شئون خارجية

بعد عودة 12 أمريكيا من سوريا والعراق

الدواعش العائدون قنابل موقوتة


دينـا توفـيق
2/13/2018 11:50:45 AM

عائدون تائبون، نادمون.. ضالون، مضطربون.. متخوفون من مصيرهم، يخيفون مجتمعاتهم. العالم يعرف من هم مقاتلي "داعش" من أعمالهم الإرهابية الوحشية.. يعرفهم من ترويعهم للآمنين في المناطق التي سيطر عليها التنظيم.. يعرفهم من أفكارهم الدموية ومعتقداتهم الجهادية.. ولكن هناك جانب آخر مخيف لمن يعود منهم إلي بلاده، حاملاً أفكاراً مشوهة، فاقداً إنسانيته وهويته.. ماذا نفعل معهم الآن؟ هكذا تساءل الكاتب الأمريكي "آندرو إيجر"، محرر مجلة "ويكلي ستاندرد" الأمريكية، عن كيفية التعامل مع المتطرفين الأمريكيين الذين حاربوا في صفوف داعش، عند عودتهم إلي الولايات المتحدة.

عندما قرر الشاب الأمريكي »مو»‬ أنه لم يعد بإمكانه العيش في الولايات المتحدة، فإن تنظيم داعش لم يكن الوجهة التي اختارها، وفقاً لقصته التي رواها مع للمجلة الأمريكية. في البداية، قال إنه يريد الهجرة إلي المملكة العربية السعودية للدراسة في جامعة المدينة المنورة، لكنه لم يتمكن من الدخول. ولكن من خلال نظام دعائي مضلل عبر الإنترنت أقنعه بأن »‬دولة الخلافة» تعد مجتمعاً إسلامياً جيداً يستطع فيه تكوين أسرة. وفي عام 2014، استقل طائرة إلي اسطنبول، وانطلق من هناك للانضمام إلي داعش. وقال »‬مو»: »‬ذهبت لأنني أردت أن أعيش في بيئة تعمل بأحكام الشريعة»، مضيفاً »‬بعض المسلمين يعيشون علي ما يرام هنا، ويجدون سبل العيش حياة إسلامية سليمة، ولكن في ذلك الوقت لم أكن واحداً منهم.»
وأدي النهج العسكري الذي تنتهجه الدولة الإسلامية إلي التسبب في صداع جديد للغرب: حيث يعود أبناؤهم الضالون إلي بلادهم، ومعهم أيديولوجياتهم المتطرفة والمعادية للمجتمعات. و»‬مو» هو واحد من 64 أمريكيا سافروا إلي الشرق الأوسط للانضمام للجماعات الإسلامية المتطرفة بين عامي 2011 و2015 (عاد منهم 12 فرداً منذ ذلك الحين إلي الولايات المتحدة). ووفقاً للدراسة التي أجرتها جامعة »‬جورج واشنطن» عن الدواعش العائدين إلي الولايات المتحدة من خلال برنامج التطرف، اعتباراً من 1 يناير 2018، لم ينجح أي من العائدين من سوريا والعراق في ارتكاب هجوم إرهابي في الولايات المتحدة بعد عودتهم. فيما تم ألقي القبض علي واحد فقط من بين 12 فرداً العائدين، وإحباط مؤامرة التخطيط لشن هجوم نيابة عن جماعة جهادية في سوريا.
وتكشف الدراسة عن بعض الحقائق حول الجهاديين الأمريكيين في سوريا والعراق، حيث تبين أن 89٪ منهم ذكور، ومتوسط أعمارهم عندما تركوا الولايات المتحدة 27 عاماً. وينتمي هؤلاء إلي 16 ولاية أمريكية، مع تركيز أكبر علي القادمين من مينوسيا ـ ما بين 2013 إلي 2017، عندما حاول ما لا يقل عن 17 مقيماً السفر عبر طائرات، ونجح سبعة في مغادرة الأراضي الأمريكية. وقد غرق أكثر من ثلث هؤلاء أثناء سفرهم بالبحر، وما زال 44 منهم أحراراً. وعاد 5٪ من هؤلاء المتشددين إلي أمريكا، دون أن توجه لهم تهم.
