الصفحة الأولي

الضباط الأحرار اجتمعوا في مقر «أخر ساعة» قبل ثورة يوليو


هـــادية الشـربيني
7/10/2018 11:14:21 AM

كشفت شريفة التابعي ابنة الكاتب الصحفي الراحل محمد التابعي، أن الضباط الأحرار كانوا يجتمعون في مكتب والدها بمجلة »آخرساعة»‬ قبل ثورة يوليو 1952 لاستشارته في بعض الأمور، وأضافت في حوار فتحت فيه صندوق الذكريات أن الكاتب الصحفي مصطفي أمين (رحمه الله) وهو صاحب اقتراح تسمية مجلة »‬آخرساعة» بهذا الاسم وأن والدها كافأه علي ذلك بمنحه »‬شلن».. وتحدثت ابنة أمير الصحافة المصرية، عن العلاقة التي جمعت والدها بالمطربة الراحلة أسمهان، وكيف تم انفصالهما بعد خطوبة فُسخت ثلاث مرات، كما ألقت الضوء علي التكريمات التي حصل عليها التابعي من الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات، بينما لامت نقابة الصحفيين علي تجاهله.. تفاصيل أخري في سياق السطور التالية:

• كيف بدأت رحلة الكاتب الكبير محمد التابعي في عالم الصحافة؟
- الكثير من المعلومات عن والدي رحمه الله في بداية حياته المهنية استقيتها من والدتي وأقاربي ومن أصدقائه وعدد من الكتاب الذين عاصروه في بداية المشوار وبداية اقتحامه لعالم الصحافة كانت مع فاطمة اليوسف من خلال العمل كناقد فني في مجلتها "روز اليوسف"، لكنه تحول بعد ذلك إلي الكتابة السياسية والتحليل السياسي وبفضل موهبته الفريدة انطلقت مجلة "روزاليوسف" ووصلت إلي عنان السماء حيث كان يديرها والدي من الألف إلي الياء.. وكان باعة الصحف والمجلات وقتذاك يرددون هذا النداء "التابعي وروزا يا جدع"، وذلك في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، وكان والدي شريكا فعليا في أرباح المجلة، فكان يحصل عليها مناصفة مع صاحبتها فاطمة اليوسف.
ميلاد آخر ساعة
• ما الأسباب التي دفعت الأستاذ التابعي للاستقلال عن فاطمة اليوسف وإصدار "آخر ساعة" التي بدأت قوية واستمرت علي هذا المنوال طوال هذه السنوات؟
- والدي أفصح لفاطمة اليوسف عن رغبته في أن يكون شريكا فعليا معها في ملكية مجلة روزاليوسف وليس مجرد شريك في الأرباح لكنها رفضت ومن هنا حدث  الخلاف وبدأ والدي في التفكير بأن يستقل بنفسه، لكن رغم هذا الخلاف فقد حزن بشدة حينما علم بنبأ وفاة فاطمة اليوسف، ونعاها بكلمات مؤثرة فقد كانت رفيقته في الكفاح في بداية حياته المهنية.
وبالفعل غادر والدي "روز اليوسف" مصطحبا معه الأخوين مصطفي وعلي أمين وصاروخان الذي كان من اكتشافه وبعضا من تلاميذه الآخرين وبدأت رحلة البحث عن اسم للمجلة التي يرغب في إصدارها وهنا بادر مصطفي أمين باقتراح اسم "آخرساعة" وهو الاسم الذي أعجب به والدي ومن ثم منح الأستاذ مصطفي أمين حينذاك مكافأة قيمتها "شلن".. وبدأ إصدار مجلة "آخرساعة" يوم 14 يوليو 1934 حيث اختار والدي هذا التاريخ ليتواكب صدور المجلة مع تاريخ قيام الثورة الفرنسية التي اقترنت بالدعوة للمساواة والعدل واحترام الحريات وحقوق  الإنسان.
إن نجاح "آخرساعة" بحيث أصبح لها اسم محفور في قلوب القراء يرجع إلي شخصية التابعي فقد كان صاحب مدرسة صحفية تتسم بالموضوعية والدقة والصراحة وهو كما قال عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل: يرجع إليه الفضل في منح الصحفي بمصر مكانته وتغيير نظرة الناس لمهنة الصحافة والنظر إليها باحترام بعد أن كان يطلق علي الصحفيين اسم "الجورنالجية".
وقال لي الأستاذ  أحمد رجب (رحمه الله) إن "آخرساعة" كانت بمثابة الابنة الكبري  للأستاذ محمد التابعي وكان فخورا بها.
وفي عام 1946 ونتيجة لمرض والدي الشديد حيث كان علي وشك الإصابة بانهيار عصبي لثقل المسئولية الملقاة علي عاتقه قرر السفر للخارج للعلاج ومن هنا انتقلت  المجلة إلي يدي الأخوين مصطفي وعلي أمين، وذلك من منطلق رغبة الأستاذ محمد التابعي في استمرارها واستكمال مشوار نجاحها.
