تحقيقات

العرب يواصلون الانقسام.. وخطر التفتيت قائم

في مئوية وعد «بلفور» و»سايكس بيكو«


حسـن حـافـظ
10/3/2017 11:11:26 AM


تحل هذا العام الذكري المئوية لوعد بلفور (1917)، الذي تعهدت خلاله بريطانيا للجماعات الصهيونية بإنشاء وطن لها علي أرض فلسطين العربية، فيما حلت العام الماضي الذكري المئوية لاتفاقية سايكس بيكو بين الفرنسيين والبريطانيين التي تم تقسيم معظم الدول العربية بين الدولتين العظميين بعد نهاية الحرب العالمية الأولي، والاتفاقية والوعد معا شكلا الملمح الأبرز في تشكيل الخريطة السياسية لمعظم الدول العربية، وهي الخريطة التي تبدو بعد مئة عام في طريقها للزوال، بعدما عصفت بالمنطقة الكثير من المتغيرات التي لم تصب في صالح الشعوب العربية.
تبدو الفوضي ضاربة في جنبات المنطقة العربية، سورية في أتون الحرب الأهلية، والعراق علي أبواب التقسيم العرقي والطائفي، ومصر تخوض مواجهة شرسة ضد إرهاب الجماعات المتشددة، والخليج يواجه ثغرة فتحتها قطر لتتسلل منها إيران إلي عواصم عربية، فيما الخرائط الجديدة تصدر تباعا من المراكز البحثية في أمريكا وإسرائيل تتحدث عن شكل المنطقة الجديد بعد إعادة تقسيم دول المنطقة من جديد.
هذه المرة عبر تفتيتها، إذ هناك ما يشبه وعد بلفور جديداً عملت علي صياغته إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، إلي الأقليات العرقية والطائفية لتأسيس دول مستقلة في العالم العربي، وهو ما ظهر بجلاء في رغبة كردستان العراق في الانفصال عن بغداد وتأسيس دولة كردية يضم إليها مستقبلا أراضي الأكراد في سوريا وتركيا وإيران.
وإذا رجعنا بالتاريخ مئة عام سنجد واقع المنطقة العربية السياسي غير ما هو عليه الآن، فالجناح الشرقي من العالم العربي الذي يضم جزيرة العرب كلها والعراق وبلاد الشام كانت كتلة واحدة تابعة للاحتلال العثماني، لكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولي (1914- 1918) دخلت الدولة العثمانية الحرب بجوار ألمانيا القيصرية والنمسا الإمبراطورية في مواجهة بريطانيا العظمي والجمهورية الفرنسية وروسيا القيصرية وإيطاليا الملكية.
ونجح الإنجليز في استقطاب أمير مكة الشريف حسين الذي أعلن الثورة العربية ضد الاحتلال التركي العثماني، وكان هدفه هو تحرير بلاد العرب وتكوين دولة عربية متحدة، لكن الإنجليز تمكنوا من خداعه واستغلاله ثم الانقلاب عليه بتوقيع اتفاقية سايكس بيكو مع الفرنسيين بهدف تقسيم المنطقة العربية بين لندن وباريس وهو ما تم فعليا.
لم تكتفِ بريطانيا بخداع الشريف حسين عند هذا الحد بل عمدت إلي استرضاء الميليشيات الصهيونية عبر إطلاق وزير الخارجية البريطاني - آنذاك- آرثر جيمس بلفور، وعده المشؤوم بإعطاء تعهد بريطانيا بالمساعدة في بناء دولة قومية لليهود علي أرض فلسطين العربية، وبعد انتهاء الحرب العالمية، فرضت بريطانيا الانتداب علي فلسطين.
بدأت التسهيلات للعصابات الصهيونية في التسلل إلي الأرض العربية، واحتلالها عبر عمليات تهجير قسري واستخدام أعمال ترويع يشيب لها الولدان، من أجل إجبار الفلسطينيين علي ترك أرضهم، وهو ما تكلل بإعلان قيام دولة الكيان الصهيوني العام 1947، التي لم تعترف بها أي دولة عربية وقتها، لكن خريطة المنطقة السياسية اكتملت بعد أن فرضتها الدول العظمي الغربية علي الجميع، فظهر العالم العربي الذي نعرفه جميعا كحقيقة سياسية منذ منتصف القرن العشرين كأبرز تجليات اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور.
