الصفحة الأولي

الرسول (صلي الله وعليه وسلم) وضع أسس الدولة الجديدة

المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية الشريفة


حســن عـــلام
9/11/2018 11:01:41 AM

مع قدوم الهجرة النبوية الشريفة أصبحت المدينة المنورة مهوي أفئدة المسلمين من كل أرجاء الأرض، لتنشر النور والضياء والهدي للعالم كله، حيث تعيش الأسرة الإسلامية التي شكلها رسول الله (ﷺ) من طوائف شتي وفئات غير متجانسة، وأضحت عاصمة فعلية للثقافة الإسلامية منذ أبدع أهلها الأنشودة التاريخية الخالدة: (طلع البدر علينا)..
والسطور التالية تحكي تاريخ المدينة المنورة في مسار تحولات البشرية من القبلية المشتتة المتصارعة إلي الأمة الموحدة بعد هجرة رسول الله (ﷺ).

بدأت "إسلامية" المدينة المنورة منذ أشرقت أرضها بنور ربها مع هجرة النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) ، هكذا يتحدث المفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور عبدالله التطاوي (مقرر لجنة النهوض باللغة العربية برابطة الجامعات الإسلامية، نائب رئيس جامعة القاهرة مستشار مصر الثقافي بالسعودية سابقا)، حيث استقبلته المدينة علي إيقاع الأنشودة التاريخية الخالدة:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا ياخير داع
منظومة القيم العليا
ليضع الرسول (صلي الله عليه وسلم) أسس الدولة الجديدة، ويبني مرتكزات الأمة الوليدة عن هدي من الله علي جميع المستويات السياسية والحربية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، بما فيها من المعاهدات والدساتير والقيم والأعراف والثوابت، إلي جانب البناء التأسيسي لمنظومة القيم العليا حول مداخل الخير والحق والجمال، مع رفعة الأخلاق التي دعا إليها المعجم الإسلامي للمجتمع الجديد والأمة الفتية والدولة الوليدة.
ويؤثر تاريخ المدينة المنورة في مسار تحولات البشرية من القبلية المشتتة المتصارعة إلي الأمة الموحدة، ومن ظلام الشرك والوثنية والظلم والقهر والاستبداد إلي مجتمع السلام والإخاء والمساواة والعدل والرحمة، مع غيرها من أخلاقيات الإسلام الحنيف، مما أجاد فيه المبدعون عرضا وتصويرا، لاسيما من شعراء مدرسة المدينة المنورة.
تاريخ بكل هذه الخصوصية زاخر بتلك العراقة، وذلك التفرد والتميز، يظل دافعا لتدارس القيمة الثقافية العليا للمدينة المنورة، وإعادة قراءة الطبيعة النوعية لمجتمعها الرحب.
مجابهة الشرك والإلحاد
في ضوء حركة التحولات الكبري التي شهدتها أرضها وأهلها علي مستوي مجابهة معسكر الشرك والإلحاد في مكة في عصر المبعث، إلي ما تلاه من تمهيد الأرض الطيبة لتكون عاصمة الأمة الإسلامية علي مدار ما بقي، للرسول الخاتم (ﷺ) قائدا للأمة من عصر الرسالة، إلي ما تلاه من تاريخ الخلافة الراشدة، مما يستحق معاودة تلك القراءة والمراجعة والتأمل والدراسة والتحليل من باب التذكير بالتاريخ الحافل، وما شهدته الأرض الطيبة من امتداد طيب، وما ينتظرها من مستقبل أكثر إشراقا.
