شئون خارجية

كتالونيا.. استفتاء أسال الدماء


محمد عبدالفتاح
10/4/2017 11:23:24 AM

جري استفتاء انفصال إقليم كتالونيا عن مملكة إسبانيا علي وقع اقتحام شرطة مكافحة الشغب الإسبانية مراكز اقتراع في أنحاء الإقليم وصادرت صناديق التصويت وأوراق الناخبين، علي اعتبار أنها  تحاول منع إجراء استفتاء محظور بحكم من المحكمة الدستورية العليا، وبهدف إحكام سلطتها علي الإقليم المتمرد. وكشفت الحكومة المحلية في كتالونيا أن أكثر من 761 شخصا أصيبوا في الإقليم من جراء اشتباكات مع الشرطة الإسبانية، ورصدت مقاطع مصورة اعتداء الشرطة علي عشرات الأشخاص بالضرب مرارا، خلال محاولة مصادرة صناديق الاقتراع وأوراق التصويت في مناطق متفرقة بالإقليم.
 الشرطة حطمت أبواب مراكز اقتراع واقتحمتها عنوة فيما صاح كتالونيون "فلتخرج قوات الاحتلال" وغنوا نشيد الإقليم الغني الواقع شمال شرق البلاد. ومنذ بداية اليوم وحتي إغلاق مراكز الاقتراع، بدا من الواضح أن نعم المؤيدة للطلاق من الحكومة المركزية في مدريد هي الغالبة. وأظهرت لقطات لتليفزيون "تي في3" أن  كارلوس بودجمون زعيم الإقليم أدلي بصوته في استفتاء الأحد الماضي وسط حراسة مشددة من أنصاره. فيما اعتبر رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي أنه لم يكن هناك استفتاء لانفصال كتالونيا، مؤكدا أن معظم الكتالونيين لم يرغبوا في المشاركة.
 الاستفتاء، الذي أعلنت الحكومة المركزية أنه غير مشروع، أدخل البلاد في أسوأ أزمة دستورية تشهدها منذ عقود وعمّق من الخلاف الممتد لقرون بين مدريد وبرشلونة. ورغم  إجراءات الشرطة تشكلت صفوف من مئات الناخبين في مدن وقري في أنحاء الإقليم للإدلاء بأصواتهم. وفي أحد مراكز الاقتراع في برشلونة دخل المسنون ومن جاءوا بصحبة أطفال أولا.
 تيريزا البالغة من العمر 72 عاما وهي من سكان برشلونة ووقفت في الطابور ست ساعات، قالت لوكالة رويترز "أنا سعيدة للغاية لأنهم تمكنوا رغم كل العقبات من المضي قدما وأنا تمكنت من الإدلاء بصوتي"..  ولن يكون للتصويت صفة قانونية إذ إن المحكمة الدستورية أصدرت حكما بوقفه كما أن مدريد لديها السلطة المطلقة لوقف سلطات حكومة الإقليم إذا أعلن الاستقلال بالمخالفة لدستور عام 1978. وتظهر استطلاعات الرأي أن أقلية من مواطني كتالونيا، بنسبة نحو40 بالمئة، يؤيدون الاستقلال لكن الأغلبية تريد إجراء استفتاء عليه. ومن المتوقع أن تأتي نتيجة الاستفتاء بالتأييد للاستقلال بالنظر إلي أن أغلب من سيصرون علي التصويت من المؤيدين له.
حشود كبيرة
طلب المنظمون من الناخبين القدوم قبل ساعات من فتح مراكز التصويت بحشود "غفيرة" علي أمل أن تكون تلك هي أول صور يراها العالم ليوم التصويت. وقال رامون جوردانا (92 عاما) وهو سائق سيارة أجرة سابق ينتظر الإدلاء بصوته في سانت بيير دي توريلو وهي بلدة علي سفح سلسلة جبال البيرينيه ومعاقل للمطالبين بالاستقلال "هذه فرصة عظيمة، أنتظر ذلك منذ 80 عاما". وقالت حكومة كتالونيا إن الناخبين بإمكانهم طبع بطاقات تصويت منزليا والإدلاء بأصواتهم بها في أي مركز اقتراع لم تغلقه الشرطة دون التقيد بمراكز اقتراعهم الأصلية.
