مقالات

في أغنية هادئة ليلي سليماني.. حدوتة قبل القتل

لحظة وعي


 النفس البشرية تحاكي البحر المتلاطم.. لايمكن تخمين مدي عمقه.. تقلباته.. لا نأمن لهدوء سطحه الخلاب ففي باطنه النفيس والمفترس يسعي.. والغدر كامن منذ الأزل.. الإنسان هذا المجهول.. المسكون بالغموض العصي علي فهم حتي ذاته.. المحمل بالتحولات والقدرة المخيفة علي الأذي.. فالحذر كل الحذر عند الاقتراب.. فمن خلال الرواية البديعة »أغنية هادئة»‬ للأديبة المغربية ليلي سليماني الحاصلة علي جائزة جونكور الفرنسية عام 2016 ندلف إلي تلك العوالم الخفية المزدوجة في ظاهرها البهجة.. الترف.. المتعة.. النجاح.. البراءة.. الأحلام المحلقة في السماء المنجومة وفي باطنها.. البؤس  العوز.. الحرمان.. العجز.. الشر.. الكوابيس المحدقة المتأهبة لافتراس  كل ماهو جميل ونقي  في حياتنا.. والسؤال الملح تطرحه الأديبة النابهة عند استحالة تقاسم مباهج الدنيا فهل من الممكن التعايش في سلام ومحبة مع هؤلاء من في قلوبهم مرض؟
ــ في عالم مريم المحامية الواعدة.. الطموحة الحياة حلوة أشبه بفوران رشفة شمبانيا في أمسية ربيعية، فهاهو زوجها بول الوسيم المحب، والطفلة ميلا وآدم الصغير، وهاهي الشقة الباريسية، البورجوازية الأنيقة، كل شيء يصدح بالكمال، أما النقصان هو بفعل أعباء الأمومة المهلكة فلا مجال لمريم للاستمرار في تحقيق  ذاتها في المهنية التي تعشقها، وبدأ السأم والإنهاك في الزحف علي حياة مريم المغربية العائشة في قلب أحياء باريس المخملية فلا مفر إذن من التضحية بالمال من  أجل الحصول علي مربية للأطفال ومباشرة الحياة كما يجب لها أن تكون وقع اختيار مريم وزوجها علي لويز، المربية الفرنسية، شقراء، رقيقة، تحاكي دمية من الخزف تعمر الكثير من بيوت العجائز، وجهها مريح يعلوه السكون بعكس الأخريات المنفرات بالنسبة لمريم، وهكذا اختارت مريم بمحض إرادتها قدرها المشئوم، الجهنمي وكأن الحياة بأسرها ليست إلا تنويعة علي لحن حدوتة »‬ذات الرداء الأحمر» فالذئب دوما ينتحل شخصية الجدة الطيبة والمنقذ قد يكون هو الجلاد، فكل شيء ممكن وغير ممكن في هذا العالم الضبابي الغارق في السديم اللانهائي.  ولجت تلك النبتة الشريرة المسماة لويز إلي الدنيا الهانئة، الموشاة بالدفء والحميمية لتلك الأسرة التي أغدقت بالثقة الشاهقة علي المربية القادمة من المجهول، وفي أيام استعاد المنزل محياه البورجوازي، نظافته، شياكته، ترتيبه، ملاءات الفراش الهفهافة، عطر الخزام تعج به »‬البلاكارات» الأطباق الشهية، الساخنة، استرجاع الحياة الاجتماعية المفقودة، فتوالت مآدب العشاء والكل يحسد مريم وبول علي هذه اللويز التي اسمتها مريم »‬مربيتي الساحرة» لابد أنها تملك قدرات خارقة فالشقة صارت مشرقة، لقد جلبت النور، خاطت أزرار السترات، غسلت الستائر التي بهت لونها بسبب دخان السجائر والغبار.. وخلال الليل يدخل الزوجان في أغطيتهما النظيفة وهما لايكادان يصدقان هذه النعمة ويمتلكهما شعور بأنهما عثرا  لحسن طالعهما علي الجوهرة النفيسة وقال بول إنها تشبه ميري بوبينز وعادت مريم إلي عملها فالوجود أصبح أقرب إلي رقصة فالس مُسكرة يحض علي