حوارات

"طبيب الغلابة".. الدكتور جمال شيحة مؤسس جمعية رعاية مرضي الكبد: مشروع «قري خالية من فيروس سي» حصد المركز الأول بـ»الصحة العالمية«


حوار: ياسـمين عبـد الحميـد
1/2/2018 1:33:01 PM

بمُجرد أن تذكر اسمه داخل أي قرية بالدقهلية، تنهال علي أذنيك دعوات الامتنان والشكر.. "ربنا يخليه.. ربنا يكرم أصله ويوسع عليه"، كُل أسرة في هذه القري كان بين أفرادها مريض بفيروس سي، وجميعهم تلقوا العلاج علي يد الدكتور جمال شيحة، وكتيبته من الأطباء في جمعية رعاية مرضي الكبد، وداخل مركز الكبد المصري بشربين.
"طبيب الغلابة".. هكذا يُلقبه الأهالي، غير أن الرجل من شدة تواضعه لايجد أن ما قدمه طوال السنوات الماضية يستحق الشكر أو الثناء.. تقلد أعلي المناصب التي يسعي إليها أي طبيب، لكنه لم يسعد يومًا بأي منصب مثل سعادته بنجاحه في خدمة الناس.. ما يفخر به الطبيب جمال شيحة حقًا هو أنه كان سببًا في بناء مؤسسة خيرية عالجت ملايين المرضي.

• كيف كانت بدايتك بالعمل العام؟
- حب العمل العام الخيري والتطوعي ولد معي، وكبرت وأنا أعشقه منذ أن كنت طالبًا بكلية الطب جامعة المنصورة، وتخرجت في إبريل 1982، وعملت بالجامعة مُعيدًا من أول يوم كوني من أوائل الدفعة، وحضرت الماجيستير عام 87، وكان عن تليف الكبد، وعام 91 حصلت علي الدكتوراه في مناظير الجهاز الهضمي وأمراض الكبد، وفي عام 1995 أسست جمعية رعاية مرضي الكبد بالدقهلية لشعوري بأن أمراض الكبد في مصر أصبحت وباءً يجب التصدي له، وتم إشهارها رسميًا كجمعية أهلية غير حكومية لا تهدف للربح في عام 1997.
• كيف تحول حلمك من جمعية خيرية لصرح طبي هائل كالذي نراه؟
- منذ أن قررت إنشاء الجمعية، ووضعت أمامي 3 أهداف رئيسية، الأول خيري وهو مساعدة مرضي الكبد غير القادرين علي تحمل تكلفة العلاج والفحوصات، والثاني حملة قومية للوقاية والتطعيم ضد أمراض الكبد، وثالثًا تأسيس مركز علاجي للتميز في علاج وأبحاث أمراض الكبد، وكان حلما بعيد المنال لأنه بحاجة لمئات الملايين من الجنيهات كي يصبح حقيقة.
وفي عام 2000 أصبحت الجمعية مركزية علي مستوي الجمهورية، وأصبح لها فروع في 20 محافظة، وحصلنا علي أفضل جمعية علي مستوي الجمعيات الأهلية في 2009، وبعد أن بدأت الجمعية بغرفة واحدة وصالة، أصبحت الآن 4 أدوار علي النيل في المنصورة وبها عيادات خارجية ومعمل للأبحاث ومركز للتحاليل والأشعة، وتم إنشاء المستشفي في 26 يوليو 2011.
• هل تلقيت دعما ماديا حكوميا لتأسيس مستشفي الكبد المصري؟
- أفخر بأن هذا الصرح الطبي الذي وصلت تكلفته لأكثر من 150 مليون جنيه، لم يكن إلا بأموال المصريين من المتبرعين، ولا يوجد داعم رئيسي سواء رجل أعمال أو دعم حكومي أو أموال خارجية، والدعم الأكبر والأول كان للحاج "العربي شامة" الذي تبرع بثلاثة أفدنة من أجل بناء المستشفي، بعد أن آمن بالفكرة منذ البداية والفضل في الدعم المادي بخلاف التبرعات لأخي المهندس أسامة شيحة، ووالدي اللذين تبرعا بمبالغ مالية ضخمة منذ بداية المشروع.
