شئون خارجية

«نار الغضب» تحرق البيت الأبيض

كشفت أدق أسرار ترامب


محمد عبد الفتاح
1/8/2018 11:41:04 AM

ما الذي اشتمل عليه كتاب مايكل وولف من متفجرات ليكون، بعد سويعات قليلة من نشر مقتطفات منه علي موقعي صحيفتي النيويوركر الأمريكية والجارديان البريطانية، علي رأس قائمة الكتب المحجوزة عند كل المكتبات في عموم الولايات المتحدة الأمريكية؟

الكتاب الذي طُرح في السوق ابتداءً من الخامس من يناير الجاري، بعنوان "نار وغضب.. في داخل بيت ترامب الأبيض"، مكون من 336 صفحة واستند إلي 200 مقابلة أجراها مؤلفه مع الحاشية المقربة من الرئيس الخامس والأربعين في التاريخ الأمريكي.. كتاب يحتوي علي ألفاظ عامية خادشة للحياء يستخدمها السوقة والدهماء ولكنها وردت علي لسان شخصيات هامة ومنهم ترامب نفسه، ويرسم بورتريها لبيت أبيض يعج بالصراعات والمشاحنات والمخاوف والهواجس والقلق والفانتازيا، و"الطعن في الظهر" وعدم الولاء، علماً بأن الرئيس طرف في كل ذلك أيضا وليس موظفيه فحسب. والشيء المؤكد أن هناك علي الأقل 10 أشياء لم تكن معلومة قبل قراءة المقتطفات المنشورة من الكتاب إضافة إلي غوص آخر ساعة في بعض من صفحاته، وهو ما يمكن سرده في السطور التالية.
ستيف بانون، رئيس تحرير موقع "بريت ياريت نيوز" اليميني المتشدد وكبير المستشارين الاستراتيجيين سابقاً في البيت الأبيض، الذي أقيل من منصبه في أغسطس 2017، يؤكد لمؤلف الكتاب أن دونالد ترامب جي آر الابن الأكبر للرئيس ترامب الأب، أقدم علي "الخيانة وعمل غير وطني"، وذلك بمقابلته 3 شخصيات روسية، يُشاع أنهم ضباط مخابرات، يوم التاسع من يونيو 2016 في "ترامب تاور" بنيويورك، بحضور جاريد كوشنر زوج إيفانكا ترامب، وبول مانافورت المدير السابق لحملة ترامب إبان فترة الانتخابات الرئاسية. وجاء علي لسان بانون في الكتاب: "أولئك الفتيان الثلاثة اعتقدوا أن مقابلة شخصيات من حكومة أجنبية بدون وجود محامين، في برج ترامب بصالة الاجتماعات في الدور الخامس والعشرين، فكرة جيدة. حتي لو اعتقدتم أن ذلك ليس خيانة وليس عملا منافيا للوطنية، فإنه كان يجب الاتصال بالمباحث الفيدرالية فور انتهاء المقابلة وإخبارهم بكل شيء". وعلي لسان بانون أيضاً، فحتي مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السابق الذي أمضي في منصبه 22 يوماً فقط في عهد ترامب، لم  ير غضاضة في أن يذهب ترامب المرشح الرئاسي إلي روسيا لإلقاء كلمة في أحد المؤتمرات، مقابل الحصول علي 45 ألف دولار.. "طالما أنه يربح المال.. فما المشكلة؟".. هكذا علق فلين.  
يقين بالخسارة
بانون يؤكد أن ترامب كان علي ما يشبه اليقين أنه سيخسر انتخابات الرئاسة، وكذلك كل المحيطين به تقريبا، ويوضح مايكل وولف علي لسان بانون: "بالتوازي مع السير في الحملة الانتخابية، كان ترامب يجهز للعودة إلي حياته الطبيعية بعدما يكتسب شهرة عالمية.. بمجرد أن يخسر الانتخابات هناك، صورة مجهزة سلفاً كان سيقدم من خلالها نفسه باعتباره شهيدا لتلك المرأة العجوز المستبدة هيلاري كلينتون.. ونفس الشهرة كانت تطمح إليها ابنته إيفانكا وزوجها جاريد كوشنر.. أما زوجته ميلانيا فقد تلقت تأكيدات من العديد من الأطراف أن زوجها لن يربح تلك الانتخابات، وسيكون بإمكانها العودة لحفلات العشاء السرية التي تحضرها مع أصدقاء.. الخسارة كانت ستجعل الكل سعيداً.. الخسارة كانت تشتمل علي الكثير من المكاسب".