 وفي مناطق أخري لم يتمكن الناس من الوصول لصناديق الاقتراع.
واقتحمت الشرطة مركز اقتراع في بلدة في منطقة جيرونا قبل دقائق من إدلاء زعيم إقليم كتالونيا كارلس بودجمون بصوته فيها. وحطم أفراد الشرطة نوافذ زجاجية لفتح باب المركز بالقوة وفتشوا عن صناديق الاقتراع. وصوت بودجمون في بلدة أخري واتهم إسبانيا باستخدام عنف غير مبرر لوقف التصويت وقال إنها رسمت بذلك صورة مقيتة للبلاد.
 وقال "العنف غير المبرر وغير المتناسب وغير المسؤول اليوم من الدولة الإسبانية لم يفشل فقط في وقف إرادة الكتالونيين علي التصويت.. بل ساعد في توضيح كل الشكوك التي نحتاج لحلها اليوم"، بينما أشادت سورايا ساينث دي سانتاماريا نائبة رئيس الوزراء ووزيرة شؤون الرئاسة والمتحدثة باسم الحكومة بتصرفات الشرطة لمنع الاستفتاء وقالت للصحفيين إن "انعدام المسؤولية التام" من حكومة كتالونيا بالمضي قدما في التصويت عادلته التصرفات الاحترافية من قوات الأمن، وقالت إنهم طالما سعوا "لحماية الحقوق والحريات".
وقالت هيئة الصحة في كتالونيا إن 337 شخصا تلقوا علاجا من إصابات بسبب إجراءات الشرطة. وقالت الحكومة إن 11 شرطيا أصيبوا في الاشتباكات. وقال وزير الداخلية خوان إجناثيو زويدو إن الشرطة داهمت نحو 70 مركز اقتراع.
وقال مسؤول بارز آخر في الحكومة إن الهدف من المداهمات هو ضبط المواد المستخدمة في الاستفتاء وليس استهداف من يريدون التصويت. وقال إنريك ميلو ممثل الحكومة المركزية في كتالونيا في مؤتمر صحفي "لقد أجبرنا علي فعل أمر لم نرد فعله". وقال بودجمون إن حكومة الإقليم ستعلن الاستقلال خلال 48 ساعة إذا جاءت نتيجة التصويت بتأييده لكن قادة في الإقليم اعترفوا منذ ذلك الحين بأن حملة مدريد قوضت التصويت.
أهمية الإقليم
 الإقليم يقطنه 7٫5 مليون نسمة له لغته وثقافته الخاصة، ويعدُّ مركزا صناعيا يفوق حجم اقتصاده نظيره في البرتغال.
ويقع إقليم كتالونيا شمال شرق إسبانيا، ويحده من الشمال فرنسا وأندورا، ومن الشرق البحر المتوسط، وتبلغ مساحة الإقليم 32 ألف كيلومتر مربع، ويمثل هذا العدد 16٪ من العدد الإجمالي لسكان إسبانيا.
وتعد مدينة برشلونة الشهيرة عاصمة الإقليم، ويسكن فيها 21٪ من سكان كتالونيا، ومن أشهر مدن الإقليم كذلك جيرونا، وتيراجونيا، ولييدا.
مركز اقتصادي
ومن أهم الأسباب التي تدفع الحكومة الإسبانية للتمسك بكتالونيا، ورفض استفتاء الاستقلال، هي أهمية الإقليم الاقتصادية. ووفقا لموقع "سي إن بي سي"، تنتج كتالونيا 20 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا، وهو رقم كبير جدا، بالمقارنة، مع ناتج اسكتلندا الذي يمثل 8 ٪ من الناتج المحلي البريطاني. كما أن مرافئ كتالونيا تصدر 25٪ من صادرات إسبانيا، فيما يعمل50 ٪ من سكان المدينة بالمجال الصناعي والتجاري.
