فنون

الإرهاب والعنف ضد الفتيات

قراءة في مهرجان مونز السينمائي الدولي لأفلام الحب الـ33


لقطة من الفيلم الإسباني »عُرس الدم« إخراج باولا أورتيز

لقطة من الفيلم الإسباني »عُرس الدم« إخراج باولا أورتيز

رسالة مونز: نعمة الله حسين
2/14/2017 11:36:29 AM

ماذا تعني الحياة إذا كنا لا نستطيع الاستمتاع بها وبحب أقرب الناس إلينا ـ فالإحساس بالوحدة يحولها إلي جحيم.. لذا فالغربة والاغتراب شديدا الصعوبة.. وأقسي أنواع الغربة هي اغتراب الإنسان عن نفسه.. وهو مايعاني منه للأسف في بعض الأحيان الكثيرون لكن أكثرهم إيلاما هم مرضي الألزهايمر الذين لايعرفون أنفسهم أو من يحيطون بهم.
ولعالم آخر لسنا طرفا فيه بحكم الدين يطرح السؤال هل من حق الأهل أو الشخص نفسه إنهاء حياته.. بحجة أنه بات غريبا عنها ولا يستمتع بشيء؟ في بعض البلدان حُسم الموضوع "بنعم" وفي بلدان أخري مازال الرفض قاطعا.. وصدقت مقولة "من الحب ماقتل".
وكعادة مهرجان الحب بمونز فإنه يوجه دعوة لحب الحياة مهما كانت آلامها.. لكنه لا يدين أيضا المعذبين ومن حوله للتخلص من آلامهم حتي لو كان الثمن هو الحياة نفسها.
>  >  >
في مسابقة الأفلام الروائية القصيرة البلجيكية التي تضم تسعة أفلام.. وتشرفت برئاسة لجنة تحكيمها بعضوية كل من المخرج السينمائي الفرنسي "أوليفييه لوستو".. والمخرج الشيلي "توماس ويلس".. وحتي كتابة هذه السطور لم نتعرف بعد علي كل الأفلام وإن كان ماعرض فيها يدور حول الحياة والحب وعذابات النفس البشرية من خلال طرح قضايا تعاني منها الآن جميع المجتمعات وهي الإرهاب في المرتبة الأولي.. وقضايا العنف تجاه النساء خاصة الفتيات القاصرات.
ولعل فيلم "عالم الصمت" للمخرجة "جولي جوردان" عن سيناريو أصلي لها يحمل صورة من آلام وعذاب مئات من الفتيات ذوات الأصول العربية.. وحالة الانفصال والاغتراب التي يعشنها نتيجة خلل في العلاقات الأسرية وعدم استيعاب ثقافتهن الأصلية ومحاولة انخراطهن في المجتمع الذي أصبحن ينتمين إليه.. "مريم" تم وضعها بإحدي المؤسسات لرعاية الفتيات.. لتقديم رعاية نفسية لها هي ومثيلاتها.. لكن مثل هذه المؤسسات يحيط بها الغموض أحيانا.. ولا تكون قادرة علي استيعاب حالات هؤلاء الفتيات.. وعندما يتم اكتشاف أن "مريم" حامل يحاولن إخفاء الأمر عن الجميع حتي تضع طفلها.. لكن القرار من قبل والدتها مع دار الرعاية هو بيع المولود أو إعطاؤه لأسرة بديلة.. وتحاول مريم اختطاف الرضيع بمساعدة صديقة لها.. إلا أن المحاولة تبوء بالفشل ويتم استدعاء والدتها لترحل معها إلا أن الأخيرة تتركها لتهيم وحيدة بحثا عن حرية مفقودة في محاولة لإنقاذ نفسها أو لمزيد من الغرق في الضياع.. فالنهاية مفتوحة تعتمد علي قدرة مريم في الشفاء من جراحها النفسية.. وما أشق وأصعب هذه الجراح.
نجحت مخرجة الفيلم في نقل إحساس الفتاة التي تعرضت للاغتصاب.. ثم انتزاع صغيرها منها.. من خلال حوار بسيط يحمل الكثير من الصدق عن مشاكل هؤلاء الفتيات..
>  >  >
