القدس لنا

»أحمق« يزعزع استقرار العالم ترامب أطلق رصاصة الرحمة علي »أوسلو«


العالم انتفض غضباً ضد قرار ترامب

العالم انتفض غضباً ضد قرار ترامب

محمد عبدالفتاح
12/12/2017 12:27:25 PM

بقراره عاد كل شيء إلي سيرته الأولي.. محلات ومدارس أغلقت أبوابها.. شوارع يتصاعد غضبها مع دخان إطارات محترقة، وقنابل غاز مسيلة للدموع.. في شوارع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وبيت لحم والخليل وخان يونس.. بوادر انتفاضة ثالثة لا أحد يستطيع التنبؤ إلي أي مدي يمكن أن تصل، حيث إن المحتجين علي قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتبار مدينة القدس عاصمة لإسرائيل، نزلوا من تلقاء أنفسهم، بعيداً عن توجيهات القادة السياسيين، يحركهم في ذلك إحساس بالظلم والغبن تجاه قادة العالم أجمع، الذين اكتفوا بكلمات شجب واستنكار في مواجهة واحدة من أكبر عمليات السطو المسلح علي ممتلكات ومقدسات وتاريخ وتراث شعب.

وحده في مواجهة الجميع.. هكذا هو دونالد ترامب الذي تجاهل كل التحذيرات، المهذب منها وشديد اللهجة، من قادة ورؤساء العالم، بل ولم يلق بالاً لتوسلات بابا الفاتيكان، ووقع قرارا اعترفت بموجبه الولايات المتحدة الأمريكية بمدينة القدس قاطبةً عاصمةً لإسرائيل.. ردود الفعل الدولية  الساخطة الغاضبة الرافضة للقرار، حتي من بريطانيا حليف أمريكا البروتستانتي السياسي التاريخي عبر كل العصور وفي كل القرارات وصاحبة وعد بلفور المشئوم في 1917 أكدت لمن كانوا يشككون، أن الرئيس الأمريكي لا يتورع عن ارتكاب أي محرمات.
من الواضح أن أمريكا ترامب لا تكتفي فقط بقرارات أحادية الجانب، وتجاهل مشورة حلفائها الأقربين، بل هي أيضاً تفكك نظاماً للعلاقات الدولية شيدته بنفسها عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، فإعلان ترامب عن القدس ليس سوي انتهاكاً صارخاً للدبلوماسية عموماً كوسيلة لتسوية النزاعات.
بموجب اتفاقية أوسلو، الموقعة عام 1993 برعاية الولايات المتحدة، بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، فإنه يجب علي تل أبيب التفاوض بشأن الوضع المستقبلي لمدينة القدس ضمن أي إطار لتسوية سلمية. وكان العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، محقاً تماماً حينما أشار إلي أن " القدس قضية مفصلية من أجل الوصول إلي السلام والاستقرار في المنطقة وفي العالم أجمع"، ولكن ما فعله ترامب هو أنه أطلق رصاصة الرحمة علي أوسلو، لا سيما أن العملية السلمية متوقفة برمتها منذ سنوات.
بإشعاله شرارة القدس من جديد، فإن الرئيس الأمريكي سكب مزيداً من الزيت علي النار، وذهب باتجاه توتر متصاعد في منطقة تسبح بالفعل فوق برميل بارود، واكتفي بتسريب خبر هزلي لوكالات الأنباء مفاده أنه يجهز خطة جديدة للسلام، ولا شك أن نائبه مايك بينس، الذي سيزور المنطقة خلال أيام، لن يكون مرحباً به إلا في دولة الاحتلال.  
أسوأ ما في قرار ترامب، هو أنه كرس سياسة الأمر الواقع التي يفرضها بنيامين نتنياهو، فإذا كانت الحكومة الإسرائيلية مقيمة بالقدس الغربية منذ عام 1948 فإن القدس الشرقية كانت بالكامل عربية حتي عام 1967 ولكن منذ ذلك التاريخ، وبفعل سياسة استيطانية ممنهجة من حكومات الاحتلال المتعاقبة، أصبح أكثر من 200 ألف إسرائيلي ضمن التركيبة السكانية للقدس الشرقية، بما يجعل وضع المدينة بالغ التعقيد عند الحديث عن أي تسوية سياسية.
