تحقيقات

جشع المصدرين يهددها بالانهيار «شبرا ملس».. قلعة كتان تعاني الإهمال


عــلا نافــع
10/3/2017 11:04:41 AM

علي جدران معابد بني حسن بالمنيا تتصدر واجهته نقوش فرعونية توضح عملية جمع محصول الكتان ذي اللون الذهبي والذي لا يقل بهاءً ورونقاً عن أشعة شمس يونيو الحارقة المتكفلة بتحميصه وتجفيفه تمهيداً لغزل خيوطه وصباغته.
هنا تقف العاملات بهمة ونشاط لنسج الخيوط الكتانية الثمينة التي يصنع منها لباس الأمراء والأثرياء كما أنها تتصدر الهدايا المتبادلة بين الفراعنة العظام وملوك العالم القديم كدليل دامغ علي تفوق وصلابة تربة النيل، نظراً لرقتها ونعومتها وألوانها المتباينة من ذهبية وخضراء وبنية بحسب موعد وفترة حصادها كما حرصوا علي تزيين مومياواتهم وألباسهم الزي الكتاني الملكي تمهيداً للتنعم في العالم الآخر ومواصلة حياتهم الرغدة.

إن أغلب الأثرياء كانوا يفضلون الاحتفاظ بملابسهم الكتانية ومصاحبتها لهم بحياتهم الأخري، وقد كانوا يطلقون عليه اسم »فك»‬ ولم يكتفوا فقط باستخدامه بصناعة المنسوجات بل كانوا هم أول من استخرج بذوره وصنعوا بها »‬الزيت الحار »‬الذي توارثناه إلي الآن ويعد عماد »‬طبق الفول الصباحي» لإمداد الجسم بطاقة هائلة، وليس هذا فحسب بل أدخلوه بالوصفات الطبية أيضا والتدليك لعلاج بعض الأمراض ومن بذوره لبخات وقد ورد ذكره في بردية »‬إيبرز» لعلاج الجروح والأكزيما الموجودة بمعبد الدير البحري بالأقصر.
وتوارثت الأجيال المتعاقبة تلك المهنة وفضلوا زراعة هذا المحصول الشتوي دون المحاصيل الأخري ليكملوا مسيرة الأجداد الفراعنة بل وأطلقوا عليه اسم »‬المحصول الذهبي» ليتنازع علي اللقب جنبا إلي جنب مع »‬محصول القمح» إلا أن محافظة الغربية وتحديداً بقرية »‬شبرا ملس» التابعة لمركز زفتي آثرت الاستحواذ بزراعته لتتحول إلي قلعة الكتان بمصر بل وبالشرق الأوسط كله وتنال شهرة عالمية واسعة فتصدر إنتاجها إلي دول أوروبا وتحديداً فرنسا وإيطاليا وتركيا فمعظم سكان القرية الذين يبلغ عددهم خمسة وعشرين ألف نسمة لا يعرفون مهنة سوي زراعته وحصاده، يقومون بزراعته بحلول فصل الشتاء والاعتناء به حتي حصاده وجمعه بشهر مايو ثم »‬دراسته» ونشره بالعراء لتجفيفه، فهم ينتجون حوالي 80٪ من إنتاج مصر من الكتان والباقي يزرع علي استحياء بالشرقية والدقهلية.
وبالرغم من ذلك فإن زراعته باتت مهددة بالتوقف والاندثار نظراً لمشكلات عدة أهمها نقص العمالة واحتكار سوق التصدير علي بعض رجال الأعمال خاصة في ظل مشكلات شركة طنطا للكتان والتي بيعت لرجل الأعمال السعودي عبد الإله الكحكي ثم عودتها للدولة بعد ذلك بحكم القضاء الإداري والتي كانت الشركة الأم المسؤولة عن شراء المحصول من الفلاحين وتصنيعه بمصانعها الثلاثة وتصديره للخارج لتتركهم فريسة لجشع وطمع »‬أباطرة الكتان»، ناهيك عن كثرة الحرائق التي تهدد المصانع خاصة بفصل الصيف مع عدم وجود وحدات للإطفاء والأمن الصناعي ولعل آخرها الحريق الهائل الذي التهم ألف طن من الكتان وتوغل إلي ثلاثة منازل مجاورة وقرر الأهالي التبرع بقطعة أرض لإقامة وحدة المطافئ، إلا أن المسؤولين »‬ودن من طين وأخري من عجين».
