شئون خارجية

كلاهما منح ما لا يملك لمن لا يستحق 102 سنة تفصل بين وعد بلفور ووعد ترامب


إيثار حمدي
4/2/2019 12:36:35 PM

102 سنة تفصل الوعدين، بلفور البريطاني، وترامب الأمريكي، الأول نزع مساحات شاسعة من الأرض الفلسطينية ومنحها للصهاينة، فيما لم يتورع الثاني عن إهداء هضبة الجولان السورية وتقديمها للحكومة العبرية. الشبه بين الرجلين يكاد يكون متطابقا في سرقة الأرض العربية ووضعها تحت تصرف الاحتلال، كلاهما منح ما لا يملك لمن لا يستحق.

في عام 1848 ولد أرثر جيمس بلفور في ويتنجهام التي أصبحت تعرف اليوم باسم لوثيان وتقع في أسكتلندا. أنهي دراسته الأولية حول تعاليم العهد القديم، ليكمل دراساته العليا في كلية إيتون بجامعة كمبردج بإنجلترا.
 انتخب لأول مرة في البرلمان سنة 1874، وعمل »وزير أول»‬ لأسكتلندا عام 1887 ثم وزيرا رئيسا لشؤون إيرلندا، ثم أول رئيس للخزانة، ورئيسا لوزراء بريطانيا من عام 1902 - 1905.
هاجم الهجرات اليهودية إلي شرق أوروبا خوفا من انتقال العدوي إلي بريطانيا، فيما خطط لاستغلال اليهود في دعم بلاده خارج أوروبا.
لأكثر من عشرين عاما تزعم بلفور حزب المحافظين، شغل منصب رئيس مجلس اللوردات 5 سنوات قبل أن يرحل عن الحياة في عمر يناهز الـ 82 عاما.
 حاييم وايزمان الصهيوني الذي التقاه بلفور عام 1906، أقنعه بأن الصهيونية قوة تستطيع التأثير في السياسة الخارجية الدولية وبالأخص إقناع الرئيس الأمريكي ولسون للمشاركة في الحرب العالمية الأولي إلي جانب بريطانيا.
 بمجرد أن تولي حقيبة الخارجية في حكومة لويد جورج في الفترة من 1916 إلي 1919 أصدر وعده المعروف بـ»‬وعد بلفور» عام 1917 انطلاقا من تلك الرؤية.
 أول زيارة لبلفور إلي فلسطين جاءت عام 1925 حينما شارك في افتتاح الجامعة العبرية، لتعم المظاهرات معظم الأراضي الفلسطينية احتجاجا علي قراره الذي أصدره عام 1917.
وعد بلفور هو عبارة عن بيان بريطاني صدر في 2 نوفمبر 1917، اشتمل في نصه علي تقديم بريطانيا دعمها لليهود لإقامة وطن قومي لهم في دولة فلسطين، حيث بعث وزير الخارجية البريطاني المعروف باسم أثر جيمس بلفور رسالة إلي ليونيل والتر روتشيلد، وهو يهودي بريطاني، تناقض تماما ما جاء في معاهدة »‬سايكس بيكو» التي حدثت سرا بين فرنسا وبريطانيا، ومراسلات الحسين- مكماهون.
 استخدمت بريطانيا وعد بلفور كوسيلة لإقامة وطنٍ قومي لليهود في فلسطين، حيث تعهدت الحكومة البريطانية بذلك، فيما نصت الرسالة التي بعثها وزير الخارجية البريطانية إلي أحد زعماء الجالية اليهودية اللورد روتشيلد علي هذه الكلمات التي سرقت قطعة من الوطن الفلسطيني:
وزارة الخارجية ـــ الثاني من نوفمبر عام 1917 »‬عزيزي اللورد روتشيلد.. يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي علي العطف علي أماني اليهود والصهيونية، والذي عرض علي مجلس الوزراء وتمت الموافقة عليه: إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وستبذل ما بوسعها لتسهيل تحقيق هذا الغاية، علي ألا يتم أي عمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية التي تقيم في فلسطين الآن، ولن يتم أي تغييرٍ علي الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في الدول الأخري. وسأكون ممتنا إذا ما أطلعتم الاتحاد الصهيوني علي هذا التصريح. المخلص أرثر جيمس بلفور».

