فنون

»محمد زاوي« »التائه«.. »حاله إنسانية« في 150 ثانية


نعمة الله حسين
1/10/2017 11:00:19 AM

"محمد زاوي" فنان بدرجة مناضل ومازال سلاحه اليوم "قلم".. و"كاميرا" مهموما بالبشر في كل زمان.. ومكان.. في باريس حيث يعيش.. بعد أن غادر الجزائر في التسعينيات (العشرية السوداء) وبعد اغتيال العديد من الصحفيين والفنانين المعارضين لإقامة الدولة الإسلامية.. لم يكن هناك في النهاية خيار سوي السفر والهجرة إلي المنفي الاختياري.. لكن  الرحيل كان بالجسد أما العقل والروح والقلب فقد ظلت في الجزائر.. ولمدة سبع سنوات لم يستطع العودة فيها إلي وطنه حيث كان مستهدفا مثل كثير من الصحفيين.
سنوات الغربة ضاعفت لديه الإحساس بالألم.. الافتقاد والحنين للعائلة زادا من إنسانيته العالية.. ولقد أسعدتني الظروف بلقائه والتعرف عليه عن قرب منذ عدة سنوات عندما شاهدت للمرة الأولي فيلمه التسجيلي الرائع "عائد من مونلوك"، وهو عن أحد المناضلين الجزائريين الذين تم سجنهم وحكم عليه بالإعدام في (سجن مونلوك) في ليون بفرنسا وهو أحد أقسي السجون قسوة وصرامة.. لكن من حسن حظه أنه تم الإفراج عنه.. ولألتقي بالصدفة بمصطفي يودينه لأقدم هذا الفيلم عنه. الفيلم كان يعرض في الأيام السينمائية الجزائرية التي يرأسها الصديق السينمائي الإعلامي والصحفي القدير "سليم أجار".
>  >  >
هذا التواصل الإنساني والفني مع محمد زاوي مازال إلي اليوم.. فهو إنسان جميل متواضع مثقف وواعٍ.. العمل السينمائي جاء في حياته متأخرا بعد أن تجاوز الخمسين من عمره.. حيث ذهب والده إلي زيارة شقيقه في "ماليزيا" وأثناء عودته مر علي باريس ليلتقي (بمحمد) ويهديه الكاميرا التي أرسلها إليه.. ومنذ ذلك الوقت بدأ محمد يكتشف العشق للتصوير.. ولما كان بدون عمل ساعتها فقد كان يمضي الوقت في تصوير ابنته الصغيرة "ياسمين" التي كانت تبلغ من العمر شهرين، بالإضافة لتصوير اللوحات التشكيلية.. وبعد ذلك بدأ يتدرب علي المونتاج والميكساج.. ليقوم بعد ذلك وحتي الآن بتصوير أفلامه بدون دعم من أحد وبأقل ميزانية.. لكن مع ذلك فهو يقدم أجمل وأقوي الأفلام.. التي حصلت علي جوائز من مهرجانات مختلفة.. إنه فعلا مناضل بدرجة فنان.
>  >  >
ولعل أحدث أفلام "محمد زاوي" فيلم قصير للغاية لا تتجاوز مدة عرضه دقيقتين وعشرين ثانية.. وسوف يشارك به في البرنامج الرسمي لمهرجان "كليرمون فيران" بفرنسا الشهر القادم.
كما يشارك الفيلم في الدورة السابعة لمهرجان "نيكون" الذي تحمل دورته هذا العام "تيمة" »أنا لقاء يمتد علي مدي دقيقتين وعشرين ثانية»‬.
>  >  >
ولأنه لا يفارق الكاميرا أبدا.. فقد حدث في أحد الأيام وبينما كان يسير في حي "اليبفانس" الشهير بالعاصمة الفرنسية.. وفي الساحة الكبيرة سمع صوت أم كلثوم يصدح بقوة.. ثم بعد ذلك صوت "فريد الأطرش" ليندهش بشدة وبالبحث عن مصدر الصوت شاهد رجلا عجوزا طحنته السنون وجهه مرسوم عليه كل ملامح الحزن.. بالتأكيد يعاني من الوحدة الشديدة.. يتجول في الساحة وكأنه يبحث عمن يخفِّف وحدته.
ويقول محمد زاوي عندما عدت للمنزل وشاهدت ما صورته من مشاهد لهذا الرجل الذي لم يحاول أن يعترض علي التصوير أدركت أنني أمام حالة إنسانية.. الغربة والألم والوحدة في المهجر.. وكم كان تأثري عندما رأيته يفتح علبة الطعام ليأكل طعامه "الكسكس" الذي يذكره بالديار.. في الشارع وسط الناس بحثا عن "الونس".. لأعرف بعد ذلك من الرجل أنه وهو في هذه السن المتقدمة لا يأمل في شيء سوي العودة إلي الديار أي البلاد.
كانت هذه فكرة الفيلم الذي تم تصويره بالأبيض والأسود دون أي تجهيزات وبدون سيناريو أو مهندس صوت وتحت ضوء النهار.
"أنا حالة إنسانية" فيلم شديد العذوبة.. والرجل العجوز تحمل ملامحه كل الصدق في التعبير فكان أداؤه الصادق يفوق أي ممثل محترف.
ولقد نجح "محمد زاوي" في أن يصعد بفيلمه إلي قائمة العشرين فيلما الأوائل من بين (سبعمائة وخمسين) فيلما.
فتحية لهذا الفنان المناضل منذ الصغر من أجل كل القيم الجمالية للتغيير والعدالة الاجتماعية.. فعشقه للحرية دفعه للفن، فمارس مختلف فنون الكتابة والتمثيل وهو يشعر بالسعادة الشديدة لانتمائه لعالم الفن، ولن ينسي له أحد مسرحيته "الثلث الخالي" والشخصية الرئيسية بها "التائه" التي كتبها عن الجزائر وجو الاضطرابات والاغتيالات في تلك السنوات التعسة.