شئون خارجية

مصر أمـّـنت مصالحها ضد أطماع تركيا وإسرائيل بالرافال والميسترال

الغاز.. حرب القرن في مياه المتوسط


محمد عبد الفتاح
2/13/2018 11:41:47 AM

اكتشاف حقل "ظُهر" في مصر أواخر 2015، كان الاكتشاف الأهمّ في عالم الغاز الطبيعي في البحر المتوسط. حيث إن احتواءه علي 30 تريليون قدم مربّعة يجعل منه الحقل الأكبر في مياه المتوسط، وانعكست آثاره المباشرة علي خمس دول. وفي إسرائيل، انخفضت أسهم شركات الطاقة مع إعلان الاكتشاف، ثمّ أُطبق الخناق علي حقلي "ليفياتان" و"تامار" مع إطلاق مصر مفاوضات مع "نوبل إنرجي" الأمريكيّة (المستثمر الوحيد للنفط في فلسطين المحتلة)، ما قلّل من خيار التصدير الإسرائيلي ودفع إلي مصالحة عاجلة مع تركيا التي تُعدُّ الأكثر احتياجاً للغاز.

ويعتبر البحر المتوسط من البقع المهمّة، حيث تتوزع فيه ثروة الغاز بين مصر وقبرص وفلسطين وسوريا ولبنان. وقد عبرت قبرص وإسرائيل أشواطاً مهمّة في هذا المضمار، حيث تتصدّران مشهد التنقيب عن الغاز في المتوسط، تليهما مصر، فيما لبنان وسوريا يراوحان مكانهما.
في البحر المتوسط، وتحديدا في المنطقة الواقعة بين قبرص ومصر وإسرائيل، تعمل مجموعة من الشركات العملاقة، أبرزها ENI الإيطاليّة في مصر وقبرص، وTotal الفرنسيّة في قبرص، وائتلاف Nobel Energy الأمريكية مع شركة Delek الإسرائيليّة، الذي كان يحتكر حقول الغاز في فلسطين المحتلة، علماً بأن Nobel Energy تعمل في قبرص أيضاً. هذه الشركات تمثّل مصالح مالية ضخمة، إلي جانب شركات أخري في العالم، وهي تمتلك قدرات فائقة للتأثير بسياسات الدول ومقارباتها النفطيّة، وتُسهم في تكييف خططها الجيواستراتيجيّة.
في المنطقة الاقتصادية الخاصّة بمصر، تعمل مجموعة من الشركات، حيث تملك ENI الإيطاليّة ست مناطق امتياز، من ضمنها سيناء وخليج السويس ودلتا النيل، وامتياز "ظُهر" ، وبدأت عمليات الاستكشاف فيه بإنتاج مليار متر مكعّب من الغاز عام 2017، وصولاً إلي 2.7 مليار متر مكعّب عام 2019. ولـBritish Petroleum البريطانيّة سبع مناطق، ولـEdison الإيطاليّة خمس مناطق امتياز، من ضمنها "نورس بور فؤاد" بالقرب من منطقة ENI.
وإذا كانت بعض الأصوات في مصر قد تعالت بالانتقاد إزاء شراء مقاتلات الجو الفرنسية "الرافال"، وحاملات الطائرات "الميسترال"، فإنه يتضح الآن مدي بُعد نظر القيادة السياسية في الإصرار علي اقتناء تلك القطع الحربية فائقة الأهمية، وفي هذا الإطار يمكن قراءة الرد الجريء الذي يُشع ثقة بالنفس وفي القدرة علي الردع، الصادر عن وزارة الخارجية المصرية الأسبوع الماضي، تجاه تصريحات صدرت عن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي قال إن بلاده لا تعترف باتفاقيات ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، وبناء عليه فإن أنقرة "تحذر من عمليات التنقيب عن الغاز".
فائدة كبيرة
في قبرص تعمل كلٌّ من ENI في البلوكات 2 و3 و9، Nobel Energy الأمريكيّة في البلوك12، حيث حقل أفروديت الذي يحوي نحو 5 تريليونات قدم مكعّب، وTotal الفرنسيّة في البلوك 11، حيث تشير المسوح إلي وجود كميّات هائلة من الغاز. أخيراً افتتحت قبرص دورة مناقصة ثالثة علي ثلاثة بلوكات جديدة (6- 8 -10)، فالجزيرة المتوسطيّة تطمح إلي أن تصبح مركزاً إقليمياً لتسييل غازها الطبيعي واحتياطيات إسرائيل ولبنان، وتصديرها.
