مقالات

مجتمع الأنقياء والملائكة!

كلام مباشر

 حین نقول مثلاً إن فلاناً »مندس»‬ علي مجتمعنا أو دخیل علي عاداتنا وتقالیدنا.. فذلك يعني ضمنا أننا نقول وعلي وجه من الوجوه »‬نحن مجتمع من الأنقیاء والملائكة»..هذا التنصل من »‬الخطائين» هو تهرٌب أیضاً من المسؤولیة المجتمعیة.. فكلما ارتكب واحد من الناس خطأ أو جريمة وضعه المجتمع علي جانب وتنصل منه وهو في الحقیقة ــــ أي المجتمع ــــ لا یتنصل من الشخص بقدر ما یدفع التهمة والمسؤولیة عن نفسه.. لا یوجد في الكون كله بلد أو شعب بلا جریمة و»‬جمهوریة أفلاطون» غیر موجودة سوي في ذهن كاتبها.. صحیح أن أي جریمة لهولها قد تدفع الناس إلي التبرؤ من شخص المجرم والرغبة في دفعه بعيداً علي نحو مجازي.. لكن المجتمع باعتباره البنیة المسؤولة وراعیة الأخلاق والأعراف لا یمكن أن یكون بریئاً من حیث خلق المناخ المواتي ثقافيا وتربویاً لولادة ونمو »‬الخطائين» وهو بالتالي مسؤول بشكل ما عن جنوح أفراده وخروجهم علي المنظومة المتفق.. وبالتالي علي هذا المجتمع حین یخرج واحد منه علي هذا النظام المرسوم أن یستجوب أدواته وأن یسأل نفسه أین قصَّر.. وبالمناسبة فإنه لا یحدث سوي عندنا أن نتبرأ من المخطئ وندفعه عنا بكلتا یدینا ونقول »‬هذا مندس وخارج علي عاداتنا وتقاليدنا».. فلم أسمع مرة في الخطاب الإعلامي لكثير من الدول هذا التعبير.. لكن من أین یأتي »‬المندسون»؟!.. ألیسوا مواطنین یحملون وجوهنا وأسماءنا ويعيشون نفس حياتنا.. بالتأكید لم یهبطوا من السماء ولم یدخلوا من الشقوق وإن دخلوا فمسؤولیة من وجود هذه الشقوق في بنية المجتمع.. لا أدافع هنا عن المجرم ولا عن الجریمة بالطبع ولكن عن حق المجتمع بأن یتشكل كأي مجتمع مدني من الصالحین والأخیار ومن الخطائین كذلك.. ولا توجد دولة أو مجتمع یستطیع كل یوم أن یطرد مجموعة منه خارج البیت بحجة أنهم خارجون علي العادات بل علي العكس من ذلك ما تفعله »‬المجتمعات المتقدمة».. بمعني واضح ومباشر: هؤلاء صنیعتك أیها المجتمع ولیسوا كائنات غریبة أدخلها المهربون من الحدود فتحمل مسؤوليتك ولا تلقي علي غيرك المهمة..