فنون

«غدوة حي» صورة تونس بعد الثورة

قراءة في مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية الأول


نعمة الله حسين
3/14/2017 10:47:25 AM

حكايات البشر والمدن.. العلاقات الاجتماعية والإنسانية.. الحروب العرقية.. الهجرات من الوطن الأم.. التدخل الأمريكي الغربي لتغيير خريطة منطقة الشرق الأوسط وإعادة رسمها من جديد.. مكافحة الإرهاب ومقاومته.. هموم البشر وآلامهم وأحلامهم وطموحاتهم.. عبر الأزمان.. كانت الخطوط العريضة من صور الأفلام التي عرضت علي مدي أسبوع كامل في مهرجان شرم الشيخ الأول للسينما العربية والأوروبية الذي تقيمه مؤسسة "نون الثقافية" وترأسها د. ماجدة واصف .. ويرأس المهرجان الكاتب والناقد "جمال زايدة".
غرقي القوارب السورية والهجرة غير الشرعية
هذه الدورة التي أقيمت في مدينة السلام بشرم الشيخ وسط ظروف مادية شديدة الصعوبة بعدما تخلت وزارة السياحة متمثلة في هيئة تنشيط السياحة عن التزاماتها.. ولولا تدخل محافظ جنوب سيناء اللواء أركان حرب خالد فودة ورعايته لها وتقديم كل الدعم لوجد المنظمون أنفسهم في مأزق شديد.
نجحت هذه الدورة بعرض مجموعة من الأفلام الطويلة والقصيرة المتميزة.. التي تكشف وتؤرخ تاريخ المدن ومن أهم هذه الأفلام الفيلم التونسي "غدوة حي" الذي حصل مناصفة علي عمود "الجد" البرونزي مع الفيلم الفرنسي "وأنا في عمري هذا مازلت أختبئ لكي أدخن" للمخرجة الجزائرية ريحانة وإنتاج ميشيل راي جافراس.
وقد حضر عرض الفيلم التونسي "غدوة حي" مخرجه لطفي عاشور وبطلته أنيسة داود والتي شاركت مع لطفي وناتاشا دي بونتشارا.. وبالمناسبة هو الفيلم الروائي الأول لمخرجه لطفي عاشور الذي قدم من قبل أربعة أفلام قصيرة حصلت علي العديد من الجوائز في مهرجانات مختلفة.. بالإضافة بالطبع لعمله كمخرج مسرحي.
"غدوة حي" وهو تعبير تونسي يعني بكرة أو غدا لن يحصل شيء.. وفي نفس الوقت فإن الاسم الأجنبي للفيلم يحمل معني آخر وليس ترجمة حرفية وهو "احتراق الأمل".
في هذا الفيلم نجح مخرجه أن يقدم صورة واقعية لبلده تونس مابعد الثورة التي كانت بداياتها تونس.. الربيع العربي الذي انطلق لبلدان أخري.. وذلك من خلال قصة صداقة بين سيدتين تستعرضان فيها لتونس اليوم بعد ثورة (14 يناير) التي بات معظم الناس يشعر بخيبة أمل تجاهها سواء في تونس أو مصر لأن التغيير الذي كنا نطمح إليه لم يأت بما ننتظره.. فمازال الروتين.. والفساد.. والتهميش.. وجشع التجار.. والعدالة.. كلها أشياء لم تصل إلي ما كانت تحلم به الشعوب وتتمناه.. وهذا بالإضافة إلي كل الممارسات التي مارسها الأمن أثناء الثورة.
زينب الصحفية.. وصديقتها (علية) والشاب الصغير "حسين".. الذين التقوا مصادفة ليلة 14 يناير وفي محاولاتهم للاختباء من الأمن يعتدي أحدهم علي حسين فتقتله زينب هذا السر الدفين الذي جمع بينهما يلقي بظلاله بعد ذلك من خلال التقائهم بالعديد من الشخصيات المتشابكة ليتم طرح سؤال يدور في نفس كل منا.. هل مازال هناك أمل تتمسك أو تحلم به.. أم مكتوب علينا الشعور بخيبة الأمل.. وأنه أمامنا سنوات وسنوات لنشعر فعلا بالتغيير الحقيقي؟
"مارية نوستروم".. فيلم قصير سوري فرنسي مشترك من إخراج "رنا كزكز" وأنس خلف وتمثيل زياد بكري والصغيرة زيان خلف مدته (13 دقيقة).. وهو فيلم موجع للقلب وصرخة للعالم أجمع.. في البداية تشاهد أبا يلعب مع ابنته علي شاطئ البحر.. ثم يحملها ويسير فوق جسر ممتد داخل البحر ليلقي بها.. والصغيرة التي لم تتعد أربع سنوات ولا تعرف السباحة تقاوم الغرق وتحاول أن تنقذ نفسها.. إلي أن يأتي رجل وينقذها.. لكن الأب يكرر المحاولة أكثر من مرة.. وفي إحدي المرات يسقط معها.. وتكتشف أنه لا يعرف (العوم) وليس بقادر علي إنقاذ نفسه وتنتقل الصورة لمركب محمل باللاجئين غير الشرعيين وقد تحطمت بهم.. وهم في طريقهم إلي أوروبا ومن بين مجموعة كبيرة غرقت.. لم تنجُ سوي طفلة صغيرة عمرها (ست سنوات).
لقد كان الأب طوال الوقت يحاول أن يمهد لابنته الظروف التي سوف تمر بها لكي تستطيع أن تنجو بنفسها.. إنها المأساة التي تعيشها سوريا ويغمض العالم عينيه عنها.
تمر السنون بحلوها ومرها ولا يبقي منها سوي ذكريات وصور قديمة وروائح من الماضي تعبق الحياة برحيقها.. والغريب أن العمر الطويل يعود بصاحبه إلي الصغر.. "فكبيرنا" هو نفسه "صغيرنا" فالشيب ضعف من بعد قوة.. وكم كان جميلا أن يقدم المخرج اللبناني الشاب "هادي زكاك" فيلما من إنتاجه وإخراجه عن جدته (هنريت) المعمرة التي احتفلت مؤخرا بعيد ميلادها الثالث بعد المائة.. ومازالت تتمتع بذاكرة ليست سيئة.. حقيقة لم تعد الذاكرة في قوة خصوبتها لكنها مع ذلك مازالت منتعشة بالذكريات.. كما أن هذه العجوز لم تفقد روح الدعابة وخفة الدم.
لقد استعرض "زكاك" تاريخ أسرته وعائلته وأيضا بلدته وبلدة لبنان عبر أكثر من تسعين عاما منذ بداية أن وعت جدته علي الحياة.
الفيلم رسالة حب جميلة وهو أجمل ما تتلقاه جدة من حفيدها وأبنائها.. إنه حفظ وحفاظ لتاريخ أسرة بلد.. رابط بين الماضي والحاضر.. نبتة حب ستظل حية ترويها مياه الذكريات.. فما أجملك من حفيد.. وما أطيبك من جدة أعطاها الله مزيدا من الصحة مع ما تبقي من العمر.