في فلسطين المحتلة، تحتكر شركة Nobel Energy الأمريكيّة مع نظيرتها الإسرائيليّة Delek الغاز الفلسطيني. في يناير الماضي وقّع بنيامين نتنياهو قانون مكافحة الاحتكار النفطي، ما حتّم عرض حقلي "كاريش" و"تانين" للبيع بعد نزاع دام لأكثر من أربع سنوات بين جمعيّات مكافحة الاحتكار والحكومة الإسرائيليّة، وإجبار Delek علي بيع حصّتها من حقل "تامار" وخفض Nobel Energy حصّتها في الحقل نفسه من 37٪ إلي 25٪، مقابل رفع استثماراتهما في "ليفياتان" من 1.5 مليار إلي 4 مليارات دولار عام 2020 مايدفع شركات جديدة لشراء الحصص والحقول المعروضة للبيع.
بالنسبة لسوريا، فهي بدأت أعمال التنقيب في البر، إلا أن ما تكتنزه من غاز طبيعي مقابل شواطئ طرطوس يشير لثروة واعدة كفيلة بتحويلها لثالث أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم، وهو ما يراه مراقبون أحد عوامل الصراع المحتدم بين الدول الكبري فيها، والاهتمام الروسي بحماية قاعدتها العسكريّة في طرطوس، وتالياً المحافظة علي نفوذها ومصالحها الاقتصاديّة.
علي صعيد قبرص، وبعد أن انعكس التنقيب عن الغاز فائدة كبيرة علي اقتصادها، فإن كل الأنظار توجهت إليها وسرّع من عمليّة إعلانها لدورة عروض ثالثة لاستثمار 3 بلوكات جديدة (6- 8 -10 ). وتأثّرت به كلٌّ من روسيا وإيران، باعتبار الأولي المصدِّر الأوّل للغاز إلي أوروبا، والثانيّة أكبر منتج للغاز في العالم، إذ بات لهما منافس واعد علي أسواقهما العالميّة. هكذا تحوّلت منطقة "شروق" حيث حقل "ظُهر" إلي وجهة جديدة مهمّة لصراع شركات الطاقة العالميّة.
أما مصالح تركيا، فتكمن أولاً بالحصول علي مصدر جديد للطاقة، باعتبارها الأكثر استيراداً للغاز في المنطقة، وثانياً بتمرير خطّ أنابيب عبر أراضيها إلي أوروبا، خصوصاً أن تسييل الغاز لنقله عبر البواخر مكلف نسبياً في ظلّ تهاوي أسعار النفط العالميّة، بينما تمديد أنابيب من إسرائيل مروراً بقبرص ومنها إلي تركيا وصولاً إلي أوروبا يبقي الأجدي اقتصادياً، وهو أقل كلفة من أنبوب غاز قد يمتدّ من فلسطين المحتلة مروراً بقبرص واليونان، وصولاً إلي أوروبا.
 تاريخياً، بقيت منطقة شرق المتوسط، خارج دائرة استقطاب شركات النفط والطاقة، التي ركزت بقوة علي مكامن واحتياطيات الطاقة الأهم في المنطقة: أي في منطقة الخليج.
غير أن نتائج مسوحات جيولوجية جديدة جرت في مطلع الألفية الثانية أكدت وجود احتياطيات ضخمة من الغاز في حوض المشرق تقدر بـ 120 تريليون متر مكعب و1.7 مليار برميل من النفط. وقد جلبت تلك النتائج  معها تداعيات جيوسياسية جديدة، وكذلك عملية اصطفاف جديدة للقوي الإقليمية والدولية، ترافقت مع مزيد من التوتر فيها، ومع صب المزيد من الزيت علي حروبها، وخاصة بسبب الغياب الكامل للحدود البحرية، بين الكثير من دول منطقة شرق المتوسط.
علي خط الأزمة
 ويري محللون أن التدخل العسكري الروسي علي خط الأزمة في سوريا، ليس سوي تكريس للصراع الدائر علي مصادر الطاقة العالمية، وأن موسكو تريد أن تحكم سيطرتها علي إمدادات الطاقة إلي أوروبا، وتريد حصة من السيطرة علي حوض الغاز المكتشف في شرق المتوسط، بعد أن تمكنت من تحقيق سيطرة لا بأس بها من خلال خطي غاز "السيل الشمالي" و"السيل الجنوبي" اللذين يمدان أوروبا بنحو  40٪ من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
