارات القديمة من قبل المالك، لافتًا إلي أن دار الإفتاء المصرية أصدرت فتوي تنص علي أن عقد الإيجار في الشريعة يكون مُحدد المُدة وأن أي عقد غير مُحدد المُدة يكون باطلًا.
البحيري، طالب بإلغاء قانون الإيجار القديم والعودة إلي القانون المدني المُطبق منذ عشرين عامًا، الذي ينُص علي أن العقد شريعة المُتعاقدين بين المالك والمستأجر، مُشيرًا إلي تواجد ما يقرب من 8 مشروعات مطروحة بمجلس النواب من أجل إلغاء قانون الإيجار القديم.
مُخالف للشريعة
الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، اتفق مع فتوي دار الإفتاء وحديث أحمد البحيري، وقال إن قانون الإيجار القديم يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ويجب إلغاؤه، استنادًا للمادة الدستورية التي تنص علي أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، موضحًا أن كل العقود في التشريع الإسلامي تُبني علي التوقيت، أي مُدة مُحددة، عدا عقد الزواج، فهو يُبني علي التأبيد، مُستشهدًا بقول الله تعالي في سورة المائدة: "أوفوا بالعقود".
أضاف، أن الشريعة بالنسبة للأشخاص ولغير الآدميين، تتيح الكراء أي الإيجار والإدارة، لكنه لم يرد في الشريعة الإسلامية تأبيد كراء العقارات أو الأراضي الزراعية، فهذا لم يرد لا في القرآن، ولا في سنة النبي صلي الله عليه وسلم، ولا في إجماع العلماء، مُشيرًا إلي أن عقود الإدارة تُبني علي التوقيت؛ لأنها لو بُنيت علي التأبيد تتحول إلي تمليك، لافتًا إلي أن ما تم إقراره في فترة الخمسينيات والستينيات، من تأبيد عقود الإيجارات سواء كانت للمنازل أو الأراضي الزراعية، يُعد قرارًا شيوعيًا، حيث جعل الناس شركاء فيما لا يملكون، وأدي إلي تحويل المستأجر إلي مالك، واعتبار المستأجر أن هذه العين حكر له، وهو ما يتنافي مع احترام الشريعة الإسلامية للملكية الخاصة، لذا لا بد من إلغائه.