حوارات

مهندس يبني قلعة صناعية لتدوير المخلفات

جمال عبدالظاهر «ملك الهيدروكسي» ومبتكر أول مولد سيارة يعمل بالماء


أحمــد الجمــال
5/23/2017 11:12:08 AM

تعتبر المخلفات كنزاً كبيراً، استطاعت أن تستفيد منه دول العالم المتقدم، من خلال إعادة تدويرها وإدخالها في صناعات جديدة مختلفة. هكذا انتبه المهندس المصري العبقري جمال عبدالظاهر مصطفي لهذا الكنز مبكراً، وعمل منفرداً علي تأسيس وبناء ما يمكن تسميته بقلعة صناعية لإعادة تدوير المخلفات عبارة عن مصنع في مدينة السادس من أكتوبر، حيث يقوم بصناعة مكابس المخلفات العملاقة، ولم يكتفِ بذلك بل اخترع بطارية لتوليد طاقة الهيدروكسي لتشغيل السيارة والمولدات المختلفة بالماء وتوفير البنزين والوقود الأحفوري عموماً. »آخرساعة»‬ زارت المكان لتعرف تفاصيل قصته.
لا أحد يعمل في مجال إعادة التدوير لا يعرف المهندس جمال عبدالظاهر، فحتي يمكنك خوض هذا المجال يجب أن تمتلك واحداً من تلك المكابس المخصصة لكبس المخلفات علي حسب نوعها وتجهيزها للدخول في صناعة جديدة. عبدالظاهر هو كلمة السر في هذا العالم الذي تزدحم فيه تفاصيل كثيرة، هو وحده الذي يدركها، نظراً لعمله في هذا المجال منذ سنوات طويلة.
حين قررنا زيارة مصنع الرجل الذي يلقبونه بـ»‬ملك الهيدروكسي» ـ نسبة إلي الطاقة المستخلصة من الهيدروجين - لم نكن نتصور أن شخصاً واحداً يمكنه أن يجمع بين كل هذه الماكينات والآلات العملاقة في مكان واحد، ويفهم بدقة متناهية طرق عمل كل واحدة منها، فمنذ الوهلة الأولي التي تعبر فيها البوابة الكبيرة للمكان ترمق عشرات المعدات الضخمة، وهنا يبدأ عبدالظاهر في الشرح: »‬هناك مكابس لضغط وكبس بالات الكرتون، وأخري لزجاجات المياه المعدنية الفارغة، وثالثة لعبوات المياه الغازية المصنوعة من الألومينيوم.. وغيرها الكثير من المكابس التي تتعامل مع كل نوع من المخلفات.
وبحسب عبدالظاهر فإن مهمة هذا المكبس المصنوع من الحديد تكمن في ضغط المخلفات وكبسها في كتلة تبدو أصغر حجما وتشغل حيزاً من الفراغ أقل بكثير، وبالتالي يسهل نقلها إلي المصنع المختص، فمثلاً خمسة أجولة عملاقة ممتلئة بعلب المياه الغازية الفارغة بعد كبسها يكون وزنها 90 كيلوجراماً، ما يُسهِّل عملية صهرها قبل إعادة تدويرها في صناعة جديدة.
داخل هذا المكان أيضاً يقوم بتصنيع جميع أنواع المكابس لتدوير المخلفات الصلبة مثل الصفيح والصاج وحطام السيارات ومشتقات البوليمرات بجميع أنواعها، إلي جانب المجارش التي تقوم بفرم الحديد والزجاج ورايش المخارط، أي ببساطة مفرمة لفرم أي شيء، ويوضح المهندس المصري: »‬قمت بتطوير المعدات المستوردة من الخارج وتلاشي العيوب الفنية الموجودة فيها في المكابس التي أنتجتها هنا في مصر.
ويوضح عبدالظاهر أنه قام أيضاً بتصنيع مكبس خاص لتصنيع خلايا الهيدروكسي، حيث ينتج الألواح الخام التي يتم فيها تصنيع خلايا الهيدروكسي، حيث إن لديه أول فرن من نوعه في الشرق الأوسط مبني بالطوب الحراري والصوف الصخري والمواد المعالجة لتوليد الهيدروكسي.
وبطاريات توليد طاقة الهيدروكسي جافة وسائلة، وقد وفر نفقات تقطيع المادة الخام للخلية بغرض توفير الطاقة بمصر، ومن هنا أنشأ أول مصنع لإنتاج خلايا الهيدروكسي عام 2010 ومنذ ذلك الحين يقوم بإنتاج هذه الخلايا، بحيث إن لتراً واحداً من المياه يكفي للسفر من القاهرة إلي أسوان والعكس (مسافة 2000 كيلومتر)، وبالطبع يتم استخدام جزء موازٍ من البنزين مع الماء، ويؤكد جمال عبدالظاهر أنه طبّق هذه التقنية المبتكرة علي سيارته الشخصية، موضحاً أن السيارة تسير بالماء بنسبة 50٪ حسب المعايير العالمية لتفادي حدوث انفجار.