»‬بعد 52 عاما، حان الوقت لاعتراف الولايات المتحدة الكامل بسيادة إسرائيل علي هضبة الجولان التي لها أهمية استراتيجية وأمنية حيوية لدولة إسرائيل والاستقرار الإقليمي».. تغريدة ترامب القصيرة التي تحتوي علي رقمين و23 كلمة، باتت مثار جدل كبير في العالم كله، رفضها العالم العربي باعتبارها وعد بلوفور جديداً يقتطع مساحة أخري من الأرض العربية ويضيفها للكيان الصهيوني، فيما تلقاها صناع القرار في الدولة العبرية بفرحة كبيرة.

تعقيباً علي إعلان ترامب قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: في الوقت الذي تسعي فيه إيران لاستخدام سوريا كقاعدة لتدمير إسرائيل، الرئيس‫ ترامب يعترف بجرأة بالسيادة الإسرائيلية علي‫ الجولان، شكرا أيها الرئيس ترامب. ليجري بعدها اتصالاً هاتفياً بالرئيس الأمريكي وهو يقول له »‬لقد صنعت التاريخ».
صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية قالت: بعد قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ»‬تسليم» القدس والجولان لرئيس الحكومة وانسحابه من الاتفاق النووي الإيراني، فإن »‬اليوم الذي يتعين فيه سداد فاتورة هذه النوايا الحسنة يقترب.. أضافت أن ترامب عازم علي الدفع بصفقة القرن التي يتبناها للشرق الأوسط».
في تحليل للكاتبة »‬أورلي أزولاي» نشرته الصحيفة علي موقعها الإلكتروني ذكرت أن نتنياهو لم يكن ليتوقع هدية أكبر مما حصل عليه، قبل أيام من الانتخابات، معتبرة  تسليم ترامب مرتفعات الجولان لنتنياهو يتيح له تقديم نفسه ليس فقط كرجل دولة كبير يعرف كيف يعمل علي الساحة الدولية ويطور صداقة مع الرئيس الأمريكي، وإنما أيضا كحارس غيور علي أمن إسرائيل».
أضافت الكاتبة: ترامب لا يخفي رغبته في أن يثبت للعالم أنه قادر علي القيام بأفضل مما قام به الرئيس السابق له باراك أوباما، وقد وعد بصفقة القرن لتحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. إنه عازم علي القيام بذلك، ليس فقط ليثبت أنه أفضل من سلفه، وأكثر إبداعا في التوصل إلي اتفاق وإنما أيضا هو بحاجة إلي الاتفاق كما يحتاج للهواء للتنفس».
تابعت: الرئيس الأمريكي لم يتمكن من تحقيق أي إنجاز في السياسة الخارجية، حارب العالم وألحق الضرر بالنفوذ العالمي لأمريكا، حتي محاولاته للتوصل إلي اتفاق مع كوريا الشمالية انهارت. إذا ما تمكن ترامب من التوصل إلي اتفاق سلام تشارك فيه دول عربية أخري، فسيمكنه حينها الزعم بأنه من أعظم الزعماء وتقديم نفسه علي أنه رجل دولة صاحب إنجازات حقيقية، كما يتيح له هذا معاودة الحلم بأن يحصل علي جائزة نوبل للسلام».
اختتمت تحليلها قائلة: حتي يحدث كل هذا، عليه أن يضمن النتائج التي يرغبها من انتخابات إسرائيل، وإذا ما تم إعادة انتخاب نتنياهو ومن ثم قيامه بتشكيل الحكومة القادمة، فمن الواضح أن ترامب سيمارس ضغوطا عليه من أجل الحصول علي تنازلات لإعادة الفلسطينيين إلي طاولة المفاوضات».
نيران غزة
كان من المفترض أن تتصدر صورة نتنياهو بجوار ترامب وهو يوقف مرسوم الاعتراف بسيادة إسرائيل علي هضبة الجولان السورية الصحف العبرية إلا أن أحداث القصف علي غزة تصدرت الصفحات الأولي وأسفلها صورة صغيرة لترامب ونتنياهو عقب توقيع القرار.