لقد صاغت المدينة المنورة مفاهيم المشترك الإنساني بين شعوب الأرض، حيث ازدهرت فيها التجربة الإيمانية، وارتقي لدي أهلها التصديق برسالة المصطفي (ﷺ) منذ حرص علي مقابلة الوفود خارج مكة حين جاء رسل "الأوس" فدعاهم للإسلام، فآمن به منهم ستة نفر، ثم تمت بيعة العقبة الأولي، ثم الثانية حيث تم الاتفاق علي هجرته (ﷺ) إلي المدينة المنورة منذ رحب "اليثربيون" به وبالمهاجرين معه.
رحلة الهجرة المباركة
بعدها ودع مكة "الوطن الأول" مؤكدا أنها أحب البلاد إلي نفسه، ولولا أن أهلها أخرجوه منها ما خرج، فكان الخروج، وكانت رحلة الهجرة المباركة {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم}.
واستمرت الرحلة الإيمانية بنصر الله ورعايته إلي "يثرب" إحدي القري الخمس التي ذكرها "ابن سلام الجمحي" في طبقاته حيث قدمها علي الأربع الأخري (علي حد تعبيره) بأن أشعرهن قرية "يثرب" تلك التي تحولت مع فجر الإسلام وانبلاج نور الهداية والرشاد إلي طيبة وطابة علي ما ذكره عن الرسول (صلي الله عليه وسلم) لتبدأ منها انتصارات الرسالة والرسول، مع انتشار صيغ التآخي وذيوع مبادئ المساواة وقيم الحرية التي تعد مدخلا طبيعيا هاديا لرسم سماحة المشترك الإنساني..
في حب الله ورسوله
بعيدا عن العصبية والأنساب ورابطة الدم إلي حيث تسود الرابطة الروحية في حب الله ورسوله (صلي الله عليه وسلم) ، فكان ذلك النصر المؤزر الذي حققه له الله بعد رحلة شاقة تجلت فيها صور العناء منذ قصة غار ثور، وصور الأفعي التي لسعت أبابكر في الغار، إلي مشهد الغدر لدي سراقة وأمله الخائب في قتل رسول الله (صلي الله عليه وسلم) ، إلي خيمة أم معبد وظهور بركة المصطفي عليه الصلاة والسلام إبانها، إلي بناء المسجد المبارك إشارة إلي بدء تعميم الرسالة السماوية.
هنا بدأ خيط المشترك الإنساني ينبعث ويشع من قلب المدينة المنورة إلي كل أرجاء الأرض الواسعة، فهاهو الرسول الخاتم (صلي الله عليه وسلم) يعلن حبه للمدينة والأنصار..
دعوة الرسول للأنصار
وقد عوضه الله خيرا بدار الهجرة بمثل ذلك الاستقبال وتلك الحفاوة، فدعا لهم بالخير جزاء ما أظهروه له من الحب والإيثار حيث يتولون حمايته مما يحمون به أنفسهم وأبناءهم ونساءهم..
{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.
فكانت البذرة الأولي لصناعة ذلك المشترك الإنساني في ذوبان الفروق، واختزال الفواري بين المهاجرين والأنصار بمقتضي منطق الإخاء الروحي في الإسلام، واقتسام لقمة العيش بين الرفاق إلي الحد الذي دفع كعب بن مالك الأنصاري "مثلا" إلي سؤال رسول الله (ﷺ) عن الموقف إذا ما مات أخوه في الله لينزل الوحي مؤكدا حق الإرث الشرعي في سياق النسب الحقيقي فحسب وأولو الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله..
سلمان من آل البيت
وغير خفي علي المسلم، ما كان من أمر ذلك التلاقي المبكر لدي رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في صياغة ذلك المشترك الذي لم يفرق في المعاملة بين حبشي (بلال)، ورومي (صهيب)، وفارسي (سلمان)، بل ارتقي أمر سلمان لأن يضمه الرسول إلي آل البيت حين حار القوم في تصنيفه بين مهاجر وأنصاري، ليفيد برأيه ومشورته في حفر الخندق في غزوة الأحزاب التي كفي الله فيها المؤمنين القتال من خلال ريح عاصف هبت علي جند الأحزاب..
