فنون

المرأة تتصدر «التجريبي»

في دورته الرابعة والعشرين


نـــدي البـدوي
9/27/2017 1:30:41 PM

انتفاضة فنّية تشهدها مسارح القاهرة منذ انطلاق الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان المسرح المُعاصر والتجريبي، التي بدأت في 19 سبتمبر الجاري وتستمر الفعاليات حتي 29 من الشهر ذاته، بمُشاركة 27 عرضًا من بينها سبعة عروض مصرية، وسبعة عروض عربية وثلاثة عشر عرضًا أجنبيًا. ليُصاحب المهرجان مجموعة من الفعاليات التي تضمّنت تكريم عدد من كبار المُخرجين والمؤلفين المسرحيين، فضلاً عن إقامة مجموعة من الندوات والورش الفنّية. تنوّع كبير امتازت به العروض التي شهدت حضورًا جماهيريًا كثيفًا، من حيث الثيمات المختلفة والتقنيات المسرحية التي تُقدّمها.

إلا أن قضايا المرأة جاءت في صدارة الموضوعات المطروحة، بعدد من العروض التي انطلقت من معاناة المرأة في ظل القهر المُمارس عليها، في صورة ظواهر العُنف والتهميش والإقصاء، لتعكس رغبتها في الانعتاق من السُلطة الذكورية. ليظهر المسرح النّسوي أيضًا بوضوح في المهرجان من خلال مجموعة من العروض القائمة علي العنصر الأنثوي تمثيلاً وإخراجًا. وتلك التي تغوص في مشاعر المرأة وانفعالاتها النفسية، ومنها عرض »ليلة خريف« للمخرجة سيرين أشقر، وعرض «خريف» للمخرجة المغربية أسماء هوري.

«نساء في الحبّ والمقاومة».. صراع المرأة والرّجل

منذ اللحظة الأولي يخطف العرض قلبك. أجسادٌ متأهبة في حالة استنفار، يُظهر الصراع بين المرأة والرّجل بصورة جليّة. تلك المرأة التي بذلت نفسها من أجل الثورة. ذلك الرّجل الذي أخمد الثورة قبل أن تصل إليها. حالة فريدة يُقدمها الدكتور فتحي العكّاري المخرج التونسي، وزوجته مريم العكّاري مؤلفة النص المسرحي. وهما الثُنائي الذي تقوم عليه مسرحية «نساء في الحبّ والمقاومة» التي عُرضت علي خشبة مسرح «متروبول»، لتنصهر العلاقة الإنسانية التي تجمعهما في علاقةٍ مهنيّة، تُقدّم طرحًا مختلفًا لفكرة الإقصاء وغياب المساواة بين الجنسين. العرض يدور حول قصّة مُمثّلة تتمرد علي زوجها المسرحيّ، الذي يسعي إلي تهميشها وابتلاع كيانها. ليُعبِّر عن القهر بصورة جمالية تعتمد علي التعبير الجسدي، من خلال أجساد المُمثلين ورقصاتهم المُتناغمة التي تجسّد مشاعر الحب والغضب والحرّية والأمل والحيرة والرغبة في الحياة.