وفي إطار مشاكل المهاجرين خاصة العرب وخاصة بعد تورط العديد من الشباب في الانضمام لداعش، يأتي الاهتمام بهذا الفيلم الذي رغم براعة فكرته إلا أن المخرج لم يستطع أن يغوص بعمق في هذه القضية وأسبابها.. وهو ماطرح في فيلم "مراد وصوفي" إخراج "بيبي بوكييه.. من خلال قصة حب تجمع بين مراد العربي المسلم وصوفي البلجيكية وهو لا يحاول أن يمارس معها الحب قائلا لها إنه يحتفظ  بعفته كشاب للزواج.. وأنه سوف يأخذها معه للجنة.. ثم يفاجئها بأنه سيسافر في اليوم التالي إلي إنجلترا لكنها تقوم بسرقة جواز سفره لتدرك أنه مسافر إلي تركيا.. فتسرق الجواز.. وعندما يكتشف ذلك يحاول أخذه منها بالقوة في الشارع إلا أنها ترفض.. فتأتي الشرطة وتقوم بتفتيشهما ليكتشفوا حكاية سفره ويتم القبض عليه.
الموضوع كان يمكن معالجته أفضل من ذلك بكثير.. كما أن حوار "مراد" عن الدين بدا ضعيفا ومليئا بالمغالطات.. لكن كل ذلك يعكس الخوف الكامن في نفوس البشر من الإرهاب.. وحالة السيطرة علي الشباب وضمهم إلي جماعات الجهاد والإرهاب.
>  >  >
وتظل تيمة الإرهاب مسيطرة بقوة علي الأفلام حتي لو كان في المستقبل معني هذا أنه أمامنا سنوات طويلة من المعاناة الشديدة.. ففي فيلم "فوكازيا" للمخرج "لوران ميشيلبه" تدور أحداثه سنة 2039.. مازالت الدول تخاف الإرهاب وتحاربه بكل شدة.. لكنه مازال موجودا وقادته يتمتعون بقدر كبير من الذكاء والحرية في استمرار هجماتهم.. بطلة الفيلم "آديل" تعيش في الفضاء الخارجي تقود كبسولة تتيح لها مراقبة المدينة بكل تفاصيلها "ثلاثة" أعوام بعيدة عن زوجها وابنتها الوحيدة.. وفي يوم عودتها للأرض تفشل في مهمة لها ينتج عنها تحطيم سيارة شرطة ووفاة وجرح عدد كبير من رجال الشرطة والناس العاديين.
ورغم أن الفكرة تحمل تشاؤما كبيرا أو بمعني أدق حقيقة فالإرهاب مستمر وليس من السهل القضاء عليه بين يوم وليلة.
الحقيقة أن مخاوف البشر والأطماع من قبل البعض الآخر هي التي ستؤدي في النهاية إلي هلاك العالم.
>  >  >
ليلة افتتاح المهرجان كانت جميلة وبسيطة وأنيقة حملت الكثير من الحنين لأفلام طالما أسعدتنا علي مر السنين.. وكم كان جميلا أن تعزف الأوبرا الملكية في حفل الافتتاح موسيقي أشهر الأفلام مثل تيتانيك وغيرها.. لتدخل البهجة علي النفوس وتكون ليلة حب حقيقية.. اختلطت فيها ذكريات الماضي بالحاضر.
ومن أجمل الأفلام التي عرضت خارج المسابقة الرسمية الفيلم الأسباني "عرس الدم" للمخرجة "باولا أورتيز" التي تعتبر من المخرجات الواعدات في أسبانيا.. والفيلم مأخوذ عن الرواية الشهيرة التي تحمل نفس الاسم للروائي فيدريكو جارسيا لوركا، وبطولة "إنما كويستا" و"لويزا جافاس" و"أليكس جارسيا"، "ايسيه إلكسندر".. وفي هذا الفيلم الرائع برز دور الموسيقي والأغاني الشعبية الأسبانية.. وتدور أحداثه حول ثلاثة أصدقاء صغار فتاة وولدين متحابين وعندما يكبرون تتغير أقدارهم فاثنان منهم متحابان.. لكن الحياة باعدت بينهما.. ولذلك في ليلة فرح العروس الشابة.. تترك زوجها لتهرب مع من أحبته منذ كان صغيرا.. ليقتل الصديقان بعضهما وتتحول الأفراح إلي أحزان وعرس للدم، إنه فيلم غاية في الروعة والجمال ولنا عودة له.