مساء الاثنين قبل الماضي وقع ترامب في البيت الأبيض، وبحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، مرسوما رئاسيا يعترف بـ»‬سيادة» إسرائيل المزعومة علي الجولان المحتلة، في الوقت الذي كان فيه الجيش يشن سلسلة غارات عنيفة علي عدة أهداف في غزة، رداً علي إطلاق صاروخ من القطاع سقط شمال مدينة تل أبيب.
»‬حماس تلعب بالنار» عنوان اختارته صحيفة »‬إسرائيل اليوم» في صدر صفحتها الأولي، مع صورة كبيرة لانفجار في غزة، وأسفلها صورة احتفالية للتوقيع علي قرار ترامب، كُتب إلي جانبها »‬تحتاج لرئيس جريء واحد للقيام بخطوة تاريخية».
لم يختلف المشهد في بقية الصحف العبرية مثل »‬يديعوت أحرونوت» و»‬معاريف» التي كتبت فوق صورة كبيرة لانفجار في غزة »‬تحت النار»، وتحت الخبر وضعت صورة صغيرة لنتنياهو وترامب، وكتبت الصحيفة: »‬مع بدء القصف علي غزة، وصل رئيس الوزراء إلي البيت الأبيض والتقي ترامب».
فرحة عبرية
القرار الجريء للرئيس الأمريكي حظي بتأييد وتهليل في الدولة العبرية، ما دفع السياسيين الإسرائيليين إلي تعليق آمال كبيرة علي قرارات أخري مماثلة لكن أكثر جرأة، قد تغير خريطة الصراع الفلسطيني والإسرائيلي وتقلبه رأساً علي عقب، حيث طالبه النائب اليميني الإسرائيلي المتطرف »‬بزلئيل سمورتيش» ترامب بالاعتراف بسيادة »‬إسرائيل» علي الضفة الغربية المحتلة بأكملها.
سمورتيش غرد علي تويتر تعليقا علي إعلان ترامب بشأن الجولان قائلاً: »‬الرئيس ترامب شكراً لك. منذ 52 عاما نجحنا أيضاً في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)؛ فهي أيضا ذات أهمية استراتيجية وتاريخية وأمنية لإسرائيل».
تابع: حان الوقت للاعتراف بسيادتنا علي يهودا والسامرة، بعون الله سنعمل علي تحقيق تلك الخطوة قريباً، ونأمل في دعمكم  أيضا.
خطوة إعلان الضفة تحت السيادة الإسرائيلية لم يستبعدها محللون فلسطينيون توقعوا أن تكون سببا في انتفاضة دائمة في الأراضي الفلسطينية، فيما سيكون أكثر المتضررين منها الاحتلال.
 أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات قال: إن »‬قرارات الرئيس الأمريكي دائماً ما كانت تصب في مصالح الاحتلال الإسرائيلي، لدعم خطواته العنصرية في المنطقة والتعدي علي الحقوق الفلسطينية والعربية».
أضاف: الدعوات المتكررة من قبل المسؤولين في »‬إسرائيل» لإعلان الضفة الغربية تحت سيادة الاحتلال، أو حتي التجاوب مع دعوات ضم 60% من مساحتها لـ»‬إسرائيل» يعد تجاوزاً خطيراً لكل القوانين الدولية لا يمكن القبول به تحت أي ظرف كان، لافتا إلي أن ما يطلبه الفلسطينيون والعالم أجمع هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة بأكملها، وليس كما يسير فريق ترامب لترسيخ الاحتلال علي المناطق الفلسطينية والعربية كما جري من قرارات صادمة حين اعترافه بالقدس عاصمة لـ»‬إسرائيل» وهضبة الجولان تحت سيادتها.
لم يستبعد عريقات أن يقوم ترامب بفرض قرارات صادمة تتعلق بالقضية الفلسطينية ومصيرها، خاصة في ظل سعيه المستميت لفرض »‬صفقة القرن» المشبوهة التي عبرت القيادة عن رفضها جملة وتفصيلا،  ورفض التماشي مع بنودها الخطيرة.