بعد تجاوز مدينة المحلة بعدة كيلومترات يواجهك مركز زفتي بقراه المتعددة التي لا تختلف عن باقي القري المصرية من كثافتها السكانية المزدحمة وطرقها الضيقة إلا أن »‬شبرا ملس» والتي اختلف الكثيرون حول سبب تسميتها فقد ذكرها »‬علي مبارك» بكتابه »‬الخطط التوفيقية» باسم »‬شبري ملس» نظرا للشيخ »‬الملسي» وهو أحد رجال الدين الذين ولدوا بالقرية أما السبب الآخر فيرجع إلي الترجمة الحرفية لها بعهد محمد علي، »‬فشبرا تعني القلعة وملس »‬الكتان»، علي جانبي الطريق تصطف أعواد الكتان وتتناثر يمينا وشمالا فتحت أشعة الشمس الحارقة تقف مجموعة من الفلاحين ذوي الوجوه السمراء، يعملون بهمة في جمع الأعواد وربطها بأحبال لينقلوها إلي مكان التصنيع ويستلزم ذلك شمسا حارقة لتحميص الأعواد وتجفيفها».
يقول مصطفي سرحان، أحد أصحاب مصانع الكتان: توارثنا مهنة زراعة الكتان من أجدادنا منذ أكثر من 70 عاما ولا نعرف محصولا غيره فشبرا ملس بها أكثر من مائة فدان كتان نبدأ في زراعته منذ أوائل شهر نوفمبر ونبدأ الحصاد في نهاية شهر مارس، ونتركه ليجف في الأرض، تمامًا كما كان يحدث في عهد الفراعنة ثم تأتي الدراسات والجرارات لتخليص بذور الكتان من السيقان ويتم ذلك في ساعات النهار في الأجران الكبيرة الواسعة الكافية لاستيعاب عشرات الأطنان ثم وضعه في المعطنة لمدة ثمانية أيام وهي عبارة عن أحواض أسمنتية كبيرة معبأ بها الماء لغمر القش، حيث تقوم البكتيريا الهوائية بتحليل المواد التي تلصق ألياف الكتان بعضها البعض، وكذلك خشب الساق بحيث يسهل فصل الألياف عن الساق بعد تمام عملية التعطين.
ويضيف: ومن بعد التعطين نقوم بجمع البذور التي تباع إلي السرج بالقاهرة وطنطا ولكن تباع بسعر ضئيل للغاية فيباع الكيلو الواحد بـ15جنيها ويستخدم في استخراج الزيت الحار أما بعد مرحلة العطن، فينتقل الكتان لمرحلة التشميس بإخراج خصل الكتان ووضعها في الشمس، مع فرد كل خصلة علي شكل دائري، كي تجف بشكل سريع، وتقلب الخصل يومياً رأساً علي عقب ثم إلي غرفة التجهيز والتي بها ماكينة كبيرة تعمل علي استخراج المواد الخام وهي الشعر والساس الذي يدخل في صناعة الخشب الحُبيبي وكذلك استخراج مواد منه تستخدم في صناعة العملات الورقية إلا أننا بعد توقف عمل شركة طنطا للكتان بتنا نصدر الكتان وهو خام لبعض رجال الأعمال الذين يقومون بدورهم بتصديره لإيطاليا وفرنسا والصين محققين أرباحا كبري أما نحن فلا نأخذ سوي الفتات.
