فنون

جوليا قصار.. بنت الجميزة.. جمال الفن.. وقبح السياسة

وجه من مهرجان وهران


رسالة وهران - نعمة الله حسين
8/8/2017 11:40:20 AM

إنها الفنانة اللبنانية العربية المميزة جدا.. »جوليا قصار»‬ التي تعد واحدة من أهم ممثلات العالم العربي في السينما والمسرح والتليفزيون بالإضافة لكونها أستاذة بمعهد تدرس المسرح.
»‬جوليا» الحاصدة لأكبر عدد من الجوائز في السنوات الأخيرة في العديد من المهرجانات العربية والعالمية.. وأحد الوجوه البارزة في الحياة الفنية.
لقائي مع »‬جوليا» جاء بالصدفة في إطار مهرجان وهران للفيلم العربي.. عندما صعدت  للسيارة فوجدت سيدة جميلة تجلس بها منتظرة صعود الآخرين.. وكم كانت فرحتي ..إنها »‬جوليا» حيث إن لقاءنا الأول يعود لسنوات طويلة مضت في منتصف التسعينيات من خلال صديقنا العزيز المشترك »‬أنطوان خليفة» عندما دعاني في باريس لمشاهدة مسرحية »‬الخادمتان» بطولة »‬جوليا قصار» و»‬راندا الأسمر».. يومها أذهلتني  هذه الشابة بأدائها الرائع.. وبعد سنوات طويلة التقينا في لبنان أثناء تصوير فيلم »‬الطائرة الورقية» سنة 2003 للمخرجة الراحلة »‬راندا الشهال» حيث  ذهبت بصحبة الصديق الغالي أنطوان لقضاء يوم في الضيعة التي يتم فيها تصوير  الفيلم بدعوة من »‬راندا» رحمها الله.. وكان وجود »‬جوليا» والفنانة »‬ليليان داوود» يضفي الكثير من البهجة علي مواقع التصوير.
هذه المعرفة والعلاقة المميزة علي مدي سنوات طويلة بدت وكأنها كانت منذ لحظات؛ لقدرة »‬جوليا» علي اختصار المسافات بصدقها وعفويتها وبساطتها.. ومن هنا كان الحوار الذي اختصت به مجلة »‬آخر ساعة».
• • •
في هذه الدورة العاشرة لمهرجان وهران يعرض لصوفيا فيلم »‬المحبس».. للمخرجة »‬صوفيا بطرس» التي شاركت في كتابة السيناريو مع المنتجة »‬نادية عليوات» والموسيقي »‬لزياد بطرس» مع طاقم من الممثلين علي رأسهم »‬بسام كوسا».. »‬سيرينا شامي» و»‬دانييال بالبان» و»‬نادين خوري».
وللفيلم حكاية إنسانية عميقة رغم أنه يدور في إطار كوميدي  ساخن.. لكن في  الحياة كم من الأشياء البائسة المبكية التي تثير ضحكنا وعلي رأي المثل »‬شر البلية مايضحك».
والحقيقة كم هي قبيحة السياسة والحروب التي تدور في المنطقة العربية بين الأشقاء.. ومن خلال السيدة »‬تيريز» اللبنانية زوجة رئيس البلدية في إحدي الضيعات بلبنان تعمل  علي الاستعداد لاستقبال الشاب الذي تحبه ابنتها والتقت به في دبي ويجيء لخطبتها هو وأسرته.. »‬تيريز» تكن كرها خاصا  للسوريين خاصة بعد مقتل أخيها بقذيفة سورية والحقيقة التي لايجب  أن تتجاهلها هذه المشاعر غير الطيبة المتبادلة بين الشعبين.. وكله بسبب السياسة البغيضة فيوما ما كانت كل هذه الأراضي بلدا واحدا..
وكم تكون المفاجأة عندما يأتي الخطيب  بصحبة والده ووالدته وتكتشف »‬تيريز» أنه سوري ..تتبدل الأحوال وتبدأ الحرب الباردة التي تلجأ إليها »‬تيريز» كي لا تتم هذه الزيجة، كل ذلك في إطار كوميدي راقٍ وتسلسل  رائع للأحداث من خلال سيناريو محبك .. وحوار غاية في خفة الدم وإن كان في أحيان كثيرة يحمل  جرعة ألم شديدة.
فهل ينتصر الحب بكل جماله علي الوجه البغيض للسياسة والعنصرية؟
• • •
 • علي طاولة الصباح وبينما نرتشف فنجاني الشاي أنظر إلي »‬جوليا» وأسألها.. في آخر فيلمين لعبت دور الأم.. ألا تخشين أن تحاصري في هذه الأدوار؟
 - بابتسامة جميلة أجابتني:  بالطبع لا .. فأنا في الحياة كان من الممكن أن أكون أما لفتي أو فتاة في العشرينات.. لكنني قدمت هذين الدورين بعيدا عن الصورة التقليدية للأم ففي فيلم »‬ربيع» كنت  أما بالتبني لا تريد أن تصدق سوي أن هذا الشاب الكفيف ابنها.. وبالتالي كانت »‬سلبية» كل مايهمها هو الاحتفاظ بالابن ولو عن طريق كذبة.