بدأت من هنا إطلالة المشترك الإنساني عبر دورها الرحب من حب الرسول (صلي الله عليه وسلم) دار الهجرة بعد حبه الجارف لوطنه الأول مكة والتي اضطر إلي الرحيل منها لاستكمال رحلة نشر الدعوة، ومتابعة عطائها، ومواصلة حركة الجهاد التي أهله الله لها، ومن حوله المهاجرون والأنصار علي قلب رجل واحد، لتتحول دار الهجرة علي يديه (صلي الله عليه وسلم) من مجرد مدينة إلي عاصمة أولي لأمة الإسلام التي أكرمها ربها بخطاب الأمة بديلا عن نظام القبلية.
التشرذم قبل الإسلام
وبمنأي عن مشاهد التشرذم الجاهلي قبل الإسلام، الذي كاد أن يقضي علي الفهم المحدود لأبسط مبادئ المشترك حتي بين القبائل التي عاشت حالات من التصادم والصراع والحروب الطوال من أجل أتفه الأسباب في حرب البسوس أو داحس والغبراء، وحتي يوم ذي قار بكل ما تدل عليه من حالات التمزق والانشطار البشري قبل مجيء الإسلام الذي وحد الأمة في ظلال مفهوم المشترك بكل صوره ومساحاته ومجالاته.
وحققت وثيقة المدينة المنورة بكل المقاييس أرفع مستوي للتوافق المجتمعي، بقدر ما حققته وضمنته من سيادة قيم المشترك الإنساني رفيع المستوي، حين تجمع الصياغة بين أهلها علي اختلاف فئاتهم بين مشركين اعتبروا من أهل المدينة فلهم حقوق وعليهم واجبات منها: أنهم لا يجيرون مالا لقريش، ولا يحولون دونه علي مؤمن، وذلك بالطبع باعتبار قريش عدوا للمسلمين، وهناك اليهود من قاطني المدينة، ثم هناك الأنصار والمهاجرون من المسلمين..
بالحكمة والموعظة الحسنة
 كما يأمر بالدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وهو دين البلاغ للناس كافة بشيرا ونذيرا ورحمة بهم.
هكذا ظهرت الأمة ذات اللغة الموحدة والدين الواحد والأصل المشترك من منظور الفكر الجديد الذي رسخه الرسول (صلي الله عليه وسلم) علي مدار عشرة أعوام قضاها بالمدينة أنجز خلالها الكثير، ومنه علي سبيل الأمثلة:
- كان يرسل الرسل بالدعوة إلي ملوك الأرض من خلال الإقناع بالمشترك الديني مع أهل الكتاب..
- وثيقة المدينة التي صاغ من خلالها أعلي مشاهد ذلك المشترك، مع تعظيم رموز المواطنة في إطار مفاهيم الحقوق والواجبات بما يطمئن أهل الكتاب علي ممتلكاتهم ومصالحهم ودينهم وشعائرهم ووطنهم.
- عقد المعاهدات وصور الصلح الداعمة لنشر الإسلام وإشاعة الأمن في ربوع الأقاليم المفتوحة، مع احترام المواثيق ونصوص تلك المعاهدات..
- قيادة الجيوش من خلال التعاليم الإسلامية من الرسول (صلي الله عليه وسلم) والصحابة بكل ما فيها من صور معاملة النساء والشيوخ والأطفال حتي الأشجار..
- تعليم أبناء الصحابة من المهاجرين والأنصار لضمان استمرارية مشروع المشترك بكل أبعاده..
ويؤكد الدكتور عبدالله التطاوي: والجامعة الإسلامية التي تولي رئاستها علماء عظام ومن أبرزهم المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد العقلا قامت بدور عصري بارز في دعم مسألة المشترك الإنساني التي أسس لها عصر النبوة في المدينة المنورة كمركز للإشعاع الديني، هذه الجامعة العريقة التي بلغت من سنها مرحلة النضج والاكتمال علي مدي أكثر من نصف قرن، وأعطت للعالم الإسلامي في كل أرجاء الدنيا بلا حدود.