ليلة الثامن من نوفمبر 2016، أي عقب تأكد فوز ترامب رسميا بانتخابات الرئاسة، كانت ليلة أسطورية في تاريخ الولايات المتحدة، وذلك من خلال مقابلات أجراها مؤلف "نار وغضب" علي مدار عام، وكان أبرز ما خرج به مايكل وولف عن تلك الليلة هو ما قاله ترامب الابن عن والده: "تعبيرات وجهه كانت تدل وكأنه رأي شبحاً"، وكأنه أصيب بالرعب من حجم المسؤولية التي ألقيت فجأة علي عاتقه، أما ميلانيا ترامب فقد "أجهشت ببكاء حار لوقت طويل"، والمؤكد أنها لم تكن دموع الفرح. ويؤكد وولف أنه في خلال الساعة التي سبقت إعلان النتيجة تحول ترامب من "مرشح يحيطه الغموض إلي شخص يثير الرعب"، ويضيف وولف:"أخيرا جاء التحول الأخير.. دونالد ترامب اقتنع فجأة أنه يستحق منصبه وأنه قادر علي أن يكون رئيساً للولايات المتحدة".
ويؤكد وولف: "ترامب لم يكن راضياً عن حفل تنصيبه بأي حال من الأحوال.. غضب من غياب النجوم، وكان دائم الشجار مع ميلانيا في ذلك اليوم أمام الجميع، وكأنه يتفاخر بقدرته علي إهانتها.. كانت ميلانيا دائما علي وشك البكاء، أما هو فلم تكف شفتاه عن البرطمة وكان حاجباه معقودين تبرما وغضباً وحنقاً، وكان السباب حاضراً علي لسانه بدون سبب لكل من يقترب منه من مساعديه الأقربين".
مايكل وولف نقل في كتابه الانطباع الأول لترامب عن البيت الأبيض بمجرد وصوله إليه، حيث يراه "مكانا معقداًومثيراً للقلق"، ويضيف:"لقد انعزل في غرفته لحظة وصوله، ومن اللافت أنه ومنذ عهد الرئيس الراحل جون كنيدي، لا ينام الرئيس مع زوجته في نفس الغرفة، حيث تملك ميلانيا غرفة منفصلة"، ويتابع وولف:"كان أول طلب له هو إحضار شاشتي تليفزيون بالإضافة لتلك الموجودة أصلاً في غرفته، كما طلب وضع قفل خاص علي باب الغرفة من الداخل، وهو ما تسبب في مشادات كلامية مع ضباط المخابرات المتواجدين في البيت الأبيض، حيث يصر هؤلاء علي أنه يجب أن يكون بمقدروهم الدخول للغرفة في أي لحظة دون أي تعقيدات".. كما كان ترامب دائم التشديد علي أن جميع أغراضه ومتعلقاته غير قابلة للمس، وحتي فرشة أسنانه، ويرجع ذلك لهاجس يطارده بأن "هناك من يسعي لقتله مسموماً، وهو ما يفسر أيضاً عدم تناوله أي وجبة من مطبخ البيت الأبيض، وعوضاً عن ذلك فإنه يطلب طعامه من سلسلة محلات ماكدونالد، حيث إن من يجهز الوجبة لا يعرف لمن يجهزها، كما أن تجهيزها يتم بمعرفة من يثق فيهم ترامب أمنياً".
تجربة مشابهة
المثير في الأمر أنه لو كان ترامب كلف نفسه مجرد مكالمة هاتفية بصديقه الصدوق روبرت مردوخ، اليهودي صاحب الجنسيتين الأسترالية والبريطاينة إمبراطور صناعة الإعلام في العالم، وسأله عن رأيه في مارك وولف، لكان مردوخ نصحه بطرده فوراً، حيث إن لمردوخ مع وولف تجربة مشابهة في عام 2008، حيث تقرب منه لفترة طويلة وأقنعه بكتابة سيرته الذاتية ثم فوجئ بنشر ما لم يرق له علي غرار ما حدث مع ترامب.
وانتهج وولف حيلة خبيثة لكي يجد لنفسه موطئ قدم بين حاشية ترامب، حيث كتب عنه وعن مستشاريه عدة مقالات تمجد فيما يفعلونه ويتخذونه من قرارات وهو عكس السائد في الصحف الأمريكية، فاطمأن له الجميع. والطريف أن وولف نفسه أصيب بالدهشة جراء ذلك، ويقول في كتابه: "لقد انتظرت أن يتصل أحدهم بمردوخ ليسأله عني، ولكن لم يفعل أحد.. لذا وجدت لنفسي أريكة مريحة داخل البيت الأبيض".