«ظلال أنثي».. 3 نساء وآلاف الهزائم

«أنا أنثي .. الذاكرة أنثي .. الطعنة أنثي .. المحطّةُ أنثي.. الوِحدة أنثي».. صرخات هزّت خشبة مسرح الهناجر، مُعلنة بداية عرض «ظلال أنثي» الذي قدّمته فرقة المسرح الحر الأردنية. بإخراج إياد شنطاوي وتمثيل أريج دبابنة وأريج الجبّور ومرام أبو الهيجاء. لنجد أننا أمام ثلاث نساء جمعتهن الصدفة في محطة قطار مهجورة، بانتظار قطار لن يأتِي، هاربات من حياة أكثر قسوة عليهن من الانتظار. لا شيء غير فراغٍ مُظلم وأصوات قطاراتٍ وأضوائها التي تلمع من بعيد. ثلاث حقائب محمّلة بذكرياتٍ مؤلمة وقصص عاشتها كل منهن، مع رجال تركوا بداخلهن آلاف الهزائم. الأول مُفكّر والثاني فنّان والثالث مُناضل، تسرد كل واحدةٍ مأساتها التي تنبع من علاقتها بنموذج الرّجل المثقف الذي يدّعي الحريّة، بينما يُمارس القهر والامتهان لكيان المرأة، ليكشف العرض زيف الأقنعة والازدواجية في الوسط الثقافيّ. بدا لي القطار الذي يعبر المحطة ولا يتوقّف، العمر الذي يمر أمامهن بينما يلوِّحن له هنا من بعيد. ليتوقف قطارٌ أخير وينتهي العرض، تاركًا السؤال للجمهور: هل تهرب البطلات أم يعدن ليواجهن الحياة من جديد؟.
«هناك مساحة ليُكمل الجمهور الفراغات التي وضعتها في العرض، حتي يصبح شريكًا وليس متلقيًا فقط، ليصل بنفسه إلي إلغاء حالة الانهزامية والعودة إلي المواجهة والأمل.» يقول الدكتور هزّاع البراري مؤلف العرض وأمين عام وزارة الثقافة الأردنية. مُتابعًا: نحن لا نهاجم في العرض النُخبة لأننا بالأساس جزء منها، لكن نغوص في منطقة انتهازية الرجل المثقف تجاه المرأة المثقفة. الرّجل ليس له وجود علي المسرح، لكنّه حاضر بصورة جلية في الفعل الذي تقوم به الممثلات، وهنا المعالجة النصية التي عملت عليها مع المخرج. الذي اعتمد علي البساطة بشكل كبير في أداء الممثلين وتقديم النص بصورة غير نمطية، كما ألغي حدود المكان والزمان. وهذا ملمح أصيل في المسرح المعاصر الذي أوجد لمواكبة العصر الحديث.
مُتابعًا: طريقة التناول الحديثة اختلفت كليّا، خاصة في التعاطي مع الزمن، سواء المسرحي علي الخشبة أو الزمن الخارجي. فالعصر الحالي كسر إيقاع الزمان والحدود والحواجز المكانية. وبالطبع انعكس ذلك علي الإخراج، فالديكور بمفهومه الكلاسيكي تراجع بشكلٍ كبير لصالح السينوغرافيا، التي تعتمد بالأساس علي العناصر الأخري من الإضاءة والموسيقي والإكسسوارات، أحيانًا تتحوّل أجساد المُمثلين إلي ديكور بشكل أو بآخر.

«نساء بلا غد» .. لاجئات علي حدود اليأس

لا يمكنك أن تُفكّر في الحروب، دون أن تداهمك وجوه الأمهات اللاتي يبحثن عن أشلاء أطفالهن وسط الحُطام، النساء اللاتي يُغتصبن بوحشية علي أيدي الغُزاة، أو يُقدّمن أنفسهن «قرابين» استجداءً للحياة. «نساءٌ بلا غد» يروي حكاية ثلاث لاجئات سوريات، هربن من جحيم الحرب في سوريا إلي ألمانيا، ليجدن أنفسهن في مواجهة مع الألم والذكريات التي تتدفق بكل قسوة، أثناء التحقيق الذي يخضعن له للحصول علي وثيقة اللجوء، لتنحصر حياتهن بين غرفة التحقيق والملجأ الذي يلتقين فيه صدفة. «سأفعلُ كل مايمكن أن يُنسيني بلادي. سأمحي من عقلي ووجداني هذه الخطيئة التي اسمُها البلاد» تقول أديل التي فقدت ابنتها في الحرب، وهي تسرد حكايتها. لتحكي مريم الفتاة المتدينة التي تتعرض للاغتصاب من قبل داعش تحت مسمي «جهاد النكاح».
الغصة التي تحملها المخرجة السورية نور نوّاف غانم، أخرجتها في هذا العرض الذي يُشارك فيه فريق المعهد العالي للفنون المسرحية. «قضيتي هي الحرب، والمرأة والأخت والابنة هي الضحية الأولي للحروب. فالأنثي هي الأكثر شفافية وحساسية والأكثر تحمّلاً لهذه المعاناة. من خلالها ألقي الضوء علي مُعاناة كل إنسان يعيش خبرة الحرب.» تقول نور مُتابعة: أردت أن أجمع في مكان واحد، البطلات اللاتي أتين من خلفيات مختلفة، دائمًا ماكانت تراودني تلك الفكرة، الهواجس والمشاعر المضطربة القلقة التي تتكون بين غرباء يجمعهم ألمٌ واحد، والصراع بين الشك والخوف الذي ينشأ بينهم، والتوق إلي الالتحام النفسي لتخفيف هذا الألم. اعتمدت في العرض بالأساس علي الممثلات، سنجد أن الأداء الشاعري هو الغالب. استخدام الجسد اقتصر علي التعبير وليس الإبهار، هناك رقصة واحدة فقط تُعبر عن الخوف الذي يسكنهن. ساعدني في ذلك بشكل كبير النص الذي كتبه الكاتب العراقي جواد الأسدي، الذي اعتمد فيه علي اللغة الشعرية. وكذلك لجأت إلي علي البساطة في الديكور باستخدام ألوان وإضاءة قريبة من حالة البروة.