• ما الهيكل التنفيذي الداخلي للمستشفي؟
- تم تأسيس هذا المشفي علي مساحة ثلاث أفدنة، ويتكون من خمسة أدوار الأول لاستقبال المرضي، ويوجد به قاعة استقبال كبري لجميع المرضي غير القادرين والقادرين، ويتم الاعتماد بشكل كبير علي "سيستم" خاص مُتصل بالثلاثة أدوار الأولي، فمنذ أن يدخل المريض ويسجل اسمه، ويأخذ دوره بشكل منظم للغاية دون تدخل بشري، وعلي لوحات الكمبيوتر يري دوره، ويتجه للعيادة الخاصة بحالته، وفي الدور ذاته نجد المطبخ والمخبز المجهزين علي قدر كاف من الجودة المتبعة عالميًا، والمغسلة أيضًا التي تعمل بنظام التجفيف والغسل الذاتي عن طريق 2 غسالة كبري و2 مجفف، ويتم فصل الملابس المتسخة عن الملابس المدممة وملابس العمليات، فكل يتم غسله علي حدة تفاديًا لنقل الأمراض، حتي أن ملابس الأقسام من الأطباء والتمريض يتم غسله كل علي حدة حتي لا يتم نقل أي عدوي بكتيرية، وهذا الدور أيضًا به مركز للأشعة به حوالي 8 أجهزة كبري للأشعة الفوق صوتية والأشعة بالصبغة  والسونار، ولدينا جهاز "أنجو" للأشعة وتكلفته 27 مليون جنيه ويستخدم لحقن البؤر السرطانية بالكبد مباشرة، ويتضمن الدور الأول أيضًا مكانًا لأخذ عينات المرضي، وآخر لاستلام النتائج.
أما الدور الثاني فمجهز بالكامل لعيادات الأطباء العاملين بالمركز، والذين يتمتعون بدرجات علمية عالية جدًا "استشاري، إخصائي، أُستاذ"، وجميعهم يعملون لصالح المرضي، وعدد العيادات 14 عيادة تتضمن باطنة وأمراض جهاز هضمي وأورام وأطفال، وبه أيضًا الصيدلية ومعمل للتحاليل، و40 جهازا للتحليل، ووحدات الكيمياء والهرمونات ودلالات الأورام وأمراض الدم والبيولوجيا الجزئية، ويتضمن معهد الأبحاث قسم للخلايا الجذعية وزراعة الأنسجة، ويتم التعامل مع العينات بالمركز بنظام الباركود، ويتم حفظ العينات لفترة في الثلاجات المتخصصة لذلك، ويتم فحص من 300 إلي 400 عينة يوميًا، والنتائج تظهر في خلال يوم من أخذ العينة وجميع الأجهزة المستخدمة حاصلة علي شهادة الأيزو.  
الدور الثالث، يتضمن جهاز "فيبرو سكان" ويتم استخدامه لمعرفة نسبة التليف التي وصل لها كبد المريض دون جراحة أو أخذ عينة، وتوجد وحدة لمناظير الجهاز الهضمي، وأخري للقنوات المرارية، وغُرف لإفاقة المرضي بعد العملية، بينما الدور الرابع به قسم الجراحة وغرفتا عمليات مجهزتان بالكامل، وغُرف للمرضي بعد العمليات، والدور الخامس به مركز للأبحاث الطبية والدوائية.
