شئون خارجية

مهاجر ومهرب وسياسي

في رحلة الموت من أفريقيا إلي أوروبا


إحدي الحافلات التى تقل المهاجرين

إحدي الحافلات التى تقل المهاجرين

دينـا توفـيق
10/10/2017 1:33:41 PM

يأس وشقاء يخيِّم عليه.. والبطالة تطارده.. الفقر والجوع بات مصيره.. ولا سبيل له غير الهروب الذي يحتاج إلي أموال طائلة.. فمثل كثيرين، جمع الدولارات المطلوبة بشق الأنفس، كي يدفعها للمهربين الذين يمهدون له طريق العبور من بلده إلي ليبيا ومن ثم أوروبا.. ومنذ ما يقرب من شهر وهو مع آخرين أمثاله في رحلة لم تتوقف - الجميع يخرجون من أجل لا شيء - طريق محفوف بالمخاطر والصعاب ومن يفشل في الوصول للبر الثاني يبدأ في العيش في الإذلال والعزلة.

وعلي ظهر حافلة بعد اكتمال تعبئتها، تبدأ »رحلة الموت»‬ أو »‬رحلة أضغاث الأحلام» التي يرسمها المهرب أو »‬المنقذ» حسب وصف المهاجر، ويبدأ القدر في كتابة قصص المهاجر الحالم بأوروبا، و المهرب الذي اتخذ من هذه الرحلة عملا وتجارة شرعية رابحة..
حكايات مظلمة كـ»‬ليالي الصحراء» لا ضي بها غير الأمل الذي يتمسكون به، جافة كرمالها، قاسية كطبيعتها الوعرة، الخوف لا يفارق أحدا فيهم والكثير من سوء المعاملة يصعب الحديث عنه.. كانت بالفعل من أخطر الرحلات علي وجه الأرض كما وصفتها »‬نيكول سوبيكي» الكاتبة والمصورة بمجلة »‬فورين بوليسي» الأمريكية في تحقيقها بعنوان »‬مهربي.. منقذي» ضمن سلسلة التحقيقات التي أجرتها المجلة لعرض وتغطية هذه القضية من جميع جوانبها، المهربين والمهاجرين.. الترحيل وطرق التهريب غير القانونية وفشل الحكومات في مالي والنيجر وتشاد والسنغال وليبيا لوقف تدفق الفارين إلي أوروبا، هذا إلي جانب مساعي قادة القارة العجوز لإيجاد طرق جديدة لإبطاء تدفق هؤلاء الأفارقة بل ومنعهم مع المحافظة علي القيم والحريات وحقوق الإنسان.
لم تؤدِ الحملة التي يمولها الاتحاد الأوروبي إلي وقف تدفق المهاجرين إلي بلدانه ولا إلي ليبيا البوابة الرئيسية للحلم الأوروبي؛ ولكن الأمر قد أجبر المهربين أمثال »‬أدجي» علي اتخاذ طرق جديدة أكثر خطورة عبر الصحراء. أدجي البالغ 32 عاماً، الذي يعمل بتجارة تهريب المهاجرين منذ 15 عاماً، يروي للمجلة الأمريكية تجاربه؛ قائلاً: »‬إنهم كمهربين، هم الفرصة الوحيدة للمهاجرين لجعل عملية تهريبهم آمنه عبر الصحراء.. فمنهم الخارجون علي القانون، يمارسون لعبة القط والفأر مع جيش النيجر ويراوغه.» وللذهاب إلي ليبيا، تبدأ الرحلة من مدينة »‬أجاديز» الواحة التي تقع وسط النيجر، التي ظلت لقرون مركزاً تجارياً وبوابة لتهريب البشر عبر الصحراء، التي تعرف الآن باسم »‬بيوت الاتصال» بعدما تحولت إلي أكثر المدن جذباً للمهاجرين وتجمع الفارين من الفقر. وخلال الرحلة، ستواجه الموت إذا لم يكن علي أيدي العصابات والإرهابيين والعناصر المتطرفة سوف يكون بسبب العطش وضلهم للطريق في الصحراء الشاسعة. ومنذ عام 2015، بدأ جيش النيجر في اصطيادهم وإطلاق النار علي الحافلات، وبات الطريق خطرا لأن المسافة تضاعفت بعد اتخاذ طرق أخري لاتزال غير معروفة للسلطات، فتضاعفت المخاطر والأموال أيضاً. ويستكمل أدجي كلامه عن اختطاف حافلته من قبل العصابات أثناه سفره بأحد الطرق الجديدة العام الماضي، ونجا بعد أن سار مسافة كبيرة وسط الصحراء كاد أن يفقد وعيه من شدة الإعياء، حيث عثرت عليه قافلة مهاجرة أخري. ويقول أدجي إنه من أجل زوجته وأولاده، ترك هذه التجارة ولكن أولئك الذين لايزالون علي استعداد للقيام بهذه الرحلة يمكن أن يتوقعوا أرباحاً أكبر من ذي قبل، خاصة بعد أن ارتفعت تكلفة العبور إلي ليبيا. فمن ينقل أكثر من 300 مهاجر أسبوعياً يحقق أرباحا تتراوح بين 10 آلاف إلي 13 ألف دولار. ولكن »‬عمر» لم ينجح في نقل هذا العدد من المهاجرين ولا القيام بأكثر من رحلتين في الشهر الواحد، بعد أن قل عدد الأفارقة الذين يأتون لخوض هذه الرحلة، ما أدي إلي استغراق وقت طويل لاكتمال الحافلة التي ستقلهم.
وكان »‬علي» واحداً من المهربين الذين لايزالون يقومون بمثل هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر وحتي بعد أن تعرض إلي حادثة وتحطم حافلته التي كانت تقل 25 مهاجراً وقتل اثنين منهم بسبب الأمطار الغزيرة ووعورة الطريق.