 وأدي تراجع الاقتصاد الإسباني في السنوات الأخيرة إلي تأجيج النزعة الانفصالية في كاتالونيا حيث يعتقد الكثيرون أن الإقليم يدفع أكثر مما ينبغي لمدريد.
وأجرت الحكومة الإقليمية، التي تتولي السلطة منذ انتخابات نوفمبر 2012 والمدعومة من الحزبين الانفصاليين الرئيسيين، استفتاء غير ملزم علي الاستقلال عام 2014 حيث صوت80 ٪ بنعم، فيما اعتبرت الحكومة الإسبانية أنه ليس من حق كاتالونيا دستوريا الانفصال.
لغة مستقلة  
ويلزم الإقليم كل العاملين بالقطاع العام بالتكلم باللغة الكتالونية الرسمية، التي تعود لأكثر من ألف عام. ووفقا لصحيفة "جارديان"، اللغة الكتالونية ليست لهجة تابعة للغة الإسبانية، بل هي منفصلة تماما، وتكونت بسبب احتلال الجيش الروماني لمنطقة تاراجونيا، وتستخدم اللغة اليوم في إقليم كتالونيا، وإقليم فالنسيا، وجزر البليار، ودولة أندورا الصغيرة.
ويعتبر نادي برشلونة لكرة القدم، أحد أبرز سفراء كتالونيا للعالم، وذلك لانتماء لاعبيه ومشجعيه للإقليم، سواء كان بالتصريحات، أو برفعهم للعلم الكتالوني في أكبر المنافسات المحلية والعالمية. ونقلت وسائل إعلام إسبانية أن برشلونة يدرس حزمة من الخيارات في حال استقل إقليم كتالونيا عن إسبانيا، علي رأسها الانضمام إلي منافسات البريميرليج الإنجليزي أو الليج آن الفرنسي.
تكلفة شهرية
كشفت تقديرات رسمية كتالونية أن انفصال الإقليم ذي الحكم الذاتي عن إسبانيا دون اتفاق مع الدولة الإسبانية من المحتمل أن يكلّفه أربعة مليارات و500 مليون يورو شهريا، ولكن عائداته من الضرائب ستصل إلي 11 مليارا و500 مليون يورو في العام إذا عزّز مؤسساته.
وأشار مجلس العملية الانتقالية الكتالونية، الهيئة الاستشارية التي شكلتها حكومة الإقليم، إلي أن تكلفة الانفصال تصل إلي 4٫5 مليار يورو شهريا في بنود التأمين الاجتماعي ورواتب الموظفين الحكوميين والمعاشات ومساعدات البطالة، موضحاً أن تغطية هذه البنود يتطلّب البحث عن واحدة من ثلاث وسائل: الحصول علي قروض أو إصدار أذون خزانة من البنك المركزي الكتالوني أو إصدار سندات وطنية من الممكن استبدالها بالضرائب.
وأضاف المجلس أنه بمجرد تجاوز التأثير الاقتصادي الناجم عن تعزيز هيكل الدولة الجديد، فإن العائدات الضريبية التي تحققها كتالونيا ستصل إلي 11 مليارا و500 مليون يورو سنويا. وأشار المجلس إلي أن إجمالي عائدات الدولة الجديدة سيصل إلي 45 مليارا و300 مليون يورو، تُسدّد منها ديونها والتأمين الاجتماعي ورواتب العاملين، بقيمة 39 مليارا و500 مليون يورو، مؤكّداً أن كتالونيا ستحقّق فائضاً بقيمة خمسة مليارات و800 مليون يورو فور سداد تكاليف إنشاء الدولة الجديدة.