أما في فيلم »‬خميس» فإن وفاة شقيقها جعلتها عاجزة عن القيام بدورها  كأم وزوجة وظلت متفرغة لأحزانها تعيش في وهم الحياة مع صورة تتبادل  معه الحوار كأنه لم يمت.
• أقول لها: هل أخذك الفن من حياتك الخاصة؟
- ببساطة شديدة أجابتني: كلا.. لا أستطيع قول إن الفن أخذني من حياتي  الخاصة فأنا لم أرتب لشيء ولم أضح أيضا بشيء.. عشت ومازلت سعيدة مابين التدريس والتمثيل.. آخذ الحياة بحلوها ومرها وأعيشها ببساطة ولا أندم علي شيء.
• منذ متي يلازمك الحلم بأن تكوني ممثلة؟
- تسرح قليلا قبل أن تجيبني قائلة: لم يكن التمثيل يدخل في دائرة أحلامي .. كنت أحب وأعشق الرقص وكنت أتمني أن أكون راقصة.. لكن بالطبع كانت هناك معارضة شديدة من  أسرتي.. وكانت »‬جورجيت جيارة» هي وفرقتها »‬كركلا» هما مثلي الأعلي. وعندما انتهيت من دراستي  التحقت بمعهد الفنون قسم مسرح لأجد فيه العوض.. كما التحقت بالاستديو الذي تدرس فيه جورجيت في منطقة الحمرا.. فكنت أعمل  مدرسة في الصباح وأذاكر وأتلقي تدريبات في الرقص مساء.
• • •
وتصمت قليلا قبل أن تسترسل في حديثها قائلة: والحقيقة إنني أدين بالفضل  لأستاذي الكبير »‬ريمون جبارة» وكان أول عرض مسرحي لي في دور صغير سنة 1985.. لتصمت قليلا قبل أن تسترجع شريط الذكريات لتقول: أما في التليفزيون فقد كان مسلسل »‬ مبارك» هو فاتحة الخير الحقيقية لي.
• • •
• أداعبها قائلة: تري كيف  كانت طفولة بنت الجميزة؟
- تضحك من قلبها: طفولة سعيدة مع أخي في هذا الحي النابض بالحياة قبل أن يتحطم ويدمر أثناء الحرب ويهجره سكانه ليذهب أكثرنا إلي حي الأشرفية..إن »‬الجميزة» هو حي الفن والحياة.. صغيرة كنت في مدرسة »‬سانت فاميل» .. وبعد ما انتقلنا انتقلت لنفس المدرسة في حي »‬الفنارة» ثم عملت بنفس المدرسة »‬معلمة» أدرس للبنات.
• • •
•  الحدود والحروب والحب.. موضوعات لأفلام قامت »‬جوليا» ببطولتها كيف ترين الحياة من خلالها؟
- صمتت طويلا قبل أن تجيب بصوت يحمل رنة الألم : الحرب قاسية ومؤلمة خاصة عندما تكون بين الأهل والجيرة والإخوة أبناء وطن واحد.. لقد عشنا مرارتها في بيروت.. وانعكس ذلك علي حالنا.. ولقد نجحت السينما في تجسيد ذلك خاصة التسجيلية.. ومازلنا إلي اليوم نعاني.. هناك مفقودون وهناك بيوت مازال الألم يعشش فيها. ثم هناك العدو المتربص بالأراضي العربية.. والانقسامات التي حدثت بين البلدان. في النهاية أقول ما أروع جمال الفن وقبح السياسة..
• • •
إطلالة »‬جوليا» في مهرجان »‬فينيسيا» القادم مع فيلم جديد »‬لزياد دويري» حيث ستقوم بدور »‬قاضية».. و»‬القضية رقم23» بعد الفيلم الروائي الرابع »‬لزياد دويري» بعد »‬بيروت الغربية» سنة 98 و»‬ليلي تقول» سنة 2004.. و»‬الصدمة» سنة 2012.. وتجري أحداثه في أحد  أحياء بيروت.
وعن هذا الفيلم تقول »‬جوليا» : إنها سعيدة جدا بالتعاون مع زياد وبدورها في هذا الفيلم.
والحق يقال إن قضايا العنصرية واللاجئين في بقاع شتي من العالم تشغل أذهان الجميع.
وبالنسبة للمسرح فجوليا تستعد في شهر ديسمبر لتقديم مسرحية تروي قصة امرأة تريد أن تقيم شعائر جنائزية لابنها قبل سفره مع أن  في الحي لا يوجد سوي »‬هي».. وابنها.. »‬والقناص».
• • •
وفي النهاية تقول »‬جوليا» الفن أعطاني كل شيء جميل في الحياة.. وأنا بدوري وكل معجبيها وجمهورها أقول لها: وأنت أعطيتنا كل شيء جميل بالتبعية.