الصفحة الأولي

الجنرال الذهبي عبدالمنعم رياض.. صاحب النظـــــارة المعظمـة


عبدالصبور بــدر
3/5/2019 10:48:09 AM

في ميدانه الشهير بوسط القاهرة، لايزال القائد يقف بقامة شامخة، محتفظا بنظاراته المعظمة بينما عيناه المفتوحتان ترهب كل من يحاول أن يقترب من هذا الوطن، فيما يشير إليه المصريون بفخر، وهم يحكون عن الجنرال الذهبي الذي قرر أن يكون في الصفوف الأمامية وينال الشهادة، ليعود جثمانه الطاهر من أرض المعركة ويحمله الشعب علي أكتافه يهتف لرجل قدم روحه هدية لانتصارهم.

شهادة غالية كانت بمثابة شرارة العبور التي أذل فيها المصريون القطعان الإسرائيلية وزرعوا العلم فوق أرض سيناء الحبيبة ليخفق تحية لكل من بذلوا حياتهم فداء وتضحية.
عبدالمنعم رياض علي قيد الحياة في قلوب المصريين، يحفظون قصص بطولاته ويرونها لأبنائهم في يوم الشهيد ليصبحوا مثله أبطالا، لا يخافون الموت، وأسودا شجعانا في ميادين القتال ضد الأعداء.
 في 9 مارس عام 1969 كان القائد يتفقد جنوده في موقع المعدية رقم 6 بالإسماعيلية، قبل أن يتلقي شظية أدت إلي استشهاده، ليعود رئيس أركان القوات المسلحة ملفوفا في علم مصر ويشيع إلي مثواه الأخير في جنازة مهيبة.
في أكتوبر عام 1919 ولد عبد المنعم الرياض، في قرية سبرباي التابعة لمدينة طنطا بمحافظة الغربية لأب عقيد في الجيش هو "محمد رياض عبد الله"، حصل عبد المنعم علي الشهادة الثانوية عام 1936، ليدخل كلية الطب برغبة أهله، وسرعان ما تركها ليلتحق بالكلية الحربية التي ظل يحلم بالالتحاق بها.
رجل الحروب
إجادته للعديد من اللغات وفي مقدمتها الإنجليزية والفرنسية والروسية، مكنته من الاطلاع علي سير القادة العسكريين بلغتهم الأصلية، في حين كان يعلم أن الانتصار علي إسرائيل يتطلب المعرفة بعلم، فانتسب وهو في رتبة عميد ليدرس الرياضيات في كلية العلوم، وحين وصل إلي رتبة الفريق قرر الدراسة في كلية التجارة بجامعة عين شمس لمواصلة بحثه الذي أعده لنيل الدكتوراه حول الاستراتيجية العسكرية، وانتسب بالمراسلة إلي إحدي جامعات بريطانيا لدراسة الرياضيات والاقتصاد.
عقب التخرج عين رياض في سلاح المدفعية، التحق بإحدي البطاريات المضادة للطائرات في الإسكندرية والسلوم والصحراء الغربية خلال عامي 1941 و1942، ما جعله يشارك في الحرب العالمية الثانية ضد القوات الإيطالية والألمانية، وعمل بعدها في إدارة العمليات والخطط في القاهرة، وكان همزة الوصل والتنسيق بينها وبين قيادة الميدان في فلسطين، ومنح وسام الجدارة الذهبي لما يتمتع به من قدرات عسكرية.
 أصبح قائدا لمدرسة المدفعية المضادة للطائرات وهو برتبة مقدم عام 1951، وقائدا للواء الأول المضاد للطائرات في الإسكندرية عام 1953، ثم تولي قيادة الدفاع المضاد للطائرات في سلاح المدفعية، وظل في المنصب إلي أن سافر في بعثة تعليمية إلي الاتحاد السوفيتي 1958، لإتمام دورة تكتيكية تعبوية في الأكاديمية، أتمها في عام واحد بتقدير امتياز، وحصل علي لقب الجنرال الذهبي.
شغل منصب رئيس أركان سلاح المدفعية عام 1960 عقب عودته من الاتحاد السوفيتي، ثم أسند إليه منصب مستشار قيادة القوات الجوية لشؤون الدفاع الجوي، واشترك وهو برتبة لواء في دورة خاصة بالصواريخ بمدرسة المدفعية المضادة للطائرات خلال عامي 1962 و 1963، وفي عام 1964 عين رئيسا لأركان القيادة العربية الموحدة، وفي عام 1966 صعد إلي رتبة فريق، وأتم في السنة نفسها دراسته بأكاديمية ناصر العسكرية العليا.