إعادة طبع المؤلفات
في منزلها الأنيق بالزمالك تحتفظ شريفة التابعي بالعديد من مقتنيات والدها محمد التابعي: الطربوش الذي كان يرتديه، والأكمام التي كان يرتديها فوق ذراعيه عند قيامه بمهمة الكتابة، وصوره مع كبار الشخصيات كما أنها حرصت وبناء علي تشجيع من زوجها السفير محمد خيرت سفير مصر السابق لدي كولومبيا وقطر وكذلك تشجيع مجموعة كبيرة من أصدقائها ومحبي الأستاذ التابعي علي نشر العديد من مقالاته الصحفية والأدبية علي موقع إلكتروني خاص لكي يطلع الجيل الجديد من شباب الصحفيين والقراء علي أعمال هذا الصحفي العملاق.
• وهنا سألتها عن الأسباب التي دفعتها إلي إعادة طبع نسخ جديدة من أعمال والدها الأدبية؟
- والدي توفي عام 1976 وكنت وقتها لا أزال طالبة في كلية الإعلام جامعة القاهرة ولم أكمل عامي العشرين وكانت والدتي هي التي كانت تقوم بمهمة تصحيح المعلومات الخاطئة وما أكثرها بشأن أعمال والدي وقد بادر مجموعة من الأصدقاء بالاتصال بي عام 2007 وأبلغوني بأن مسلسل "الملك  فاروق" من الحلقة الخامسة وحتي الحلقة التي توفي فيها حسنين باشا اعتمدت بالكامل وبالنص علي ماورد في كتاب التابعي بعنوان "أسرار الساسة والسياسة" ومن هنا تحدثت مع الدكتورة لميس جابر مؤلفة المسلسل للاعتراض ولم يكن الغرض البحث عن ربح مادي بقدر حفظ الحق الأدبي لوالدي فقد كان لابد أن يتم ذكر المصادر التي اعتمد عليها المسلسل في استقاء المعلومات عن هذه الفترة التاريخية، كما أنني اعتبرت نفسي مسئولة عن ذلك، لاسيما أن أخي قد توفاه الله عام 2001 وبعد ذلك ذهبت للأستاذ  محمد حسنين هيكل (رحمه الله) فاقترح علي إعادة طبع الكتاب وحرص علي أن يكتب بنفسه مقدمة له وذلك في نهاية 2007 ثم أعيد طبع الكتاب في دار الشروق عام 2008 كما تم إعادة طبع كتاب "أسمهان تروي قصتها" عام 2010 لاسيما أن مؤلف  مسلسل أسمهان الكاتب الصحفي سعيد أبوالعينين اعتمد في كتاباته علي 80٪ من المعلومات الواردة بهذا الكتاب والذي كتبه والدي محمد التابعي عن أسمهان.
علاقته بأسمهان
• كيف كانت طبيعة العلاقة بين التابعي والمطربة الراحلة أسمهان؟
- ارتبط والدي رسميا بأسمهان في الأربعينيات من القرن الماضي وقد كانت علاقة خطوبة ونستطيع القول إن العلاقة بينهما كانت عاصفة فقد فسخ خطبته معها مرتين لكن فسخ الخطوبة للمرة الثالثة كان حاسما وبلا عودة وقد أشارت إحدي الصحفيات اللبنانيات إلي أن أسمهان لم تحب أحدا كما أحبت التابعي وقد حاولت المستحيل حتي يعود إليها لكن رفضه كان قاطعا.
وكان والدي لا ينادي أسمهان طوال فترة الخطوبة الرسمية إلا باسمها الأصلي "آمال" لكن بعد فك الارتباط  لم يذكرها إلا باسم "أسمهان" وهو الاسم الفني  لها..
ومن الحقائق التي تم ذكرها لي أن أسمهان في يوم حادث وفاتها كانت ذاهبة إلي رأس البر رغبة منها في مصالحة والدي ولكن والدي بمجرد معرفته بذلك استقل القطار عائدا للقاهرة وعندما بلغه نبأ وفاتها قال سمعنا بمقتل أسمهان وبالرغم من صداقته مع فريد الأطرش اكتفي بإرسال برقية عزاء ولم يشارك في مراسم العزاء.
الزوج والأب
• تزوج التابعي في سن متأخرة من السيدة "هدي التابعي" التي كانت تصغره بسنوات عديدة عام 1952 مع قيام ثورة يوليو فكيف كان التابعي الزوج والأب وما الأسباب التي أقنعته بأهمية الزواج بعد سنوات العزوبية الطويلة؟
 -  تعرف والدي علي والدتي كان بسبب الكتاب الذي ألفه عن أسمهان فقد اعترضت والدتي علي أسلوبه القاسي في كتابته عن أسمهان فحادثته وذهبت إليه في مكتبه مع أحد أقاربها لتناقشه في هذا الأمر وأعقب ذلك اتصال هاتفي بينهما ونمت بعد ذلك المشاعر بينهما وتم الزواج بعد عام ونصف العام في عام 1952 الذي أسفر عن ميلاد  أخي محمد وأنا الابنة الصغري.