وقبل تسعة أشهر، كان »‬قادر» مهرب آخر، يقود حافلته المليئة بالمهاجرين إلي ليبيا وعندما وصل إلي نقطة تفتيش عسكرية فر إلي الصحراء لتجنب الاعتقال تاركاً المهاجرين يواجهون مصيرهم وحدهم. أما »‬موسي» فهو من المهربين الذين تقدموا بطلب إلي برنامج ممول من الاتحاد الأوروبي يهدف إلي مساعدة المهربين الذين يتخذون من الاتجار بالبشر مهنة يعيشون من عائدها، ولكنه لم يحصل علي أي رد أو دعم حتي الآن.
ولاتزال قصة النيجري »‬محمد يوسف»، 24 عاماً، الذي ترك وطنه للعمل في ليبيا إلا أنه تورط في عدة جرائم. وبعد ستة أشهر من بيع محمد وتعذيبه وإرغامه علي مشاهدته صديقه يموت أمام عينيه، وجد نفسه مرة أخري في إحدي الحافلات التي أتي بها إلي الأراضي الليبية ليعود إلي نقطة البداية، ليواجه الشخص الذي جعل منه عبداً. كان المهرب ما يزال يعمل بلا تردد أو خجل علي تهريب المهاجرين القادمين إلي منطقة »‬أجاديز». قال له يوسف »‬مات صديقي في ليبيا بسببك»، وعندما طلب منه بعض الطعام، رفض الرجل وقال: »‬آسف، كان الله في عونك».. قد يكون طريق تهريب البشر عبر الصحراء الكبري هو الأكثر دومية علي الأرض، وبحسب وصف المجلة الأمريكية، فهو »‬الطريق السريع إلي جهنم» الذي اتخذه المحرر »‬تي واي ماكورميك» عنوانا لتحقيقه، الذي يسرد فيها ثمار رحلة الموت التي تكون العودة والترحيل. فالسلطات في الدول الأوروبية بدأت بالفعل من ترحيل آلاف الأفارقة وتشديد الرقابة عليهم داخل البلاد.
ومع إغلاق طريق بحري يتسلل منه المهاجرون، سرعان ما يفتح آخر من شمال أفريقيا عبر البحر المتوسط إلي إيطاليا التي سجلت دخول 181 ألف شخص العام الماضي. ويتم تجميع المهاجرين علي الحدود مع تشاد والنيجر ليقع إرسالهم باتجاه مدينة سبها جنوب شرق ليبيا، ليتم في ما بعد نقلهم إلي سرت عن طريق الجفرة ومنها إلي المنطقة الغربية وتحديداً إلي المدن الساحلية علي غرار مصراتة وزوارة وطرابلس. ولعبت النيجر وليبيا دوراً في الجهود الأوروبية الرامية إلي الحد من أعداد الأشخاص الذين يعبرون المتوسط نحو إيطاليا. ودعمت إيطاليا خفر السواحل الليبي لوقف المهرِبين علي الرغم من الانتقادات التي وجهتها الجماعات الحقوقية.
ومن دواعي انزعاج أوروبا من الأعداد المتدفقة عليها، سارع قادتها لإيجاد تدابير للحد من التسلل إلي بلدانهم. واشتملت جهودهم حتي الآن علي تشديد القواعد وتنفيذها ليس فقط علي تأمين حدود القارة العجوز فقط بل ومعالجة المشكلة من مصدرها. لذا أطلق الاتحاد الأوروبي عدة مشروعات إنمائية لدعم جهود التنمية وبناء عدد من البلدان الأفريقية كالسنغال والصومال، بالإضافة إلي دفع ملايين الدولارات لجيش النيجر من أجل التدريب علي التصدي لهؤلاء المهربين. وتتساءل الصحفية والمصورة الأمريكية »‬جيل فيليبوفيتش» عن قدرة قادة أوروبا في الحافظ علي مبادئ وقيم القارة العجوز دون إثارة الفوضي في أفريقيا عقب القرار بترحيل من جاءوا بطرق غير شرعية إلي جانب الخلل الذي وقع نتيجة الخطأ في تنفيذ المشروعات داخل القارة السمراء؟ فهناك، أحد المشروعات التي تهدف إلي تدريب وتجهيز قوات الأمن وعناصر الشرطة المحلية في عدة بلدان أفريقية للتعامل مع المهربين إلا أنهم لجؤوا إلي استخدام التعذيب والاستعباد وقتل المدنيين.
أزمة الهجرة إلي أوروبا لم تنته بعد.. فإنها مجرد البداية فمن المتوقع أن تتجاوز أعداد المهاجرين إلي مليون شخص سنوياً خلال العقود الخمسة القادمة ومن ثم ازدياد الكراهية.. فيما تظل علامات الاستفهام تدور حول ساكني القارة السمراء، رغم الثورة الثقافية والحضارية التي نشهدها الآن، إلا أنهم لايزالون مقهورين في الأرض.. فهؤلاء لا يمتلكون حرية الاختيار عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية رغم الثروات التي في باطن صحرائها، فأصبحوا عرضة للاستغلال سواء بالاتجار بهم أو الاستعباد بالدين. وتظل الإجابة لكي تكون إنسانا يجب أن تكون حراً، ولكي يتحقق ذلك يجب ألا تقع أسيراً لشخص أو معتقد أو أموال أو أن تدع الوقت يتحكم فيك.. فالحرية هي روح الإنسان وأنفاسه، فعليك أن تعتق نفسك إذا أردت أن تتنفس وتحيا، فالحرية لا تمنح وإنما يتم انتزاعها..