وتشير الدراسات إلي أن الغاز، وكذلك البترول، ولكن بشكل أقل،  موجودان علي عمقٍ واحد في شرق المتوسط، وفي حوضِ واحد، يمتد من شواطئ شبه جزيرة سيناء غربا، مرورا بشواطئ فلسطين ولبنان وسوريا وقبرص، وصولاً إلي تركيا، ولذلك فإن من يبدأ بالاستخراج أولاً، يكون بإمكانه أن يستخرج حصته وحصص الدول المجاورة من هذا الحوض، وهو ما باشرت به إسرائيل منذ سنوات بخلاف دول المنطقة الأخري المنشغلة بصراعاتها وبمشاكلها الداخلية.
وزاد من هذا الأمر أن الحدود البحرية بين دول المنطقة لم ترسم بعد، وليس من المتوقع في ظل الحالة الراهنة، أن يتم الاتفاق عليها قريباً نظراً للتغييب الكامل ولربما المتعمد لدور الأمم المتحدة في هذا الشأن. فإسرائيل تماطل في ترسيم الحدود البحرية مع لبنان ومع سوريا وأيضا مع الفلسطينيين، فيما تعترض تركيا بقوة علي  ترسيم حدود جزيرة قبرص البحرية مع عدد من دول الجوار، في ظل تكريس انقسام شطري الجزيرة منذ عام 1974 بحجة تهديد مصالح "جمهورية قبرص التركية" التي لا تعترف بها سوي أنقرة.
ويذهب محللون للقول، إن احتمالات حروب الماء التي كانت متوقعة في المنطقة، منذ أكثر من 3 عقود من الزمن، قد تراجعت لصالح حروب جديدة أكثر خطورة حول اكتشافات الغاز والنفط هذه.
لقد ظلت حدود هذه المنطقة، وبخاصة البحرية منها، قليلة الأهمية مقارنة بالحدود البرية المتنازع علي معظمها، وغير المرسمة، ونظرا لوجود حالة حرب غير معلنة أو هدنة مؤقتة بين العديد من دولها، لكن الاكتشافات الغازية، زادت بشكل كبير من أهمية الحدود البحرية ومن أهمية  منطقة شرق المتوسط ككل في السنوات الأخيرة.
مع بدء "إسرائيل" عام 2009 باستخراج النفط والغاز من مناطق شرق المتوسط، بات واضحاً أن هذه المنطقة أصبحت في قلب لعبة حرب الطاقة العالمية، وخاصة بعد أن أصبح من المسلمات، أن القرن الحادي والعشرين هو عصر الطاقة النظيفة. حيث إن المعلومات المتوافرة تقول إن هذا الحوض هو الأغني في العالم بالغاز ويؤكد معهد واشنطن أن سوريا، وبسبب طول شواطئها علي شرق المتوسط، يفترض أن تكون صاحبة الحصة الأكبر من الاكتشافات الغازية.
أول طريق الحرير
يقول الدكتور عماد فوزي الشعيبي، رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق، "إن معرفة السر الكامن في الغاز السوري، سيفهم الجميع حجم اللعبة علي الغاز لأن من يملك سوريا يملك الشرق الأوسط وبوابة آسيا، وأول طريق الحرير (حسب الصين) والأهم من يملك الدخول عبرها إلي الغاز يملك العالم خصوصاً أن القرن المقبل هو قرن الغاز". ويضيف، "بدأ التنافس علي الطاقة في منطقة حوض شرق البحر المتوسط يأخذ أبعادا جديدة مع ظهور وافد مستجدّ أضاف إلي معادلة الصراع القائم بين أقطاب التجاذب في تلك المنطقة وهي سوريا، مصر، تركيا، إسرائيل، قبرص واليونان، بعداً سياسياً يوظّفه هذا الطرف أو ذاك لتحويل وجهة مجريات هذه القضية المعقّدة بما يحفظ له مصالحه، وأضحي يُعتمد كمؤثّر أساسي خاصة فيما يتعلق بحقول الغاز المكتشفة حديثا.