بناء علي طلب من الملك حسين بعد توقيعه علي اتفاقية الدفاع المشترك عين عبد المنعم رياض في مايو 1967 قائدا لمركز القيادة المتقدم في عمان، ووضع خطة إعادة انتشار القوات الأردنية لإحباط مخططات الجيش الإسرائيلي، وبمجرد اندلاع حرب 1967 أصبح  قائدا عاما للجبهة الأردنية.
بناء الجيش
إلي مصر عاد عبد المنعم رياض ليشغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، مع وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة الجديد الفريق أول محمد فوزي،  بعد نكسة يوليو بأيام قليلة وبالتحديد في 11 يونيو عام 1967 تولي المنصب الكبير  ليكون مسئولا عن إعادة بناء القوات المسلحة بمساعدة الفريق محمد فوزي وزير الحربية، في ذلك الوقت وهي المهمة التي أثبت فيها كفاءة عسكرية ساعدت علي حرب التحرير بعد ذلك، بوصفه صاحب تصميم الخطة (200) الحربية التي كانت الأصل في الخطة "جرانيت" التي طورت بعد ذلك لتصبح خطة العمليات في حرب أكتوبر تحت مسمي "بدر".
حرب فلسطين
من أشهر قصص البطولة للفريق أول عبد المنعم رياض، باعتباره واحدا من أهم العسكريين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، مشاركته في الحرب العالمية الثانية ضد الألمان والإيطاليين بين عامي 1941 و1942، وشارك في حرب فلسطين عام 1948، وعمل وقتها في إدارة العمليات والخطط في القاهرة، وكان همزة الوصل والتنسيق بين القاهرة وفلسطين، وحصل في ذلك الوقت علي وسام الجدارة الذهبي لقدرته العسكرية آنذاك.
إيلات
أشرف بنفسه علي تدمير المدمرة "إيلات" التي وضع خطتها أثناء حرب الاستنزاف، وحدد ملابساتها وموعد التنفيذ، وفي يوم السبت 8 مارس 1969 بدأ التنفيذ في التوقيت المحدد، وانطلقت نيران المصريين علي طول خط الجبهة لتكبد الإسرائيليين أكبر قدر من الخسائر في ساعات قليلة، وتدمير جزء من مواقع خط بارليف، وإسكات بعض مواقع مدفعيته في أعنف اشتباك شهدته الجبهة قبل معارك 1973.
رأس العش
أولي المعارك المصرية التي انتصر فيها الجيش المصري علي القوات الإسرائيلية هي معركة رأس العش  بعد نكسة يونيو، بقيادة عبد المنعم رياض، حيث قاد الجنرال  فرقة من المشاة استطاعت منع سيطرة القوات الإسرائيلية علي مدينة بور فؤاد.
يوم الشهيد
في يوم الأحد 9 مارس 1969 قرر الفريق الشجاع عبد المنعم رياض أن يتوجه إلي الجبهة ليقف كتفا بكتف مع جنوده في مواجهة العدو، زار الموقع رقم 6 القريب من خطوط العدو، والذي فتح  نيرانه بتركيز شديد علي دشم العدو في اليوم السابق.
 دقائق معدودة مرت، حتي انهالت نيران العدو فجأة علي المنطقة التي كان يقف فيها وسط جنوده واستمرت المعركة التي كان يقودها الفريق بنفسه حوالي ساعة ونصف الساعة إلي أن انفجرت إحدي طلقات المدفعية بالقرب من الحفرة التي يقود منها المعركة ونتيجة للشظايا القاتلة وتفريغ الهواء استشهد البطل متأثرا بجراحه، ليلفظ أنفاسه الأخيرة شهيدا علي الجبهة تاركا وراءه قصة ظلت عالقة في سجلات التاريخ.
من أقوله
"قد يكون القائد المعاصر في حاجة إلي نفس صفات الفارس القديم شجاعا ومغامرا وجريئا وواسع الخيال، ولكن ذلك لا يكفي، إن عليه أيضا أن يعب من منابع العلم والثقافة قدر الاستطاعة، فذلك ضروري له حتي يستطيع فهم المعادلات الحديثة واستيعاب مختلف فنون القتال وعلومها".
"أنا لست أقل من أي جندي يدافع عن الجبهة، ولابد أن أكون بينهم في كل لحظة من لحظات البطولة".