إن والدي كان أبا حنونا للغاية وكانت أمي هي التي تقوم بالدور الصارم في التربية وكان هو الأكثر لينا في التعامل معي ومع أخي الذي توفاه الله عام 2001.
وفي حقيقة الأمر فإن أسلوب أبي الناقد قبل الزواج شيء وبعد أن أصبح رب أسرة شيء آخر فعندما كان غير متزوج ولم تكن لديه أي مسئوليات سوي نفسه وعمله كان أسلوبه في المعارضة يتسم بالقوة ولكن فيما بعد وبعد قيام ثورة يوليو وهو كان من المؤيدين لها فقد كانت معارضته ونقده يتسم بالهدوء وبالتلميح دون التصريح وعدم ذكر الأسماء بعينها كما كان يفعل في الماضي.
تكريم التابعي
ووفقا لرواية شريفة التابعي فإن الأستاذ التابعي كانت له اتصالاته القوية في عهد  الملكية وكانت له علاقات جيدة مع الضباط الأحرار وكانوا يجتمعون في مكتبه في "آخرساعة" لأخذ رأيه الاستشاري في بعض الأمور وقد تم تكريمه من الرئيس الراحل  جمال عبد الناصر ومن الرئيس الراحل  محمد أنور السادات ولكن الأخير قام بتكريمه بعد وفاته وقد استلمت درع التكريم نيابة عنه كما تم تكريم والدي من نقابة الموسيقيين في المغرب وتم تكريمه أيضا في ثلاث مدن مغربية.
ووجهت شريفة التابعي عتابا لنقابة الصحفيين المصرية حيث إن والدها كان من أوائل المؤسسين لها وكان عضوا في أول مجلس نقابة للصحفيين ومع ذلك فإن نقابة الصحفيين لم تكرمه حتي الآن.
وقالت: التابعي هو أمير الصحافة المصرية عن جدارة وقد كسب ود واحترام الجميع ولم يتراجع قط عن كلمة كتبها أو قالها وأذكر أنه كتب ذات مرة مقالا شديد اللهجة عن الاتحاد السوفيتي إبان فترة حكم عبد الناصر وقد كانت العلاقات المصرية السوفيتية حينذاك في أوج قوتها ومن ثم اتصل مدير مكتب الرئيس عبدالناصر بالمنزل لكي يطلب من والدي تغيير بعض الأجزاء من المقال وتصادف أن والدي كان نائما ووالدتي هي التي تلقت الاتصال الهاتفي ولمعرفتها القوية بشخصية زوجها قالت للمتحدث أنا أتحدث بالنيابة عنه.. إذا لم يُنشر المقال كما هو فمن الأفضل أن يتم حجبه لأن التابعي لن يغير أي كلمة كتبها أو قالها وهذه هي رسالته.
وعندما أبلغ مدير مكتب عبد الناصر هذه الرسالة للرئيس الراحل عاود الاتصال بوالدتي بعد نصف ساعة وأبلغ والدتي بأن الرئيس عبد الناصر وافق علي نشر المقال كما هو.
وذكرت شريفة التابعي أن فكرة التبرع بالذهب ودبل الزواج عقب حرب عام 1967 كانت فكرة والدها وتبنتها كوكب الشرق السيدة أم كلثوم كما أن قطار الرحمة كان من بنات أفكاره أيضا فقد كان وطنيا ومخلصا للوطن ولمهنة الصحافة التي أحبها وأعطاها حقها.
ثروة فنية
ومن الجدير بالذكر ووفقا لتصريحات شريفة التابعي وزوجها السفير محمد خيرت فإن الأستاذ التابعي  وعلي مدي عشرين عاما كان يستضيف أمسيات فنية في منزله لكبار الفنانين أمثال أم كلثوم وليلي مراد وسليمان نجيب ومحمد عبدالوهاب ورياض السنباطي ومن الشعراء والكتاب مثل كامل الشناوي وتوفيق دياب وغيرهم حيث أسفرت هذه الأمسيات عن ثروة فنية نادرة تم تسجيلها فكان زكريا أحمد يغني فيها من ألحان سيد درويش وعبدالوهاب وقرينته وآخرون ينشدون أغاني من فيلم "غزل البنات" وأم كلثوم تغني أغنية "الأمل" في الحادية عشرة والنصف في مساء 1 ديسمبر 1949، وغيرها من مقتنيات تراث فني نادر وقد أهدي التابعي ثروته الفنية تلك إلي الإذاعة مسجلة علي 24 شريطاً وكان يقدمها التابعي يوميا علي مدي ليالي رمضان الثلاثين، وحرص علي أن يحصل علي تعهد من الإذاعة بحماية هذه التسجيلات النادرة وهي التي قالت عنها الراحلة آمال فهمي: "إننا لو بعنا الإذاعة لما استطعنا أن نفي بحق التابعي مقابل ثروته الفنية".