الدوار المثير والنشوة الغامرة في كل  التفاصيل  اليومية، علي الجانب الآخر أو بالأصح الجانب  المظلم،  القاتم، ندلف إلي حياة لويز البائسة تقطن غرفة ضيقة، مزرية تنمو الطحالب بدأب علي النوافذ مهما أعادت تنظيفها عشرات المرات ممسوسة بهاجس يجنح إلي الوسواس القهري لمحاولة أيضا التخلص من الغبار العالق في الثريا، فهاهي لويز المتوحدة، الغريبة في وطنها غربة المحتاج، المشتاق والمحروم، فتشغل التليفزيون 24 ساعة لتستجدي الصحبة الوهمية ورثت عن زوجها الذي توفاه الله الديون وعن ابنتها الهاربة الوحدة والجحود، فهاهي لا تحظي بحياة خاصة حقيقية بل تقتات علي حيوات الآخرين، حتي الغرفة البشعة، ذات الروائح العطنة والهواء الفاسد يهددها المالك بالطرد لم يتبق لها من هذا الوجود الآيل للسقوط والعدم سوي عائلة مريم بشهواتها المتراكمة والمتحققة مع بول، ممارسة الملكية واللهو مع الأطفال وغواية الشقة البورجوازية والسفر إلي الجزر اليونانية حيث رائحة البحر المسحورة والملح والخيال والغيوم السماوية وكأنها من الدانتيلا والأورجانزا بلون البنفسج والأرجواني الفادح. هناك معهم الحياة بطعم حفلات عيد ميلاد الأطفال التي تتقنها، تزين المنزل بالبالونات بألوانها الصاخبة، بألوان الفرح والبهجة تصنع كعكة عيد الميلاد بحبات الفراولة والكريمة، »‬التشارلوت» الأصوات والشخصيات التي تتقمصها فتخطف لب الأطفال، فتشتعل مخيلتهم ويندلع جموحهم.. ومن خلال كريشيندو بديع وتصاعد ناعم للتفاصيل والأحداث المتلاحقة واللاهثة تتجلي موهبة ليلي سليماني في تشييد البورتريه الخاص بالمربية حتي اكتماله المنشود والمفزع، فبدأت بإلقاء الضوء علي حالات الوسواس القهري التي تداهم لويز، ثم نوبات »‬السادية» والتلذذ بإلحاق الألم والرعب في نفوس الأطفال ميلا وآدم سطرت ليلي: »‬علي أن لويز ستروض الطفلة شيئا فشيئا، أخذت تحكي لها يوما بعد يوم قصصا تتكرر فيها دائما الشخصيات نفسها: أيتام وفتيات مفقودات وأميرات سجينات وقصور أفرغتها الغيلان من أهلها، وحيوانات غريبة عبارة عن طيور بأنوف مشوهة، ودببة بساق واحدة ومخلوقات كئيبة ذات قرن واحد تصمت الطفلة، وتمكث بجوارها مشدوهة.. لكن في أي بركة داكنة، وفي أي غابة مدغلة كانت تصيد هذه الحكايات الرهيبة التي يموت فيها الطيبون في النهاية من دون أن ينقذوا العالم؟» مولعة هي لويز بلعبة الغميضة فتتيح لها فرصة الإطالة في الاختباء من الأطفال حتي تتحول اللعبة إلي كابوس يتبعه الصراخ الطفولي المصحوب بالهلع بينما تختفي لويز لساعات في مخابئ اللعبة السادية، الشريرة.. أصبحت لويز تنفق أغلب أيامها في بيت مريم وبينما الزوجان في العمل تحظي المربية بالحمام الساخن وتنعم بعطور السيدة الغائبة ويشاهدها الطفلان وهي تتهادي عارية كتمثال أشهب دبت فيه الحياة للحظات دافقة، آسرة ومثيرة وتبالغ في التبرج وتتمادي في وضع المساحيق الرخيصة.. تقول سليماني: »‬وقد ساورها خلال أيام الشتاء الطويلة هذه، شعور عميق بالوحدة وحين كان يستبد بها الخوف، تغادر الشقة رغم البرد وتأخذ الأطفال إلي الحدائق» حيث يكنس المطر الأوراق الميتة، ويلتصق الحصي البارد بركب الأطفال.. علي