الآن ومع حلول الذكري المئوية للوعد المشؤوم تبدو المنطقة مقبلة علي تغيّرات دراماتيكية، قد تطيح للأبد بالخريطة التي حفظناها في دروس المدارس والجامعات، تبدو المنطقة وكأنها مقبلة علي مرحلة حاسمة من تاريخها، ما هو قادم لن يكون كما جري من أحداث عاصفة، بل سيكون أشد هولا وصعوبة وكارثية في نتائجه علي العرب جميعا، إذ تعتمد المقاربات الأمريكية علي نظرية تفتيت المفتت، لتحويل المنطقة إلي مجموعة من الكيانات الصغيرة المتعادية فيما بينها بما يسهل في النهاية السيطرة عليها وإدارتها من قبل الدول العظمي.
وتخرج من مراكز البحث السياسي في أمريكا وأوروبا خرائط لتقسيم جديد للمنطقة، إلي مجموعة من الدويلات الصغيرة الضعيفة، الغريب أن الدعوة لتقسيم المنطقة قديمة، بدأت مع هنري كيسنجر، وزير خارجية أمريكا في السبعينيات وأحد منظري السياسة الخارجية لبلاده في الأربعين سنة الماضية، الذي طالب صراحة بإعادة تقسيم دول المنطقة علي أساس طائفي، بحجة أن معظم دول المنطقة ليست دولاً تاريخية وإنما هي دول اخترعها الاحتلال الغربي بشكل تعسفي، ولم يكن غريبًا أن يجدد كيسنجر دعوته صراحة في عام 2013 بالتأكيد علي أن حل أزمة العراق وسوريا لن يكون إلا بالتقسيم علي أساس طائفي وعرقي.
وتتفق الخرائط التي يتم نشرها عبر مراكز بحثية غربية وإسرائيلية علي تقسيم المنطقة إلي دويلات صغيرة عبر اقتطاع أجزاء من سوريا والعراق وتركيا وإيران لإنشاء دولة كردستان، بينما يتم تقسيم باقي العراق بين دولة شيعية وأخري سنية، وتقسيم سوريا بين دولة علوية علي الساحل المتوسطي وتقسيم الداخل السوري بين دولتين سنيتين في دمشق وحلب، مع تقسيم الخليج العربي إلي دولة شيعية علي الخليج فيما تنحصر الدولة السعودية في وسط الجزيرة العربية علي أن يتم إسناد الإشراف علي مكة والمدينة لهيئة إسلامية دولية مستقلة، مع تقسيم اليمن إلي دولتين، فيما كان نصيب ليبيا التقسيم لثلاث دول.
وحول مستقبل المنطقة مع حلول الذكري المئوية لوعد بلفور، قال الدكتور سعيد اللاوندي، الخبير في العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية، لـ "آخر ساعة"، إن المنطقة دخلت مرحلة سايكس بيكو جديدة لن تكون هذه المرة بين فرنسا وبريطانيا، بل بين أمريكا وروسيا ودول أخري لتقسيم المنطقة لمناطق نفوذ مع الاستمرار في تفتيت الدول العربية التي فقدت معظمها القدرة علي المقاومة وسقطت في هوة الحروب الأهلية، وأضاف: "إذا ما تم المضي في استقلال إقليم كردستان لإعلان ميلاد الدولة الكردية، فإن هذه الحالة تكون النموذج الذي تظهر علي شكله دول جديدة عمادها الطائفية والعرقية، لتتحول المنطقة إلي فسيفساء سياسية من دويلات صغيرة ضعيفة، وهذا يصب في مصلحة إسرائيل والمصالح الغربية في الهيمنة علي موارد المنطقة الضخمة بكل يسر".