ويتفق معه في القول مسعود ناصر، أحد أصحاب المصانع فيقول: نعرف زراعة الكتان منذ أكثر من خمسين عاماً وكنا نقوم بعمليات تصنيعه بالطرق التقليدية إلا أنه بدخول التكنولوجيا بتنا نستخدم الماكينات الحديثة لكنها بالية، عمرها الافتراضي شارف علي الانتهاء نقوم بشرائها من رجال الأعمال المحتكرين لتوريد الكتان فيقومون بشرائها علي أساس كونها ماكينات بالية بأسعار زهيدة ليبيعوها لنا بأسعار غالية وليس هذا فقط فهم يتحكمون بأسعار التوريد دون الاهتمام بما نتكبده من خسائر سواء من حيث ارتفاع أجور العمالة أو حتي خسائر المحصول عند زراعته الأدهي من ذلك إمكانية التعرض للحرائق التي قد تأتي علي الأخضر واليابس، وهناك الكثير من الحرائق التي تمت وكبدت أصحابها خسائر تقدر بملايين الجنيهات، ولا يوجد وحدة مطافي قريبة، منا وناشدنا محافظ الغربية بإقامة وحدة قريبة منا، لكن لا أحد يهتم.
ويضيف: هناك الكثير من المصانع غير المرخصة وتعمل في الخفاء وقد حاولوا مرارا الحصول علي ترخيص إلا أنهم فوجئوا بتعنت من الموظفين المختصين إضافة للرشاوي والإتاوات المفروضة عليهم مما يدفع الكثيرين عن الإقلاع عن ترخيصه أو غلقه تجنباً للغرامات والضرائب التي قد تصل إلي ملايين الجنيهات.
يقف محمود بهنسي أحد العمال الذين تخطوا الأربعين بعدة سنوات يرتدي قبعه قماشية تحميه من قيظ الصيف وحرارته فالكتان يحتاج لحرارة قاسية لتجف أعواده أو يتم تحميصها علي حد قوله ليسهل كسره ثم نربطه بحبال ويتم درسه ويوضع علي الأرض لتقوم إحدي التريللات بالسير عليه وبالطبع فإن تلك العملية تستهلك عدة شهور، ونقوم بالعمل يوميا لمدة تسع ساعات ونتقاضي مئتي جنيه ولكنها لا تكاد تكفي احتياجاتنا وبالرغم من أن الكتان نطلق عليه »‬الماس» نظرا لأرباحه الكبيرة إلا أن المستفيد الأول منه هم أباطرة التصدير.
أما رجب عليوة وهو رئيس العمال فقال: قديما كانت تقوم شركة طنطا بتوريد التقاوي للفلاحين، والمزارعون كانوا يلتزمون بالعقد بتسليم الكميات المقررة التي تمت معاينتها عن طريق مندوب الشركة، وبمجرد الانتهاء من عملية التوريد يتم إعطاؤهم الأرباح والتي كانت كبيرة وتتناسب مع المجهود المبذول ولكن منذ 2005 وبعد بيع الشركة للمستثمر السعودي تسبب في عزوف أغلبية الفلاحين عن زراعة الكتان فأغلبهم مدان للجمعيات الزراعية وبنك التسليف الزراعي.
يقول جمال عثمان أحد العاملين بالشركة والقيادي العمالي صاحب دعوي بطلان عقد بيع الشركة: لقد خضنا حربا طويلة للدفاع عن شركتنا بخوضنا اعتصاماً طويلاً للدفاع عن حقوقنا حتي أن بعض العمال تعرضوا للفصل ثم عودتهم بأحكام قضائية إلا أن الأغلب تعرضوا للمعاش المبكر وتعويض مالي لا يزيد علي 50 ألف جنيه وقمت برفع دعوي طعن بيع الشركة وقد صدر حكم في 2011 ببطلان عقد البيع واسترداد الدولة جميع أصول وفروع ومعدات الشركات، مطهرة من أي ديون، أو رهون، وإعادة العاملين إلي سابق أوضاعهم، مع منحهم جميع حقوقهم.
ويضيف: وخاض المستثمر السعودي حربا ضد الحكومة لاسترداد أمواله حتي تم تعيين عدة رؤساء مجلس إدارة للشركة كان آخرهم الكيميائي راجح عبد العزيز ومنذ تولي وزير قطاع الأعمال الدكتور أشرف الشرقاوي حقيبته وهو مهتم بقضية العمال وأصدر قراراً بعودة أصحاب المعاش المبكر الذين يريدون العمل يتم صرف كافة تعويضات العاملين، واختتم حديثه قائلاً: »‬الشركة بدأت بمزاولة عملها جزئيا لحين تسوية كافة مشكلاتها أملا في مواصلة عملها مرة أخري ومنعا لاحتكار المصدرين وجشعهم».