مقالات

علي باب حارتنـا

ب.. حرية

علي باب حارتنا وقف البيت الكبير شامخا، ساكنوه أقدم ناس في الحارة، وأعرق ناس، ويشار لهم بالبنان علي أنهم ولاد الأصول، فهم الأغني، من يريد أي شيء يجده عندهم، أكل، وشرب، ولبس، ومن يحتاج أموالا يأتي إليهم ولا يردونه، ومن أراد الحكمة لجأ إليهم، ومن أراد المشورة كانوا هم قِبلته.. كانوا دائما أقوياء، أشداء، إخوة، متحابين، لم يستطع أحد أن ينفذ إليهم، أو يغلبهم، اشتهروا بالطيبة، والتدين، لا تسمع لهم ضجيجا، ولا صياحا، ويتحول صمتهم إلي زئير إذا ما اقترب منهم أحد يريد بهم شرا.
وحول البيت الكبير، بيوت كثيرة، وكان يربط ساكني هذه البيوت علاقات جيدة، وإخوة، وفي بعض الأحيان كانت تربطهم صلة نسب، ومصاهرة، وعلي مر العصور تكاثر قاطنو البيت الكبير، وتعرض البيت لمحاولة سطو من غرباء استولوا واستوطنوا في أغلب شقق البيت الصغير الملاصق له، ولكن سرعان ما قام أهل البيت الكبير باسترداد ما سرق منهم، وقطعوا ذراع السارقين الأغراب، الذين طالما قاموا بممارسة البطلجة علي بيوت الحارة، مستعينين بفتوة لقيط لا أصل له، ولكن الجميع كانوا يخافون منه، ويحسبون له ألف حساب.
البيت الكبير ضاق بالأجداد، والأبناء، والأحفاد، فأخذوا يبنون طابقا فوق الآخر، غير عابئين ولا منتبهين إلي مدي تحمل أساسات البيت، ولكن بناء مزيد من الطوابق، كان الحل الأسرع، والأسهل، والذي يأتي بثماره سريعا، ودون تعب.. ولم يفكر أحد من السكان، أن البيت أصبح يئن بمن فيه، وأنه يحتاج إلي تنكيس وترميم وإصلاح، وتقوية للأساسات، وكان كل من يتولي شئون البيت، كلما تصدع جزء منه، لم يشرك السكان في تكاليف الترميم، ويكتفي بالاستدانة من جيرانه في البيوت المجاورة، أو من البنك، حتي يظل محتفظاً بمنصبه كمسئول عن البيت، دون اعتراض من أحد، وبنفس الأسلوب كان يتعامل مع المصعد الذي كان يتهالك من قلة الصيانة المستمرة، ومن عدم الاهتمام به إلا عندما يوشك أن يتوقف، ولم يصبح المصعد رفاهية، فكلما زاد البيت ارتفاعا، زادت أهمية المصعد.
توالي أولو الأمر علي البيت، ولم يكن فيهم أحد، يريد أن يشرك السكان في المشاكل التي تراكمت علي البيت الكبير، الذي أصبح كبيرا جدا، ولم يفكر أحد منهم أن يستغل الأراضي الفضاء الملحقة بالبيت ليبني بيوتا جديدة تتسع لأحفاد الأحفاد الذين يتكاثرون، فبناء بيوت جديدة يتكلف أموالا كثيرة، وهو يريد أن يقضي حياته دون وجع دماغ مع السكان، ولا يريد أن يرفع عليهم الإيجار، أو حتي يفرض عليهم رسوما لصيانة البيت الكبير.
تفاقمت مشاكل البيت، مع تتابع الأجيال، من تهالك مواسير المياه والصرف، والمصعد، والسلالم التي أصبح كل السكان كبارا وصغارا يتعثرون فيما كسر منها.
وفي ليلة قام زلزال، هدم أغلب بيوت الحارة، إلا البيت الكبير، وقف صامدا أمام الزلزال وتوابعه، وتشرد الجيران وتحولت بيوتهم إلي خرائب، فمنهم من هجر الحارة، ومنهم من نصب خيمة تُؤويه هو وأولاده، ومنهم من احتمي بحيطان البيت الكبير، الذي قرر سكانه التخلي عمن كان يتولي أمرهم، فالزلزال نبههم إلي عدم قدرته علي أن يكون ولي أمرهم.. وخرج ساكن عليهم يعظهم، ويعدد سيئات من كان يتولي أمرهم، فصدقوه وولوه أمرهم، وما لبث أن حاول الاستيلاء علي البيت بأكمله وجلب للبيت أهله وعشيرته القاطنين في بيوت أخري، وتحولت مواعظه إلي أوامر وفرمانات وإهانات، وظن أنه سيطر علي البيت، واستنجد السكان بحكيمهم، فاستجاب لهم، وهبوا علي من ارتدوا عباءات الوعاظ، وطردوهم من البيت شر طردة، ولم يعبأوا بتهديداتهم، ولا بما لقوه منهم من أذي.
وولوا حكيمهم مسئولية البيت الكبير، فقرر أن يبدأ بحماية أهل البيت، ثم قام بحفر أساس بيوت أخري لأهل البيت، ويصلح ما أفسده الدهر في البيت، ولكن الإيجار لا يكفي، ولا توجد رسوم لصيانة البيت الذي كان علي وشك الانهيار من توابع الزلزال، ومن عوامل الزمن، ومن قلة الصيانة، فرفع الإيجار، وفرض رسوما للصيانة والترميم، وبدأ في تقوية أساسات البيت، وأصلح سلالم البيت فلم يعد أحد يتعثر ولا أحد يخشي أن يسقط به المصعد أو يتوقف به بين الأدوار.
لكن كان بالبيت متعاطفون مع من يرتدون عباءات الواعظين، فكانوا يقومون بتحريض السكان علي عدم دفع الإيجار أو دفع رسوم الصيانة، وكان من وقت لآخر يقوم مرتدو عباءات الوعاظ بالمرور حول البيت يحملون مكبرات للصوت يحرضون السكان علي عدم الانصياع لقرارات الحكيم.. وبعض منهم كانوا يلقون بالحجارة علي البيت وكان يتصدي لهم الحكيم وأصحابه.
ووسط كل ذلك كان يتحسر سكان البيوت التي هدمها الزلزال علي حالهم ويقولون ليتنا كنا من سكان البيت الكبير، وليت بيننا حكيما مثلما لأهل البيت الكبير، فلولاه لهدم البيت علي رؤوس ساكنيه.. ولو كان فعل مثلما فعل سابقوه لضاع البيت الكبير، ولأصبحت حارتنا دون »كبير»‬..

آخر كلمة

كل عام والمصريون وكل الأمة الإسلامية بخير وسعادة .. رمضان كريم