يتابع: هذه الفكرة تتيح توفير نصف كمية البنزين التي تستهلكها السيارة، إلي جانب رفع كفاءة المحرك، والحفاظ علي الزيت لمدة 60 ألف كيلو أو 60 ألف ساعة تشغيل، للتوضيح أكثر فإن لتر المياه الواحد من خلال فك الربط الذري له بالرنين المغناطيسي يتحول إلي 16 ألف لتر غاز »‬هيدروكسي» يستخدم كعامل مساعد مع الوقود (البنزين مثلاً) ويعمل علي تنقية دائرة الوقود من الكربون والرواسب، كما أن الهيدروكسي يزيد من قوة المحرك بنسبة 20٪ ولا يؤدي إلي رفع درجة حرارته أثناء وقت الذروة صيفاً عن نصف المؤشر نهائياً، وتنفيذ هذه الفكرة في أي سيارة يتطلب أن يكون الموتور بحالة جيدة وغير متهالك لتفادي الأخطار.
وفي رأي جمال عبدالظاهر، فإن الأمر لا يدعو للدهشة، حيث يقول: »‬الهيدروجين معروف قبل الوقود الأحفوري بسنوات طويلة وتحديداً من العام 1800 أي قبل ظهور البنزين والغاز، واستخداماته بالنسبة لنا متنوعة كوقود لجميع المحركات التي تعمل بالوقود الأحفوري بنسبة 50٪ وكذلك يستخدم كوقود للأفران80٪ وأتمني تعميم هذه الفكرة لنساهم في حل أزمة نقص الوقود في مصر».
يوضح: نفذتُ الفكرة في سيارتي الخاصة وفي موتوسيكل ومولِّد كهرباء وموتور لودر، ومن المعروف عالمياً أنه يمكن (نظرياً) توفير من 20 إلي 30٪ من نسبة الوقود (بنزين أو غاز أو سولار) في حالة الاستعانة بالهيدروكسي، لكن الجديد الذي ابتكرته هو أنني قمت بتعديل علي المولد الهيدروجيني (الخلايا ـ بطاريات التوليد) بما يسمح برفع نسبة التوفير أثناء التشغيل إلي 50٪ كنسبة ثابتة وموفرة لكل ما يستهلك الطاقة من سيارات ومولدات كهرباء وأفران صهر معادن وغلايات بخار وجميع المعدات الزراعية التي تعمل بمحركات الوقود الأحفوري.
 يضيف: أقوم هنا بتصنيع جميع مراحل خلايا الهيدروكسي بدءاً من الخامات وصولاً إلي مرحلة التشغيل في السيارة أو أي مُعدة، وجميع مراحل التشكيل والتشغيل محلية باستثناء المواد الخام التي يتم استيرادها من الخارج.
ويقول جمال عبدالظاهر: أطالب الحكومة بتوفير المعدات اللازمة والسماح لنا باستيراد القطع الكهربائية التي لا تصنع في مصر، وهي من لوازم هذه العمل، إلي جانب دعم حكومي لتسهيل عملية إنتاج التوليد الهيدروكسي (بطاريات توليد الهيدروكسي).
وعلي الرغم من ادعاء البعض أنهم كان لهم السبق في ابتكار خلايا الهيدروكسي في مصر، فإن جمال عبدالظاهر ينفي ذلك تماماً، ويقول إنه منذ العام 2010 قام بتصنيع جميع معدات الهيدروكسي، كما قام بتصنيع وتشكيل جميع خلايا الهيدروجين بأنواعها المختلفة، موضحاً أنه تمكن بالفعل من توليد 160 لتر غاز في الدقيقة بهدف تشغيل المعدات الكبيرة.
ولا يهتم جمال عبدالظاهر بالأضواء الإعلامية، حيث يقول: أفضِّل أن أعمل في هذا المكان في صمت، وتهمني فقط مصلحة وطني، علي الرغم من أنني حصلت علي المركز الثاني صناعياً في معرض القاهرة الدولي للصنَّاع عام 2005.
قبل أن نغادر المكان، كان جمال عبدالظاهر ينظر بفخر إلي المعدات والآلات المنتشرة في الأرجاء، تشعر أن لغة خفية تجمع بينه وبينها. يجيد فهمها ويتحدث معها بهذه اللغة من فرط حبة الشديد لعمله الدؤوب الذي استمر لأكثر من 20 عاماً، وكانت كلمته الأخيرة التي رددها طوال الحوار أكثر من مرة: »‬أتمني أن يهتم المسؤولون بمثل هذه المجالات لنتمكن من صنع مستقبل مشرِّف للأجيال القادمة، خصوصاً أن دول العالم المتقدم تعتمد في تقدمها هذا علي الصناعة بالأساس وعلي الأفكار المبتكرة ونحن لدينا في مصر عقول كثيرة مميزة تبحث عن فرصة للظهور وتحلم برسم مستقبل أجمل لبلد مثل مصر يستحق منا الكثير».




تعليقات القرّاء