تحقيقات

شوارعنا تستغيث .. "التطوير الحضاري".. مسؤولية من؟!


ياسين صبري
7/31/2018 12:47:00 PM

تعاني مصر من ظاهرة غياب التنسيق الحضاري للعديد من الشوارع والميادين التي أصبحت ترزح تحت وطأة الإهمال، فالنمو العشوائي للأحياء السكنية، والامتداد العمراني غير المخطط ساهم في رفع مستوي التلوث البصري الناتج عن التنافر في استخدام الأشكال المعمارية والألوان ومواد البناء، يضاف إلي ذلك الفوضي العارمة التي شوهت ملامح الأرصفة والطرق جراء كثرة التعديات والإشغالات المخالفة من أصحاب المقاهي والمحال التجارية والباعة الجائلين.


 وإن كان الجانب الحكومي يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن ذلك الوضع، إلا أن تراجع ثقافة المشاركة المجتمعية وعدم اهتمام السكان بالاعتناء بالمظهر الجمالي للبيئة المحيطة بهم يعد أحد أهم الأسباب التي ساهمت في تفاقم هذه الظاهرة بصورة ملحوظة.
وينظر البعض إلي الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية باعتبارها شريكة في مواجهة هذه الظاهرة نظراً لما تتمتع به من قدرة علي نشر مفهوم التنمية المجتمعية ورفع الوعي في مختلف المجالات، ما يمكنها من الوصول بأفكارها إلي شريحة واسعة من المواطنين وبذلك تزيد من نسبة المساهمة الشعبية في تحديد السياسات المحلية وتغيير الواقع العشوائي بها.
في هذا الصدد يشير أحمد متولي عضو إحدي الجمعيات الأهلية بحي الوايلي في القاهرة، إلي أن إشراك المواطنين في مسؤوليات التفكير والعمل الجماعي وتوعيتهم بأهمية العمل التطوعي من أجل تحسين مجتمعهم ينمي لديهم الروح الإيجابية وبمرور الوقت يتحول هذا الوعي إلي جزء لا يتجزأ من سلوكهم وتعاملاتهم في حياتهم اليومية.
كما لفت إلي أن المبادرات التي تتم من أجل تطوير منطقة الوايلي تلقي استجابة طيبة ومشاركة واسعة من المواطنين، حيث قال: من خلال جهودنا الذاتية تمكنا من تطوير ما يقرب من 3 عمائر قريبة من محيط ميدان العباسية بحي الوايلي وتم صيانة أرصفتها ورفع بعض الإعلانات الملصقة علي الجدران التي كانت تشوه مظهرها الجمالي وذلك بمشاركة العديد من سكان المنطقة.
ويطالب أحمد متولي بتبني مبادرات ضخمة تبث عبر وسائل الاعلام لحث المواطنين علي التفاعل بقوة مع حملات التطوير مع الزامهم بإحترام القوانين والتشريعات المنظمة للبناء.
فيما يشدد رفقي محمد رئيس إحدي جمعيات تنمية المجتمع بحي المنيب في محافظة الجيزة علي ضرورة وجود تواصل فعلي بين منظمات المجتمع المدني وبين الجهات الحكومية حتي يمكنها أداء رسالتها علي نحو كامل، لافتا إلي أن الجمعية عند تقديمها بعض الطلبات إلي الجهات المسؤولة يتم التعامل معها بلامبالاة غير مبررة، حيث قال: تقدمنا بطلب إلي رئاسة الحي من أجل رصف وتطوير بعض الشوارع إلا أن هذا الطلب اصطدم بتشعب المسؤوليات بين حي جنوب وحي العمرانية ما عطل جهودنا في هذا الصدد.
 ويري رفقي إمكانية تحويل فكر المشاركة المجتمعية إلي ثقافة سائدة من خلال الاستماع إلي مطالب سكان الأحياء ودراستها بدقة والعمل علي تنفيذها إذا ما كانت تصب في الصالح العام وأبرز مثال علي هذا هو إنشاء السوق الحضاري بمنطقة الكونيسة حيث تقدم العديد من السكان بطلب إنشاء سوق حضاري ليضم الباعة الجائلين وتم بالفعل عمل دراسة جدوي وبعدها أجريت مناقصة عامة لتتحول الفكرة إلي واقع تم تجهيز السوق بالفعل وتوزيع أماكن البيع حفاظاً علي المظهر العام للمنطقة.
في ذات السياق يؤكد المهندس خليل شعت مدير وحدة تطوير العشوائيات بالقاهرة علي أن دور الجمعيات الأهلية هو دور محوري مكمل للجهود الحكومية ومن خلال التعاون بين الطرفين يمكن إخراج أي مشروع تطوير حضاري إلي النور بصورة مثالية.
كما لفت إلي أن الوحدة تم إنشاؤها في نهاية عام 2006 بغرض تنسيق العمل في تطوير المناطق العشوائية ما بين الجهات الحكومية وبين منظمات المجتمع المدني، ولذلك تحرص الوحدة علي الانخراط في النسيج المجتمعي في كل منطقة تعمل بها من خلال التواصل مع الجمعيات الأهلية المحلية وبناء علي ذلك يتم التخطيط لمشروعاتها للتطوير الحضاري.
يتابع: النشاطات المشتركة بين وحدة تطوير العشوائيات والجمعيات الأهلية تختلف باختلاف المنطقة التي يتم العمل علي تطويرها، فهناك بعض المناطق التي نطلب فيها من الجمعيات القيام بدور توعوي في بعض القضايا مثل ترشيد استخدام مياه الشرب وتجميل الشوارع والمحافظة علي نظافتها، وفي مناطق أخري يكون دور الجمعيات حاضراً بقوة في ملف إدارة المخلفات، فهي العين التي ترصد مستوي أداء الخدمة التي تؤدي عن طريق الشركات المحلية لجمع القمامة وتستطيع إعطاء تقييم عادل لها.
وأضاف قائلاً: "بعض المواطنين يقومون بمبادرات للنظافة والتشجير في الشوارع والميادين التي يسكنون بها ونحن نشجع هذه المبادرات ونعتبرها جهوداً محمودة لكننا نفضل أن يتم تبنيها من خلال إطار منظم، بمعني أن يكون لدي رئيس الحي لجنة للمشاركة المجتمعية تضم أعضاء الجمعيات الأهلية النشطة بالتنسيق مع مديرية الشؤون الاجتماعية أو التضامن الاجتماعي في المحافظة".
وتشير ماجدة حشيش مدير العلاقات بالهيئة العامة للنظافة والتجميل بالقاهرة، إلي وجود دور كبير للهيئة في التوعية بأهمية المشاركة المجتمعية في التطوير الحضاري من خلال التنسيق مع قطاعات الهيئة المختلفة وهي النظافة والتجميل والإنارة والإنقاذ المركزي، حيث تم تكوين فريق عمل ضخم للتواصل مع المواطنين عبر مبادرات وندوات يتم إطلاقها في المدارس ومراكز الشباب والمساجد والكنائس، وأيضاً من خلال الحملات التطوعية وكان من بينها حملة "حلوة يا بلدي" التي شملت سبعة أحياء من بينها المعادي والمطرية والوايلي ومصر الجديدة.
تضيف: من خلال الندوات والحملات التطوعية نحاول ترسيخ مفاهيم معينة بداخل المواطنين أهمها تحويل السلوك السلبي من الإهمال واللامبالاة إلي طاقة إيجابية فاعلة لتنمية روح المشاركة والتطوير للبيئة المحيطة بهم كسلوك حضاري في المقام الأول، وقد دعمنا هذا التوجه عبر إقامة مسابقات لاختيار أفضل حي من الأحياء تحت إشراف الهيئة.
إدارة التوعية داخل الهيئة لها نشاط متصل مع الجمعيات الأهلية ومن خلالها يتم التواصل مع ربات المنازل لطرح بعض المبادرات مثل فصل القمامة من المنبع وتحويل بقايا الخضروات إلي سماد عضوي وهذه المبادرات تلقي ترحيباً واسعاً من المشاركين بها.
فيما يشير المهندس إبراهيم صابر خليل رئيس حي مصر الجديدة إلي أن أساس نجاح العمل في تطوير الأحياء بصورة شاملة هو تفعيل دور المشاركة المجتمعية عن طريق تشجيع المواطنين علي المشاركة في جهود التطوير بالرأي والفعل.
 يضيف قائلاً: "حصلت علي درجة الماجستير في مجال الإدارة العامة والمحلية عن رسالة تتعلق بتجربة الجمعيات الاهلية في تطوير العشوائيات، واتخذت من منطقة زينهم مثال واضح لهذه التجربة، وحتي عندما كنا نعمل في مشروعات تطوير عزبة خيرالله بدار السلام كنا نحث الجمعيات الاهلية الموجودة علي مساعدتنا ولو في مهام بسيطة كترميم دار للمناسبات، فما يساعدنا في الارتقاء بمستوي الخدمة المقدمة هو الدور المكمل للمجتمع المدني إلي جانب الاستماع إلي مقترحات المواطنين لتحديد المشاكل التي يعانون منها ومعرفة احتياجاتهم وأولويات التطوير الخاصة بكل حي علي حدة نظراً لأن أسلوب التطوير يختلف من منطقة لأخري.
أضاف، عدد كبير من مواطني مصر الجديدة لديهم وعي وثقافة مجتمعية، وهو ما تجلي في حجم المشاركة في المبادرة التي أطلقها محافظ القاهرة وتعرف بـ"خليك زي آدم" وهي تهدف لعدم إلقاء القمامة في الشوارع وتوعية المواطنين بأهمية النظافة حيث تم عمل احتفالات كبيرة بهذه الحملة في منطقة الكوربة وشارك بها عدد كبير من السكان وطلبة المدارس كما أن بعض المحال قامت بمبادرة لوضع صندوقين للقمامة أحدها مخصص للمخلفات للعضوية.
تابع، عندما توليت رئاسة حي مصر الجديدة لاحظت وجود رغبة من السكان في الحفاظ علي التراث المعماري لهذه المنطقة التي تم بناؤها علي يد البارون إمبان عام 1895 وإعادة النسق الحضاري لها كما كان سابقاً، ومن ثم قمنا بتبني مبادرة تعمل علي إحياء تراث مصر الجديدة بالتعاون مع بعض الجمعيات الأهلية وتحت إشراف جهاز التنسيق الحضاري المشرف علي المبادرة لترميم العمارات القديمة التي تتسم بطراز فريد، وقد تبرع بنك مصر بثلاثة ملايين جنيه لصالح عملية الترميم التي يتم العمل عليها حالياً، وقال: "لدينا توجه لتطوير حديقة الميريلاند بالتعاون مع شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير علي اعتبار أنها صاحبة حق الانتفاع بالحديقة ومن خلال التعاون مع منظمات المجتمع المدني استطعنا الانتهاء من المرحلة الأولي في تطوير الحديقة العامة ويتم العمل حالياً في المرحلة الثانية وهي الجزء الاستثماري الذي يضم البحيرات الصناعية والمطاعم".. واختتم: "هناك مهمة أخري نعمل عليها وهي تطوير منطقة المدرج الملكي للملك فاروق الذي كان يشاهد من خلاله سباق الخيول بتكلفة تبلغ 38 مليون جنيه لتتحول إلي ما يشبه المسرح المكشوف، يضاف علي ذلك الجهود التي تقوم بها وزارة الآثار لترميم قصر البارون تحت إشراف الهيئة الهندسية والمقاولون العرب".