وفي الكتاب أيضاً يسخر وولف من ترامب وهو يعلق علي هذه النقطة، بالقول إنه "حتي لم يكن يقرأ ما كنت أكتبه عنه.. أعتقد أن ما كان يعجبه هو صورته علي المقال وهو يرتدي نظارات شمسية تجعله كنجوم السينما.. إنه نصف أمي وثقافته كلها سمعية اكتسبها من مشاهدة التليفزيون". ويحكي وولف أن الكاتبة الصحفية "جانيس مين" التي تعمل بصحيفة "ريبورتر هوليود"، سألته عن سر زيارته الأسبوعية للبيت الأبيض، فأجابها ساخرا:" ليس لديّ أدني فكرة، ولم يسألني أحدهم عن ذلك"!
ويقول الكتاب إن ترامب شدد علي محاميه وأفراد عائلته تكذيب أي حديث عن لقاء ابنه دونالد ترامب جي آر بشخصيات روسية، حيث يري الرئيس أن "الكذب علي الصحافة ليس جريمة"، وتكشف صفحات الكتاب عن رسالة من أحد محامي ترامب يعرب فيها عن مخاوفه بأن يكون ذلك "تعطيلاً لعمل العدالة"، ويري وولف أن تلك الرسالة ستكون مصدر سعادة للمحقق الخاص روبرت مولر، وسيضيفها بلا شك كوثيقة هامة إلي ملفاته الخاصة بالتحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية وتواطؤ محتمل لحملة ترامب في ذلك.
بالإضافة إلي ما سبق، فإن الكتاب يؤكد شكوي متكررة يرددها مساعدو ترامب، مفادها اضمحلاله الفكري بشكل يؤدي إلي تساقط كلمات كارثية كالرصاص من فمه، فعلي سبيل المثال زاره في أحد الأيام ملياردير صديق وكان يرافقه صديقته وهي عارضة أزياء ليست أمريكية، ولم يذكر المؤلف اسمها، وسألت الضيفة ترامب عن المقصود بمصطلح "القمامة البيضاء" شائع الاستخدام في الشارع الأمريكي، فأجابها الرئيس الأمريكي: "إنهم أناس مثلي من أصحاب البشرة البيضاء، ولكنهم فقراء لا يملكون المال"!!  
وولف يواصل كشف المزيد من الأسرار بتأكيده أن شعر دونالد ترامب حقيقي، ولا يرتدي شعراً مستعاراً مثلما أشاع عنه كثيرون، كما أن شعر ترامب يُعد مادة للحديث بالنسبة لابنته إيفانكا مع أصدقائها، حيث قالت في إحدي الجلسات الخاصة إن والدها: "أجري عملية تجميل خاصة لتقليل حجم فروة الرأس، ويستخدم مواد طبية خاصة وباهظة الثمن، تعمل علي تكثيف الشعر وتطويله، كما يتم تصفيفه بطريقة احترافية بحيث يتم سحب الخصلات الطويلة من الأجناب ثم سحبها مرة أخري كي تكون بجوار الخصلات الأمامية". وبالنسبة للون شعر ترامب المثير الذي يُعد مثاراً للسخرية والنكات في الصحف والأوساط السياسية، تقول ميلانيا إنه "استخدم منتجاً طبيا لتغيير لون الشعر يدعي (فقط للرجال)، وكان من المفترض أن يتركه علي شعره لفترة ما، ولكنه لم يصبر الفترة المطلوبة فأصبح شعره بهذا المزيج ما بين الأصفر والبرتقالي".
مايكل وولف يؤكد أن الطموح السياسي لإيفانكا ترامب ليس بخافٍ علي أحد، وهو ما دفع كثيرين لتلقيبها بـ"سيدة أمريكا الأولي الحقيقية"، نظراً لضعف ظهور ميلانيا أمامها في الحياة العامة، بل إنه في "نار وغضب.. داخل بيت ترامب الأبيض"، يذهب وولف إلي أبعد من هذا، حيث يؤكد أن هناك "اتفاقا بين إيفانكا وزوجها جاريد علي أنه إذا ما سنحت فرصة مستقبلية كي يترشح أحدهما لانتخابات الرئاسة، فإن ذلك سيكون من نصيب إيفانكا بكل تأكيد.
أخيراً فإن  الكاتب مايكل وولف يؤكد أن روبرت مردوخ وصف ترامب بعد مكالمة هاتفية معه حول موضوع الهجرة بأنه "مغفل".. مغفل استدرجه أحدهم من حيث اعتقد أنه آمن، وإذا كان ترامب قد توعد كيم يونج أون زعيم كوريا الشمالية بالنار والغضب في أحد تصريحاته، فإنه استيقظ من نومه ليجد ما هدد به وقد انقلب عليه.. نار الغضب أحرقت بيته الأبيض، وكشفت أدق أسراره، وجعلت مستقبله ومستقبل عائلته علي المحك.