وقام معدو الدراسة الباحثين »‬ألكسندر هيتشنز» و»‬سيموس هيوز» و»‬بينت كليفورد» بتقسيم أولئك المتطرفين إلي ثلاث مجموعات. وتضم المجموعة الأولي ما يطلق عليهم وصف »‬الرواد»، وهم أمريكيون الذين لديهم علاقات قوية بالجماعات المتطرفة، وكثير منهم لديه خبرة عسكرية سابقة، والذين غادروا البلاد في وقت مبكر والتحقوا بتنظيمات مثل داعش، وصلوا إلي المناصب القيادية. كما باتوا منارات دعائية بالنسبة لغيرهم من الأمريكيين.
وأما المجموعة الثانية وأكبرها من حيث عدد المنضمين، هم أفراد من عائلة واحدة أو أصدقاء لمتطرفين الذين اعتمدوا علي علاقات شخصية لتسهيل رحلاتهم خارج البلاد. وقد سافر أولئك الهاربون علي شكل مجموعات لضمان تمكن بعضهم، علي الأقل، من الهروب من أجهزة الشرطة والأمن، ومن ثم المغادرة.
وأخيراً، كان هناك المسافرون المنفردون مثل »‬مو»، الذين مثلوا حالات نادرة لأشخاص استطاعوا السفر بمفردهم دون الحصول علي دعم أحد سوي أصدقاء عبر الشبكة العنكبوتية.
ولكن القوة الحقيقية للدراسة ليست في التعميم، ولكن من خلال القصص المحددة التي ترويها. وكما أشارت إلي »‬إن التطرف عملية معقدة؛ وما يصدق في حالة فرد ما، قد لا يصدق في حالة أخري». لذلك بعض الحالات كما توقعها الباحثون: مسلمون أمريكيون ساخطون، ولربما فقراء، ومستاءون من مجتمع يعتبرونه مجتمعا غير أخلاقي، وظنوا أن حياتهم ستكون أفضل في ظل الجماعات التي تأخذ من الشريعة ستاراً لها مثل داعش أو أمثاله».
تفاصيل كثيرة وغريبة كشفت عنها الدراسة، مثل قصة الأمريكي، »‬وارن كلارك» من ولاية تكساس، الذي تقدم بطلب للحصول علي وظيفة تدريس اللغة الإنجليزية في جامعة الموصل. حيث تقدم بسيرة ذاتية رسمية يقول فيها: »‬أنا أتطلع إلي الحصول علي منصب تدريس اللغة الإنجليزية للطلاب في الدولة الإسلامية»، وكتب »‬أعتقد أن المعلم الناجح يمكن أن يفهم نقاط القوة والضعف لدي الطلاب، وأنه قادر علي استخدام هذا الفهم من أجل مساعدة الطلاب علي بناء معرفتهم باللغة الإنجليزية».
فيما يقدر مسؤولو إنفاذ القانون الأمريكيون أن ما يقرب من 250 أمريكيا حاولوا الانضمام إلي داعش. ولم يغادر معظمهم الولايات المتحدة، مما أثار مخاوف من وقوع هجمات محلية أخري مثل الهجوم الذي وقع في ديسمبر 2015 في »‬سان برناردينو» بولاية كاليفورنيا. وقال حينها مساعد وزير العدل »‬جون كارلين»، كبير مسئولي الأمن القومي بوزارة العدل، لوكالة  NB»‬ الأخبارية الأمريكية إن التحقيقات مفتوحة في جميع الولايات الخمسين. ويشير تقرير الكونجرس الصادر عام 2015، إلي أن ما يقرب من 30 ألف شخص من جميع أنحاء العالم قد توجهوا إلي سوريا للقتال في السنوات الأخيرة؛ ومن بينهم نحو 250 أمريكيا ذهبوا إلي هناك وإلي العراق.
وتشيد دراسة »‬جامعة جورج واشنطن» بالقوانين الأمريكية التي فرضت لمنع السفر إلي الخارج لمن لديهم خطط للالتحاق بجماعات متطرفة. لكنهم يحذرون من أن مقاضاة المتطرفين العائدين ليست في حد ذاته حلا للمشكلة: لأنهم سيعودون إلي الشوارع في غضون سنوات قليلة. وحتي قبل الإفراج عنهم، يمكن للسجين المتطرف بسهولة إنشاء شبكات جديدة مع المدانين الآخرين. ويوصي الباحثون بضرورة وجود برامج لإعادة دمج المتطرفين في المجتمع، وربما بمساعدة من عائدين آخرين تخلوا عن تطرفهم.