مقالات

2019 التصحر الإبداعي.. البقاء لماسبيرو زمان

لحظة وعي

5/14/2019 10:03:41 AM

السكون المقدس.. رمضان.. لحظة الإفطار.. أطرب لصوت الصمت المروض للصخب.. الذي كان.. كل شيء هدأ.. الشيخ محمد رفعت يصدح برنين آتٍ من الجنة.. دعاء الشيخ النقشبندي: »مولاي إني بابك قد بسطت يدي.. من لي ألوذ به إلاك ياسندي؟»‬ الطعام تتوّجه هالة من القداسة أقرب إلي الصلاة.. فقط صليل الملاعق يرتطم بالصحون.. يبدو الوجود وكأنه خلا إلا من الثالوث المجوهر الشيخ رفعت، النقشبندي وشهرزاد الإذاعة المصرية زوزو نبيل ترصع الأمسيات بالحكي السحري.. الكل في واحد.. الكل يرهف حواسه والضمير الجمعي المصري ليحظي بذائقة جمالية واحدة، تتقن الارتقاء.. الدراما التليفزيونية في أبهي صورها، كمالها، العمق، الاتقان، الثقافة، أقانيم تزين كل البرامج، المسلسلات، الفوازير والإعلانات، الصدق، الضمير والاجتهاد الشاق البوابة الذهبية للنجاح فيما مضي مصر جميلة.. مصر ثرية.. مصر عريقة بمواهبها.. تكتنز الحضارة في جيناتها.. فما الذي حدث في إبداع السوق وسوء الإبداع.. ٢٠١٩ الأسوأ.. لست وحدي في رصد كل هذا القبح.. الابتذال.. العنف والرداءة.. »‬آه لو أن الرجوع في الزمان ممكن مثل الرجوع في المكان» كلمات نجيب محفوظ.
المشاهد في مأزق.. في محنة فالمطلوب آلة للزمان تعيدنا إلي الوراء إلي الأمس النفيس النقيض لـ»‬آلة الزمان»، لجي. هـ ويلز فهو إلي الأمام يسعي.. الناس الآن تلوذ وتتحصن بماسبيرو زمان ترتشف نسيم الإبداع الأصيل، الثمين في كل المجالات المصريون الآن يعبرون الطبقات الزمنية فرارا من الفجاجة.. الضحالة.. نضوب الموهبة.. الاستسهال.. فنحن في مرحلة مابعد السقوط.. وألف رحمة علي الأستاذة صفاء حجازي في عهدها تم إنشاء قناة ماسبيرو زمان حيث روائع ونفائس الفن في مصر التي نعرفها والمجد دوما للكلمة فهي البداية والأساس لكل شيء ذي قيمة، فالنص سيد الموقف وتابعه الإخراج المتميز فهو الأمين علي المضمون، والمدهش أن الناس انفضت في زهد عجيب ولكنه يتبع المنطق من حول تلك الأفعال الشائهة المسماة دراما لتتابع علي ماسبيرو زمان مسلسل »‬الضحية» من خماسية »‬الساقية» للأديب عبدالمنعم الصاوي وإخراج الأستاذ نور الدمرداش وقائمة شاهقة من عمالقة التمثيل في هذا المسلسل الستيني سميحة أيوب، صلاح السعدني، ملك الجمل، حمدي غيث، عبدالغني قمر، زيزي مصطفي، نجمة إبراهيم والألحان الرائعة لعبد العظيم عبدالحق وكلمات عبدالرحمن الأبنودي، فهاهو النص الأدبي العميق والمعالجة المتقنة لفيصل ندا، لا ورشة ولا تفاهة و»‬لكلكة» والمهم المسلسل يطلع ماهو حيطلع منزوع الروح والإتقان والمهم حنقبض ونجري، وتعرض ماسبيرو زمان أيضا ـ وأؤكد هي الملاذ الأخير للمتفرج المصري المحاصر ـ مسلسل »‬سفر الأحلام» للمبدع وحيد حامد وعظمة أداء محمود مرسي صاحب الموهبة الفذة والمبادئ التي غابت عن حياتنا ذات نهار معتم، دنيا مغايرة، تبدو وكأنها ذهبت بذهاب هؤلاء بلا رجعة أو رجاء.. فوازير نيللي وشريهان وكل هذا الألق والبهجة والفتنة الصادقة بدون شفاه مفخخة ووجوه زائفة، شمعية علي حافة الانفجار بفعل الحقن والنفخ، أصبحت الآن أتعرف علي هؤلاء من أصواتهن فالملامح زائفة تلاشت في عملية إحلال كاملة شفاه ورموش منتصبة والشعر الميت المستعار تاج ناضح بالكآبة علي كل الرؤوس الفارغة من الزينة الحقيقية للإنسان.. العقل، الفكر والامتلاء الثقافي والتنويري ويبدو هذا الموسم الدرامي أنه يقتات علي العام الماضي فالأعمال تقع في دائرة »‬الديجافو» أو ماسبق أن شاهدناه فهاهو كلبش لثالث مرة ودوائر العنف، القتل ، وحفلات الدم والفانلات والسكاكين والبلطجية، ولمس أكتاف، وإلي آخره من الأكشن والحركة لزوم استجداء المشاهدة، وهذا المحمد رمضان الواقع في منطقة عبثية بين تقليد أحمد زكي ومايكل جاكسون ولن يصل أبدا للأول أو الثاني، والترويج المزمن للضحالة والغريزة في أقبح صورها، ويأتي