الصفحة الأولي

عـبدالحكيم عـامـر .. الرجل الثاني في ثورة يوليو

حصــل علـي رتـبـة مشــير في الـــــــــ39 من عمره


عبدالحكيم عامر

عبدالحكيم عامر

إيثــار حمــدي
3/5/2019 10:40:15 AM

في اللحظــات الفارقــة من تـاريــخ الـدول يظهر الرجــال، ليحملــوا علــي أكتافهم مهمة التغيير، والانحـــياز إلي الشــعب، والمضي في طريق التحرر والاســتقـــلال وإعـــــادة الحقـــوق المغتصــبة إلـي أبناء الوطن.

سوء أوضاع الجيش بعد هزيمة فلسطين سنة 1948، وازدياد حالة الغضب الشعبي في البلاد، جعلت عبدالحكيم عامر يعدو بجوار عبد الناصر للخلاص من الحكم الملكي وتحويل مصر إلي جمهورية يكون الحكم فيها لأبناء الشعب.
امتدت الصداقة بينهما حوالي 40 عاما، حشد الرفيقان جهودهما الجبارة لتكوين جبهة الضباط الأحرار التي قادت ثورة يوليو 1952 والتي خلصت البلاد من حكم الفرد لتعود إلي أبنائها.
ليلة 23 يوليو خرجا في سيارة واحدة ولم يفترقا، وعندما نجحت الثورة كان عبدالناصر هو الرجل الأول وعامر هو الرجل الثاني ليعيشا قصة درامية من أبرز القصص التي عاشتها مصر خلال عصرها الحديث.
القادمان من صعيد مصر بكل ما تحمله أخلاقيات الجنوب من نخوة وشهامة واعتداد بالنفس والرأي خاصة أن أهل المنيا وأسيوط لهما نفس الطباع تقريبا، فقد كان عامر قائدا محبوبا، ومقاتلا صلبا واستأجرا في القاهرة شقة معا وعاشا سويا أعزبين جمعت بينهما الاهتمامات السياسية وفرقتهما شئون العمل عندما نقل عبد الناصر إلي السودان.
ألتقيا مرة ثانية عام 1948 عندما درسا وتخرجا معا في كلية أركان الحرب، وكان عامر أول من جنده عبد الناصر لتنظيم الضباط الأحرار، وأحب أعضاء التنظيم إلي نفسه.
في عام ١٩١٩، ولد عبد الحكيم بقرية أسطال بمحافظة المنيا لأسرة ميسورة ولأب عمدة القرية، التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1938 ثم في كلية أركان الحرب عام 1948.
خدم في الجيش المصري بالسودان عام 1941، ليلتقي هناك بعبدالناصر وتتوثق الصداقة بينهما، وفي حرب فلسطين عام 1948 كان عامر وناصر ضمن التشكيلات المصرية هناك وبعد الهزيمة نقل إلي أحد مراكز التدريب في منقباد بصعيد مصر.
الأسرع
عبد الحكيم عامر أسرع ضابط يتم ترقيته في الجيش المصري، تمت ترقيته في 1953 من رتبة صاغ (رائد) إلي لواء، في حين لم يكن عمره وقتها قد تجاوز الـ 34 عاما، وبهذه الترقية تخطي ثلاث رتب وأصبح القائد العام للقوات المسلحة المصرية، ليتم تعيينه في عام 1954 في منصب وزير الحربية، حيث رقي إلي رتبة فريق عام 1958، وفي العام نفسه حصل علي  رتبة مشير أعلي رتبة في العسكرية المصرية.
شغل عبد الحكيم أيضا رئيس اللجنة العليا للإقطاع والاتحاد الاشتراكي، ومنظمة الشباب، ومجلس الأمة، ووزارة الخارجية إضافة إلي رئاسة اتحاد كرة القدم.
الزملكاوي
انحياز المشير عامر للزمالك من الثوابت التي لا يجوز النقاش فيها لدرجة جعلت الأهلي مهددا بالهبوط، علاقته بالزمالك فريدة من نوعها، فقد كان يحب القلعة البيضاء بشكل لا مثيل له، وعندما تولي رئاسة اتحاد الكرة في فبراير 1958 كان يضع مصلحة فريقه قبل  كل شيء، ما أعاد للزمالك هيبته التي فقدها برحيل الملك فاروق، وترتب علي ذلك تحول عدد كبير من الجماهير إلي تشجيع الزمالك.
وفاته
توفي عامر في 13 سبتمبر 1967 بعد ستة أشهر من الاعتراف بهزيمة مصر في حرب يونيو في حين كان قبلها قيد الإقامة الجبرية، فيما أثارت وفاته جدلا واسعا لايزال مستمرا، فبينما تقول أسرته إنه قتل، يذهب العديد ممن كانوا قريبين من الأحداث إلي أن عامر انتحر، ويؤكدون الرواية الرسمية التي اعتمدت علي تقرير للطب الشرعي يشير إلي أن سبب وفاة عامر هو انتحاره.
آخر ساعة في عددها 1717 بتاريخ 20 سبتمبر 1967 انفردت بعد وفاة المشير بنشر تفاصيل حادث الانتحار قائلة:
