مقالات

قليل من الأكسجين.. كثير من المودة

بــ ٫٫حرية

الحياة في إثيوبيا متعبة لغير أهلها، فكونها هضبة مرتفعة كثيرا عن سطح البحر، يقل في هوائها الأكسجين، لتصل نسبته إلي 35٪ وهذه نسبة منخفضة كي أتنفس بسهولة لأنني وُلدت في بلد هواؤه يحوي 85٪ من الأكسجين.. الإثيوبيون حياتهم طبيعية جدا، بل إن هذا الجو قد منحهم ميزة نسبية تجعلهم يحتلون المراكز الأولي في مسابقات العدو لمسافات طويلة، ولاعبو الكرة الإثيوبيين هم الأكثر سرعة ولياقة.
وخلال زيارتي لأديس أبابا الأسبوع الماضي لمتابعة وتغطية الزيارة الناجحة والمثمرة للرئيس السيسي لإثيوبيا.. تجولت في شوارع وأسواق أديس أبابا خلال الخمسة أيام ومعي عدد من الزملاء الصحفيين.. كانت مشاعر الود والأخوة، تبدو علي كل من يعرف أننا مصريون.. ورغم أن إثيوبيا بها أكثر من 15 لغة أشهرها الأمهرية يتحدثها 29٪ من السكان، والأورهو يتحدثها 33٪ إلا أن كثيرين يتعاملون باللغة الإنجليزية وبخاصة التجار.
كلما تحدثنا مع شخص بائع أو سائق أو العاملين في الفندق المقيمين فيه ويسأل عن هويتنا يقول: نحن لسنا أصدقاء.. بل إخوة.. "السيسي.. إذ.. جود".. "محمد صلاح.. إذ جود.. تو".
الرأي العام الإثيوبي يحب مصر والمصريين،  ويحترم رئيسنا، ويقدر حرصه علي مصلحة بلاده، ومتأكد أنه لا يريد ضررا لإثيوبيا.. وفي آخر يوم لنا أقامت إدارة الفندق للوفد المصري حفلا صغيرا لتوديعنا.. وهذا لم يحدث مع وفود الدول الأخري.
•  •  •
قبل زيارتي لأديس أبابا كانت الصورة، ضبابية بالنسبة لي حول مكانة مصر عند الرأي العام الإثيوبي، ولكن بعد الأيام الخمسة التي عشتها فيها تأكدت من أنهم يبادلوننا نفس مشاعر الأخوة، ونفس المحبة والحرص علي المصلحة المشتركة، وذلك علي المستويين الرسمي والشعبي، وظني أن الحال أصبح هكذا مع كل الشعوب والحكومات الأفريقية، فنحن أبناء قارة واحدة، وذوو مصلحة مشتركة، وهدف ومصير واحد، مهما مرت غيوم أو هبت عواصف علي علاقاتنا، أو تعرضنا لمؤامرات، رابطة الدم الأفريقي تجمعنا دائما.. ولا أدل علي ذلك من أن مصر حصلت علي إجماع كل الدول لتكون رئيسا للاتحاد الأفريقي العام القادم (2019).
رصيد مصر لدي أفريقيا، ومكانة أفريقيا لدي مصر، جعلتنا نتجاوز محنة السنوات العجاف الماضية، إضافة إلي النجاح الدبلوماسي منقطع النظير من خلال السياسة الحكيمة التي انتهجتها مصر بعد ثورة 30 يونيو، التي حوّلت مصر من دولة قاطعها الاتحاد الأفريقي، إلي دولة ستتحدث باسم كل دول أفريقيا، ويصفها أمين عام الاتحاد الأفريقي السابق بأنها ستكون خير مدافع عن القضايا الأفريقية في المحافل الدولية.
•  •  •
حديثي مع سفير مصر في إثيوبيا أبوبكر حنفي أكد الصورة الذهنية التي انطبعت لدينا عن الود خلال استقباله لي مع عدد من رؤساء التحرير، والاحترام الذي يكنه الشعب والحكومة في إثيوبيا لمصر شعبا ورئيسا وعكستها أيضا المشروعات وآفاق التعاون التي تحدّث معنا عنها، سواء إقامة منطقة صناعية كبري لمستثمرين مصريين، ومزرعة ضخمة في إثيوبيا ستتولاها وزارة الزراعة المصرية، ومشروعات مستقبلية أخري كلها تصب في خانة المصلحة المشتركة للبلدين والشعبين..
اختيار سفير بحجم وكفاءة "أبوبكر" ليمثل مصر في إثيوبيا يجعلنا نتفاءل بمستقبل العلاقات مع أفريقيا فلم يعد اختيار أفضل السفراء مقصورا علي أمريكا وأوروبا وروسيا فقط.
•  •  •
كلنا يجب أن نشعر بالزهو والفخر برئيسنا، الذي تجاوزت وتخطت إنجازاته حدود البلد.. فقد أعادنا إلي قلب أفريقيا، وقلب العرب، وقلب أوروبا والعالم، من خلال سياسة خارجية ناجحة، ودبلوماسية هادئة خالية من التعصب والتشنج والغضب، وتعامل شريف مع كل الدول لا نتدخل في شئون أحد، ولا أحد يستطيع أو يتجرأ أن يتدخل في شئوننا، أصبحنا ذا توجه واضح، ذا قرار مستقل، نحظي باحترام الجميع حتي أعدائنا.. وهذا ما يثير حفيظة بعض الدول، التي لم تكن تريد أن تري مصر كذلك، وكانت تريدها مقطوعة الأوصال عربيا، وأفريقيا.
ولن تمل هذه الدول من محاولات إيقاع مصر في الفتنة، وتفتيت وحدة شعبها، أو إيقاف عجلة إنجازاتها التي دارت وتسير إلي الأمام بسرعة تتوافق مع آمال وطموحات شعبها ورئيسها الذي يطمح أن تكون مصر "قد الدنيا".
ربنا معاك ياريس.. واحنا معاك..

آخر كلمة

من سنن الله في الأرض.. أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً.