شئون خارجية

»كارت أصفر« لأردوغان


صداع في رأس أردوغان

صداع في رأس أردوغان

خالد حمزة
4/9/2019 2:45:54 PM

علي الورق.. في تركيا فاز أردوغان والمتحالفون معه في الانتخابات المحلية الأخيرة، ولكن الواقع يرصد رسائل حملت تحذيرات لأردوغان القابع فى الحكم منذ أكثر من 17 عاماً، ما بين محافظ لإسطنبول العاصمة التاريخية للإمبراطورية العثمانية ورئيس للوزراء ثم حاكم بأمره لتركيا كلها، بعد تغييره النظام البرلمانى للرئاسي.


ورغم أن أردوغان مازال هو وحزبه رقما مهما فى السياسة التركية، لأنه لم يتلق هزيمة ساحقة، رغم خسارته للمدن والبلديات الكبرى وعلى رأسها: أنقرة وإسطنبول وأطنة وأزمير وغيرها، إلا أنه حصد هو وحزبه نحو 40 بالمائة فقط من أصوات الناخبين، فى مقابل صعود هائل للمعارضة والمتحالفين معها، ولشخص يدعى إكرام أوغلو صار يمثل صداعا فى رأس أردوغان.
والانتخابات المحلية التى تجرى كل 5 سنوات، وإن كانت لا تعد عاملا حاسما فى اللعبة السياسية الرئاسية والبرلمانية، وفى تولى المناصب العليا فى البلاد، إلا أنها تعطى بالتأكيد مؤشرات ودلالات على المزاج العام للناخب التركي.. ومدى القبول الشعبى لإدارة أردوغان وحكومته الحالية، خاصة أنها أول انتخابات يتم إجراؤها بعد تطبيق النظام الرئاسى الذى وافق عليه الأتراك فى أبريل منذ عامين.
وأول سؤال بعد الانتهاء من الانتخابات المحلية فى تركيا كان عن أسباب خسارة حزب العدالة والتنمية وحلفائه خاصة من التيار القومي، وكانت الإجابة أن هناك 5 أسباب رئيسية- كما تقول صحيفة الإندبندنت البريطانية- للخسارة وخصوصا فى المدن الكبري.. وأولها.. الأزمة الاقتصادية التى تعيشها البلاد منذ سنوات، وربما كانت هى كلمة السر فى كل ما حدث من تحول للناخب. وما تلاها من تدهور ملحوظ فى سعر الليرة التركية الذى بلغ ذروته فى منتصف العام الماضي، حينما فقدت الليرة نحو 75 بالمائة من قيمتها أمام العملات الرئيسية خاصة الدولار الأمريكى واليورو الأوروبي، وانعكس ذلك فى الميزان التجارى التركى مع العالم، وفى تجارة تركيا مع البلدان المجاورة والتى كانت أساسا لحجم تجارتها العالمية، وبالطبع أثرت العقوبات الاقتصادية التى فرضتها إدارة بوتين على تركيا، على نمو الاقتصاد التركى خلال العام الماضي، وهى الأمور التى أثرت فى النهاية على تدنى المستوى المعيشى للمواطن التركى وازدياد نسبة التضخم الذى وصل لأعلى مستوياته منذ عقود، مع زيادة البطالة بين الشباب خاصة فى المدن الكبرى وعلى رأسها إسطنبول، وهروب الاستثمارات الأجنبية، وكلها مؤشرات لم تكذبها الأرقام فى داخل تركيا وخارجها، وهنا طفت على السطح أهمية الانتخابات المحلية، فعلى الرغم من أن صبغتها السياسية غير مؤثرة عمليا على الأرض، إلا أنها ترتبط بالخدمات داخل البلديات التى تقدمها للمواطن العادي.. وهنا تبرز أهميتها كبديل للأتراك عن فشل السياسة الاقتصادية للدولة.. وثانى الأسباب: هو تراجع الحريات العامة والإعلامية بسبب إجراءات أردوغان وحكومته ضد الإعلاميين والمعارضين له ولحزبه ولحلفائه، ورفعه شعار »كل من يعارضنى هو إما معاد للدولة أو حليف لعدوه اللدود كولن المقيم فى أمريكا« وهو ما وسع دائرة المعارضة له، خاصة مع حملة الاعتقالات الواسعة للصحفيين التى طالت حسب تقارير دولية نحو 500 صحفى تركي، مع إغلاق العديد من دور الصحف أبرزها صحيفة زمان.. وامتداد تلك السياسة لتشمل المعارضين وحالات الفصل للعديد منهم فى كل مفاصل الدولة من القضاء للجامعات لسلك التدريس العادى للموظفين الحكوميين والبلديات، إضافة لفصل عشرات الآلاف أو إحالتهم للاستيداع من رجال الجيش والشرطة.. بدعوى التضامن أو الانضمام للانقلاب الفاشل ضده.. وأضف لذلك كله حملات أخرى شنتها الأجهزة الحكومية ضد نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد التحول للنظام الرئاسى الذى أعطى لأردوغان سياسات أوسع فى الحكم وفى إصدار القرارات المقيدة للحريات.. وثالث الأسباب: فشل سياسات التخوين التى قادها أردوغان وحلفاؤه ضد معارضيه خاصة من الأكراد الذين اتهمهم بالخيانة العظمى لتركيا وهو ما أثر سلبا على نتائج الانتخابات المحلية وصعود نجم الأكراد خاصة فى مناطقهم المحاذية للحدود مع إيران أو فى جنوب شرق البلاد.. وإن كان أردوغان وحلفاؤه قد فازوا فى مفاجأة لم تكن متوقعة بـ ٣ بلديات فى تلك المناطق  ذات الأغلبية الكردية المناوئة لأردوغان.
ورابع الأسباب: هو تحالف أردوغان مع الحركة القومية خلال الانتخابات، التى  مثلت عبئا انتخابيا على حزب العدالة والتنمية وهو مادفع الناخبين الأتراك إلى التصويت لمعارضى  حزب الحركة القومية.. وهو ما ظهر بشكل واضح فى المدن الساحلية التركية خاصة فى الغرب بداية من أنطاليا إلى إسطنبول التى صوتت للمعارضة خاصة مع تقديمها لمرشحين أقوياء هناك.
 أما آخر الأسباب: فهو أن المعارضة قدمت مرشحين أقوياء ضد أردوغان خاصة فى العاصمة أنقرة وإسطنبول وهنا برز اسم مرشح المعارضة إكرام إمام أوغلو الذى تفوق فى إسطنبول على رئيس الوزراء التركى السابق بن على يلدريم، ليحسم المعركة فى العاصمة الاقتصادية لتركيا، والتى تصدر وحدها نحو نصف صادرات تركيا كلها، وأثار صعوده الذى أطاح بالعدالة والتنمية فى المدينة التى كانت تحت سيطرته منذ عام ١٩٩٤، العديد من التساؤلات.. فالرجل  ـ حسب شبكة يورونيوز الأوروبية الإخبارية يتمتع بكاريزما طاغية «٤٩ عاما» وتخرج فى جامعة إسطنبول ودرس إدارة الأعمال وتولى رئاسة عدة مشاريع خاصة بالبناء وأسس نادى طرابزون لكرة  القدم من أفضل أندية الدورى التركي.. أما مسيرته السياسية فقد بدأت بعضويته بحزب الشعب الجمهورى المعارض منذ نحو ١١ عاما، عندما كان أردوغان رئيسا للوزراء.. ومع تولى  أردوغان للرئاسة كان هو محافظا لبلدية بيليكدوزو وهى أحد أحياء القسم الأوروبى من إسطنبول.. وهو ما أهله لنيل مقعد محافظ المدينة التى يسكن فيها أكثر من ١٥ مليون شخص، وينظر إليه الآن على أنه المرشح المنافس المحتمل أمام أردوغان فى الانتخابات الرئاسية القادمة بعد ٤ سنوات فقط.
هذه هى الأسباب والمؤشرات.. أما ماذا بعد  الانتخابات ونتائجها الصادمة لأردوغان وحلفائه رغم إعلانه الفوز بها على الورق، فهو تساؤل أجابت عليه صحيفة التايمز البريطانية بالقول  إن أمام أردوغان وحزبه ومن خلفهما حلفاؤه عملا كثيرا وكبيرا، للتغلب على تلك الصدمة خلال الأربع سنوات القادمة، وقبل الانتخابات الرئاسية، فهناك الحاجة لمراجعة السياسات الاقتصادية الداخلية وحل العديد من المشاكل  خاصة بين أوساط الشباب التركى وأبرزها: البطالة والركود والعودة لجذب الاستثمارات الأجنبية للبلاد خاصة الأوروبية والأمريكية والعربية.
ويضاف لذلك- كما يقول موقع دويتش فيلله الألمانى  فإن على حزب العدالة والتنمية أن يدرس وبعناية، خسارته فى المدن الكبرى مثل العاصمة أنقرة وبعض المدن الساحلية، إضافة لخسارته الرمزية لإسطنبول التى تعد معقل  الحزب.. والتى تمثل رمزية لأردوغان نفسه الذى بدأ فيها مسيرته السياسية كرئيس لها فى ستينيات القرن الماضي.. وهناك بالطبع أزمات حقوق الإنسان وحرية الصحافة ومطبات أردوغان الخارجية خاصة بالنسبة لموقفه من الأوضاع فى سوريا والعراق ومعاداته التاريخية مع الأكراد التى بقيت دون حل جذرى منذ وصوله للسلطة، وهناك إعادة النظر فى اختيارات أردوغان للمحيطين به ولحلفائه، وبالذات بعد انفضاض العديد منهم من حوله وتهديدهم له فى الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة وأبرزهم: عبدالله جول ووزراء اقتصاده وخارجيته وماليته السابقون.