"حاول المشير عبد الحكيم عامر الانتحار 4 مرات.. وكانت أول مرة يوم 8 يونيو حين وصلت المعركة المسلحة في سيناء أمام عينيه إلي النكسة التي وصلت إليها.. ومرة أخري في يوم 25 أغسطس عندما اكتشفت العملية التي كانت تجري لإعادته إلي قيادة القوات المسلحة.. ثم كانت محاولته عندما ذهب إليه الفريق أول محمد فوزي والفريق عبد المنعم رياض لدعوته للإدلاء بأقواله في التحقيقات العسكرية.. كيف تلاحقت الأحداث بسرعة؟ .. وكيف قام المشير عبدالحكيم عامر بمحاولته للانتحار؟.
سجلت آخر ساعة تفاصيل الحادث الأليم.. حادث الانتحار بالساعة والدقيقة والتي بدأت بعد ظهيرة الأربعاء 13 سبتمبر الساعة 6.15 حيث توجه إلي منزل المشير عامر بالجيزة كل من الفريق أول محمد فوزي القائد العام للقوات المسلحة والفريق عبد المنعم رياض رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة لدعوته لسماع أقواله في التحقيقات العسكرية نظرا لرتبة المشير العسكرية ومكانته الخاصة.
في الساعة 6.30 رفض المشير عامر بعصبية مرافقتهما للإدلاء بأقواله، وبعدها بـ10 دقائق انسحب عامر من الصالون وتوجه إلي غرفة نومه، وغاب عدة دقائق، وعندما عاد لاحظ الفريق رياض أن عامر يمضغ شيئا في فمه، وينظر في ساعته بين دقيقة وأخري، وفجأة بدت عليه أعراض غير طبيعية مما أثار ريبة الفريق عبد المنعم رياض فسأل عامر:
ـــ في حاجة تعباك يافندم؟.. وكانت المفاجأة عندما قال له المشير عامر أنه قد ابتلع مادة سامة لينهي بها كل شيء.
في الساعة 6.55 ناشد الفريق عبدالمنعم رياض المشير عامر أن يلقي من فمه بقايا المادة السامة، ورفض عامر الذي كانت حالته قد أخذت تسوء وقام الفريق أول محمد فوزي والفريق عبد المنعم رياض بنقله في سيارتهما إلي مستشفي القوات المسلحة بالمعادي لإجراء عملية إسعافات سريعة، وقاوم المشير عامر في البداية عملية إسعافه واضطر في النهاية للاستلام تحت إلحاح الأطباء وقام بإدخال خرطوم غسيل المعدة بنفسه.
في الثامنة والنصف بدأت حالته تتحسن، وتم حقنه بحقنة "الكورامين" المقوية للقلب وعاد إلي حالته الطبيعية، وفي صباح يوم الخميس 15 سبتمبر في الواحدة صباحا تم نقله إلي أحد بيوت الضيافة بالجيزة حتي يتماثل للشفاء وكُلف طبيبان بالإشراف علي رعايته الصحية، ونام في الواحدة والنصف نوما طبيعيا، واستيقظ في الحادية عشرة صباحا، وكل شيء في تحسن وقال إنه لا يشكو من شيء إلا بعض آثار الإرهاق، تناول عصير جوافة مثلجا، وقرصا من البلادونال وقرصا انترستين ونام.
في الساعة 6.15 استيقظ من النوم ودخل الحمام، وفجأة وقع علي أرض الحمام في حالة إغماء وكان لونه ممتقعا ونفسه متقطعا، فقام الطبيب بحقنه بالكورامين في الوريد، ومساعدته علي التنفس بواسطة أسطوانة أكسجين، وطلب سيارة إسعاف من مستشفي العسكري بالمعادي.
في الساعة 6.30 أخذت الحالة تتفاقم بسرعة شديدة وأسلم الروح وفارقته الحياة، تم إخطار السلطات المختصة، وانتقل السيد عصام الدين حسونة إلي البيت الذي يقيم فيه المشير إضافة إلي النائب العام محمد عبد السلام ومساعديه، ووكيل وزارة العدل للطب الشرعي وسبقهم المستشار عبدالجواد عامر أكبر أشقاء المشير ولحق بهم أنور السادات رئيس مجلس الدولة.
قالت التحقيقات الأولية إن المشير عامر كان يخفي تحت شريط لاصق وضعه علي جسمه عددا من الكبسولات الصغيرة وجد بها مسحوق من مادة السيانور السامة سريعة التأثير، ويبدو أنه تناول شيئا منها خصوصا أن أعراض الانهيار المفاجئ والسريع تشير إلي تأثير المادة، ونقل إلي أسطال بمحافظة المنيا حيث جري تشييع الجنازة في الرابعة وعشر دقائق من مساء الجمعة.
في مساء يوم السبت قال تقرير الطب الشرعي إن المادة السامة هي مادة الأكونيتين وتعتبر من أخطر أنواع السموم وقال الخبراء عنها إنه لايوجد لها أي مضاد وتسبب الوفاة في ظرف ربع ساعة من تناولها.