المقاعد وفي المماشي الخفية، تصادف أولئك الذين لفظهم العالم، الهاربين من الشقق الضيقة والصالونات الحزينة والآرائك التي حفرها الخمول والسأم، فآثروا عليها الارتعاش في الهواء الطلق، وقد قوسوا ظهورهم، وشبكوا أيديهم وعند حلول الرابعة بعد الزوال، تبدو أيام الفراغ بلا نهاية.. فهذه هي الساعة التي ينتبه فيها المرء إلي الوقت الذي بدد، ويتوجس من الليل القادم، ويشعر بالخزي من أنه لم يعد يصلح لشيء.. يا أهل الحدائق في أمسيات الشتاء، المتشردون والمتسكعون والعاطلون والشيوخ والمرضي والهائمون علي وجوههم والمعوذون أولئك الذين لا يعملون لا ينتجون شيئا ولا يكسبون مالا، وفي الربيع يعود العشاق إلي الحدائق ويعثر فيها المحبون علي أوكار تحجبهم عن الأنظار تحت أشجار الزيزفون وفي الأركان المزهرة».. »‬وذات يوم استيقظت لويز من قيلولتها مرعوبة.. كانت قد نامت ذلك النوم الثقيل الذي يستيقظ منه الإنسان حزينا ومشوشا لا يرغب إلا في البكاء.. نوم من العمق والقتامة حتي ليظن المرء أنه مات، بحيث يغمره عرق بارد وشعور بالإنهاك.. مضت تضرب علي وجهها».. »‬وتتعاظم بداخلها الكراهية، كراهية تتناقض مع طبيعتها المذعنة، وتفاؤلها الطفولي، كراهية تشوش كل شيء فتستسلم لحلم حزين مرتبك تتخيل فيه أنها رأت من حميمية الآخرين أكثر مما ينبغي، وسمعت أكثر مما يلزم، حميمية لم تعرفها هي في حياتها قط، بما أنها لم تملك أبدا غرفة خاصة بها».. المربية الشقراء التي لم تقرأ كتابا في حياتها ولا سمعت موسيقي في حياتها ولم تتذوق الثقافة أو الفن فكانت الحياة مجرد غريزة تقتات عليها ومعركة خشنة منزوعة الروح متغضنة من أجل البقاء ومقاومة العجز الوجودي المؤطر واليتم الأزلي في أتون الكبت، الغربة والحرمان ولكن لم يمنعها من اشتهاء رغد الحياة وألقها تقول سليماني: »‬إن باريس في نظرها واجهة عرض ضخمة.. وهي تحب التنزه في حي الأوبرا، تنزل شارع رويال وتسير في سانت.. أو ــ نوري.. تمشي متثاقلة وهي تنظر إلي المارة وواجهات المتاجر، وتشتهي كل شيء، أحذية جلد الإبل، معاطف الجلد، الفساتين الأنيقة والقمصان النسائية القصيرة بالدانتيلا تهفو نفسها لشراء قمصان الحرير وصدريات الكشمير الوردية وتحلم بحياة تستطيع فيها الحصول علي كل ما تتوق إليه نفسها».. وبينما تسير علاقة مريم وبول بالمربية من سيئ إلي أسوأ ويقرران طردها ولكن البراجماتية وإغفال مظاهر غرابة وسادية المربية مقابل المصلحة والانتهازية وديكتاتورية الترف يؤجلان طردها، فلقد أدمنا الاستعباد والمربية مهددة باللفظ من الحجرة والبيت والأسرة، أشباح الشقاء، المرض، العجز والتيه تحاصرها والنبتة الشريرة الرجيمة تتوحش في غياهب روحها الكئيبة والهذيان الاكتئابي يعربد فتقترف المذبحة الشنعاء تقتل الطفلين وتتعالي صرخات الضحايا التي لم تشهد مثلها أعتي الحروب وعلي طريقة الخادمات »‬بابان» التي كتبها جان چينيه عن واقعة حقيقية تقترف الجريمة.. فأصحاب الغريزة الشريرة هؤلاء من أخفقوا في اقتسام السعادة يسعون دوما لاقتسام الحزن، الدم والمأساة. ليلي سليماني برعت في تجسيد القسوة وأبشع صورها بنعومة ورهافة تجعلك ترتشف السم في كأس من الشهد.