محمد ممدوح في »‬قابيل» وذات الأداء وطريقة النطق الغائمة تحتاج إلي مترجم لفك الشفرة، لماذا لايفهم أنه في »‬جراند أوتيل» كان يؤدي دوراً أقرب إلي المصاب بالتوحد فلماذا هذا الأداء يستمر وهو يؤدي دور مفتش مباحث  هي ظاهرة استثمار واستهلاك النجاح حتي يتحول إلي فشل تخصص مصري صميم! غادة عبدالرازق ممثلة جيدة، موهوبة لكن النص العبثي وعدم الوعي والإتقان الثمرة المعطوبة الكامنة في ٢٠١٩ فهل يعقل أن يتحدث أهل الستينيات بلغة الألفية الثانية وتحديدا منذ ٥ سنوات فتقول وفاء صادق لشيخ الكُتاب: »‬ملكش فيه»! وهي لغة جديدة علي غرار »‬الجديد منه» و»‬سيّحتله» إلي آخره، أنظر إلي لغة »‬الشوارع الخلفية» لعبدالرحمن الشرقاوي ومعالجة مدحت ومحمد العدل تتوحد وتتماهي مع زمن الأحداث.. يعرض في حدوتة مُرة الزوج علي غادة عبدالرازق أن تبيع طفلتها فتباغته طالبة بيع أولادها الثلاث وكأننا نتحدث عن زجاجات مياه غازية! وفي ذات الوقت الذي تبيع فيه لحمها ودمها بمنتهي اليسر والتصالح مع الذات تمنح امرأة غريبة بضعة آلاف من الجنيهات لتنجو من محنة مرض زوجها هكذا بمنتهي النبل بعد بيع الأولاد وقتل الزوج، لا منطق ولا وعي المهم تلحق العرض في رمضان، فلا شيء يهم، فربما الأحداث العبثية والمبالغات الكاريكاتورية grotesqueg تنتزع المشاهدة القسرية البرامج الناضحة »‬بالثرثرة العقيمة وانتهاك الحرمات واللغة الفجة مثال المذيعة تقول للضيف: »‬مالك داخل عليا سخن كده»!! والضيف يجيب أنتي إللي سخنة! ماهذا ثم تحويل ممثلة إلي  ذبيحة وجب نهشها وهتك خصوصيتها من أجل استجداء كثافة المشاهدة، أما الكوميديا فتقتل الظل والتكلف يدرسان الإعلانات منزوعة الابتكار، وتخلو الساحة من أي نص أدبي، أو سيرة ذاتية.. مسلسل تاريخي أو زاد معرفي من أي نوع والله يرحم ممدوح الليثي وكل قائمة النجوم الشاهقة المجدولة لهذا الشهر الكريم وروائع الفن.. الشهد والدموع أسامة أنور عكاشة بوجي وطمطم لرحمي المال والبنون لمحمد جلال عبدالقوي، لن أعيش في جلباب أبي إحسان عبدالقدوس مصطفي محرم، ذئاب الجبل، الضوء الشارد محمد صفاء عامر، هي والمستحيل لفتحية العسال، الأيام لطه حسين، عمر بن عبدالعزيز، الفرسان، ألف ليلة وليلة لطاهر أبوفاشا، وزينب والعرش لفتحي غانم المسلسل الإذاعي لفؤاد المهندس وشويكار، والقضية ليست اختفاء النجوم الكبار ولكنها أكثر فداحة فهي تكمن في غياب القيمة أي الكتابة، وازع الاتقان والجودة، أشعر بالأسي.. تداهمني الحسرة علي ما آلت إليه الأحوال وأرجع: »‬أنه ألم غريب» أن تموت من الحنين لشيء لم تعشه أبدا، سطر باريكو في أوان تكريم شعبولا في كلية الطب كل شيء مباح مع احترامي للمغني الشعبي فليس هذا مكانه.. ثم رئيس أعرق صرح علمي في الأمة العربية يريد معاملة الراسب مثل الناجح ليتحول الصرح إلي حلبة للأوكازيونات في هذا الزمن فليصبح إذن عدوية من الكلاسيكيات، أقرب إلي موزار فبالمقارنة هو يستحق، صوته محمل بشجن القاع المعذب ولقد مدحه العظيم محمد عبدالوهاب ففي زمن الالتباس والفشل المتدثر بقناع النجاح الزائف الماضي إلي العدم في زمن المديوكر المتسلق علي أجساد الموهوبين أستعين بكلمات د. يوسف إدريس: »‬وأيضا لا توجد البطولة، بلا جو عام تلعن فيه اللابطولة، تجتث كالحشائش الضارة منه، وتجتث معها حشائش سامة أخري كالجبن، كالتفاهة، كالنفاق كالكذب، أما حين ينجح الجميع المجتهد والغشاش والمزور والأبله والنابغ حين يصبح لا فرق لا أعلي ولا أسفل لا أرفع ولا أحط، حين تمضي الحياة بامتحان لا يرسب فيه أحد ولا يتفوق أحد ولا يفصل أحد حين يحدث هذا ماذا يبقي من الإنسان؟ »‬والبطل مثل اللابطل، والميت كالحي، والحي كالميت، والمومس كالفاضلة والحرامي كالشريف، الأمس كالغد والأمل كاليأس».  
فهاهو عصر المطرب بعضلاته.. الممثلة بمن يسندها ويفرضها كبطلة.. والمؤلف وشركاه بتربيطاته وشلته.. عندما  يقع هذا عزيزي المشاهد استمتع بماسبيرو زمان.