وأشار اللاوندي إلي أن أكثر الدول المرشحة للدخول في مراحل التقسيم في المنطقة خلال الفترة المقبلة، هي السعودية والسودان فضلا عن سوريا واليمن، وبطبيعة الحال العراق، وتابع: "السعودية يتم جرها حاليا إلي مراحل استنزاف لمواردها، وقطر تلعب هذا الدور علي أكمل وجه، فقد تحولت إلي ثغرة في الجدار العربي تدخل منه المطامع الغربية في المنطقة، فالمنطقة العربية تمر بأسوأ مرحلة لها في تاريخها المعاصر، وعملية تقسيمها الجديدة قد تؤدي إلي إعلان حرب عالمية ثالثة يدفع ثمنها شعوب المنطقة العربية".
من جهته، رأي الدكتور عاصم دسوقي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة حلوان، أن لا أمل يرجي في المستقبل للدول العربية بوضعها الحالي، لأن الأيام السيئة لم تأتِ بعد، فالمنطقة العربية مقبلة علي اتفاقية جديدة تقرّ التقسيم علي أسس طائفية ودينية وعرقية، وقال لـ "آخر ساعة": "الدول الكبري نشبت مخالبها في المنطقة منذ تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو بتقسيم الدولة العربية الواحدة إلي عدة دول، ثم تنفيذ وعد بلفور لإنشاء دولة إسرائيل علي حساب الأرض الفلسطينية العربية، وهنا بدأ مشروع إضعاف المنطقة الذي لم يتعطل إلا مع تولي الزعيم جمال عبد الناصر الحكم، لكنه عاد إلي العمل مجددا من رئاسة أنور السادات، وتفاقم مع إضعاف العراق ثم غزوه، حتي وصلت المنطقة إلي الوضع الكارثي الراهن".
وأضاف دسوقي: "منذ مئة عام لم يكن هناك أي ذكر لإسرائيل وقطر، الآن هذه الدول الجرثومية تلعب الأدوار التخريبية في أمن واستقرار دول المنطقة، مثلا قطر تسعي لتنفيذ أجندة إيرانية في الخليج علي حساب الدول العربية، بالعمل علي شق الصف العربي، وكان دعمها لما يعرف بالربيع العربي في هذا الإطار، فالأخير كان فصلا من فصول سايكس بيكو الجديدة، لذا كان من الطبيعي أن تتواري القضية الفلسطينية كقضية عربية توحد العرب، بعدما دخلت كل دولة عربية في صراع وجود أمام المخاطر التي تحيق بها، ثم في معاركها في الدول المحيطة بها، فالحاصل أن العرب يقاتلون بعضهم البعض لتحقيق مصالح غيرهم".
من جهته، يري اللواء نبيل فؤاد، أستاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر للعلوم العسكرية، أن المخططات الغربية لتقسيم المنطقة حقيقة واقعة لا ينكرها عاقل، وجارية علي قدم وساق بهدف تقسيم كل دولة عربية بين مكوناتها سواء عرقيًا أو طائفيًا، وهي مخططات تعد امتدادًا لمخطط سايكس بيكو، وهو ما تري انعكاسه في النزعات الانفصالية التي تغذيها الدول الكبري، من أجل تمرير تلك المخططات الرامية إلي تقسيم الدول العربية وتفتيت مكونات الوطن الواحد، فهي خطوة متقدمة عن اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور.
ورغم الواقع الصعب إلا أن فؤاد يدعو إلي التفاؤل قائلاً لـ"آخر ساعة": "الفرق الرئيسي بين ما حدث عند وضع اتفاقية سايكس بيكو وإطلاق وعد بلفور منذ مئة عام، والوضع الحالي، أن الحالة الأولي تمت عندما كانت الدول العربية مغيبة ولا تملك قرارها او استقلالها، أما الآن فالدول العربية واعية بما يحاك ضدها من مؤامرات لذلك تراها تعمل علي التصدي لتلك المخططات فدول الخليج كالسعودية والإمارات، متحصنة وتعمل في إطار جماعي لصد الهجمة، والأردن متماسكة ومصر تقاوم، وكذلك سوريا التي تواجه هجمة شرسة من مرتزقة الولايات المتحدة الأمريكية بهدف وحيد هو إخراج دمشق من معادلة القوة العربية، لكن تماسك النظام السوري عطل هذه المخططات، حتي خرجت واشنطن لتقول إن بشار الأسد جزء من الحل في سوريا".، متوقعا أن تنجو المنطقة العربية من مخططات التقسيم الجديدة بعدما انتشر الوعي وانكشفت المخططات.