• هل تحقق حلم الرئيس حين قال سيتم علاج مليون مصري من فيروس سي؟
- تعجبنا جميعًا حين قال الرئيس هذا الكلام وقلنا أكيد بيحلم، لكن بالفعل الحلم تحول لحقيقة بعد إسناد الرئيس الملف لأهله، فلم يسند للموظفين، وإنما أُسند للمتخصصين في مجال الكبد والجهاز الهضمي، حيث تم إسناد المشروع برمته إلي اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية التي تشرفت بالتواجد فيها منذ تأسيسها، وهؤلاء الأساتذة لهم الفضل الأكبر في علاج المصريين، ووضعت الخطة ونفذت وكنا 8 أطباء، وكانت تلك اللجنة برئاسة الدكتور وحيد دوس، والنجاح الحقيقي أن وزارة الصحة سمعت كلام اللجنة ونفذت توصيتها.
• هل تأخر وصول عقار السوفالدي لمصر؟
- بالعكس، حين عُرف السوفالدي عالميًا كان هناك 27 مركزا للعلاج جاهزا للعمل قبل أن يتم طرحه في مصر، وأصبحت المراكز 63 الآن، ولعل أهم عوامل نجاح المشروع هو سرعة توافر سوفالدي، فحينما طرح بأمريكا لم يأخذ الأمر إلا أيامًا قليلة وبدأ العمل به بمصر، وتم تجربته في 3 أماكن قبل طرحه  2012 في ثلاثة أماكن هي وزارة الصحة، ومركز أبحاث مستشفي الكبد، وجامعة القاهرة، وتم اعتماده رسميًا في 2013، وتجربته علي 100 حالة.
• ما عدد الحالات التي تم علاجها نهائيًا؟  
- كان لدينا مليون و400 ألف مريض يعرفون أنهم مصابون بفيروس سي، تم علاجهم بالكامل، والآن نسعي للبحث عن المصابين لعلاجهم لأنه يوجد حوالي 5 ملايين مُصاب لا يعرفون أن لديهم المرض.
• من أين جاءت فكرة "قري خالية من فيرس سي"؟
- بدأنا المشروع منذ ثلاث سنوات تقريبًا، وأصبح الآن محط أنظار العالم، وجاءت الفكرة حين توافر العلاج بشكل جيد، ولم يكن في قدرة مواطني تلك القري الوصول للعلاج، فقررنا عمل قوافل طبية تذهب للقرية، ويتم التحليل والكشف علي الجميع فوق 18 سنة مجانًا، وتم بالفعل علاج 20 قرية تمامًا من الفيروس، منها "أشمون الرمان، والكردي، والعثمانية، والدبوسي، والفتح، وميت بدر حلاوة، وغيرها"، ويتم الآن علاج 10 قري في المنزلة، وبانتهاء شهر يناير 2018 سنصل لـ38 قرية خالية من الفيروس، والحلم الذي أرغب به هو الوصول لـ1000 قرية خالية من الفيروس.
• قلت إن المشروع أصبح  محط أنظار العالم، كيف؟
أدرجت منظمة الصحة العالمية المشروع علي رأس النماذج الرائدة حول العالم في القضاء علي الفيروسات الكبدية، ضمن كتابها الإرشادي لعام 2017، الذي تم عرضه خلال الاجتماع الـ26 للجمعية الآسيوية الباسيفيكية لدراسة الكبد، وتم عرض تفاصيل نموذج قرية العثمانية كواحدة من القري التي أعلنتها مؤسسة الكبد المصري خالية من الفيروسات الكبدية، وأشارت المنظمة إلي أن الحملة قامت بفحص 98٪ من سكان القرية البالغين 3500 شخص من أصل 3573، تأكد إصابة 270 شخصًا منهم بفيروس سي.
• ما تقييمك لقانون التأمين الصحي الشامل؟
- بادرة أمل وحلم طال انتظاره لسنوات طويلة، لكن أعيب علي وزير الصحة أن القانون سيطبق في الدقهلية بعد 15 عامًا، وأُطالبه بإدراج الدقهلية ضمن المحافظات الأولي بعد مُدن القناة لتطبيق القانون لأن المحافظة تُعد الأولي علي مستوي الجمهورية في المجال الطبي، ونسبة نجاح القانون فيها ستكون 100 ٪.