مقالات

ادعموا عودة الشباب للمقاهي الثقافية

علي نار هادية

ليس هناك أدني شك في أنه مع ازدياد عدد المثقفين الشباب ومع ارتفاع الأسعار في أماكن كثيرة منها ريش ـ أمفتريون ـ كازينو مصر النيل كان السر الذي دفع هؤلاء الشباب للجوء إلي مقاه شعبية منخفضة الأسعار وهكذا صار مقهي البستان والفيشاوي وغيرهما مأوي للمثقفين البسطاء الذين يملأون نسيج الحياة حيوية وإبداعا وظلت طبيعة المثقف تفرض عليه الخوض في الموضوعات العامة والقضايا الثقافية.. وبالفعل مثَّل هذا الجانب الأكبر من حديثه مع الأصدقاء علي المقهي.. ومع الوقت واتساع الدائرة صبغ المثقف طبيعته علي المكان.. فصار المقهي مقهي ثقافيا وراح الأصدقاء يحددون وقت اللقاءات وموضوعاتها كموعد مقدس مفتوح بطبيعة الحال للقاءات الثنائية والأكثر خصوصية بقية أيام الأسبوع.. ولكن حدثت فجأة ظاهرة انصراف بعض المثقفين عن تلك المقاهي التي كانوا يختارونها غالبا بما يتلاءم مع مستواهم الاقتصادي، إلا أن الوقت كعادته يأتي دائما بالتشتت والفرقة، حيث بعض المقاهي التي ميزها حضور المثقفين حول موائدها ولم تنتبه لنوعيتهم، رفعت أسعارها استنادا لقانون العرض والطلب.. فهجرها المثقفون وزالت عنها صفة »الثقافي»‬ وبعضها الآخر أرهقتها دوامات المضايقات الأمنية فضيقت علي مثقفيها، أو هجروها هم.. فزالت عنها الصفة أيضا، وأود القول إن تراجع دور تلك المقاهي كأماكن للتفاعل الفكري، يعود أيضا إلي استحداث وسائل اتصال جديدة مختلفة »‬الإنترنت.. الفيس بوك وغيره» لكونها ساهمت في تراجع وزن تلك الأماكن وظهور البؤر الثقافية المتعددة في معظم دور النشر، الورش الأدبية، والندوات، ومع ذلك تظل تلك الأماكن الأولي، تجسد صفحة من التاريخ الثقافي الاجتماعي لمصر وتطورها.. ولا أظن أن دور هذه المقاهي قد انتهي، لكنه تراجع من التفاعل الفكري المثمر إلي حدود إشباع التواصل الاجتماعي.. ونتمني من السادة المسئولين عن الثقافة دعم بعض المقاهي التي استطاعت أن تغرس اسمها في تاريخ الحركة الثقافية الحديثة من عوامل الفرقة والتشتت كمقهي: زهرة البستان.. الفيشاوي.. علي بابا بميدان التحرير.. وذلك حتي يجد المثقف البديل المناسب للالتقاء بأصدقائه وتبادل أفكاره معهم ويستطيعوا جميعا إحداث حراك ثقافي يخدم المجتمع.