في كلمته، التي أعلن خلالها القرار، قال ترامب: "القدس الغربية هي عاصمة إسرائيل.. هذا أمر واقع"، ولكنه تجنب بعناية، لا تخطئها أذن مراقب، ذكر القدس الشرقية واحتمالية أن تكون عاصمة لدولة فلسطينية، وهو ما يعني ضمناً أنه صدق أيضاً علي مستوطنات القدس الشرقية باعتبارها "أمرا واقعا"، في تحد واضح واحتقار صارخ للقانون الدولي. إذا فليس فن الدبلوماسية فقط، بل والقانون الدولي أيضاً، ليسا ضمن معايير السياسة الخارجية الترامبية، ولا شيء يسيطر علي تفكيره سوي أنه يريد إحداث قطيعة مع كل أسلافه في البيت الأبيض، وإرضاء المسيحيين الإنجيليين واللوبي الموالي لإسرائيل.
قائمة التعهدات الدولية التي أدار ترامب لها ظهره، منذ دخوله البيت الأبيض في يناير الماضي، تطول وتمتد لتطال اتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادي، واتفاقية باريس للمناخ، والاتفاق النووي الإيراني، فضلا عن انسحابه مع الإسرائيليين من منظمة اليونسكو، وبرود المندوبين الأمريكيين في التعامل مع منظمة التجارة العالمية، ومؤخرا الميثاق العالمي لإدارة شئون اللاجئين والمهاجرين الذي تبنته الأمم المتحدة. ويٌضاف إلي كل ذلك خطابه المنتقد لنظام عالمي متعدد الأطراف، في أثناء كلمته أمام اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، ووفقاً لدبلوماسي فرنسي تحدث لصحيفة لوموند دون أن يكشف عن اسمه، فإن تلك القائمة طويلة بما يكفي ليدرك أصدقاء الولايات المتحدة وحلفاؤها، قبل العرب، أن العالم بأسره في مواجهة عصر جديد، تتصدره إدارة فيدرالية أمريكية علي رأسها رجل، وصفه وزير خارجيته ريكس تيلرسون في إحدي جلساته الخاصة بأنه "أحمق"، ومن الواضح أن هذا الأحمق لا يشغله كل صباح سوي البحث بكل ما أوتي من قوة عن أي شيء يزعزع استقرار العالم.
واجهة الأحداث
المـــواجهــــــــــــــــات بـيـن الشــــــــــــباب الفلســـطـــــــيـنــي وقوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي أسفرت حصيلتها في أيامها الأولي عن ارتقاء 4 شهداء وما يقرب من 1100 جريح، هي أحد فصول مسرحية درامية عنيفة في الشرق الأوسط، وقرار ترامب الصادر يوم السادس من ديسمبر الجاري أعاد المأساة الفلسطينية إلي واجهة الأحداث، بعدما طمستها مسلسلات دامية ضمن ما عُرف بالربيع العربي.
مراسل صحيفة لوموند الفرنسية بالمدينة المقدسة ذهب مساء الجمعة الماضي لمقابلة الشيخ عكرمة صبري، مفتي مدينة القدس وإمام المسجد الأقصي، في منزله بأعلي قمة جبل الزيتون.. كانت علامات الإرهاق محفورة في ملامحه وكان من الواضح أنه لم يذق طعم النوم لأكثر من 48 ساعة لم يتوقف خلالها هاتفه المحمول عن الرنين، وبصوت منهك، قال الشيخ عكرمة: "بالطبع لا نثق في الوعود الأمريكية بالحفاظ علي وضعية أماكن العبادة".  وتابع: "لن يتراجع الأمريكيون عن قرارهم إلا لو شعروا أن مصالحهم في الأراضي المحتلة مهددة.. في يوليو الماضي أجبر فلسطينيو القدس الشرقية نتنياهو علي التراجع عن قرار البوابات الإلكترونية، بينما كان سكان الضفة الغربية يراقبون عن بُعد".
تسريع وتيرة المصالحة
في أثناء حفل عشاء للصحفيين الغربيين جري في مدينة بيت لحم، تحدث قال محمد شتية، القيادي بحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، لأول مرة أمام المراسلين الأجانب عن رفع الإجراءات العقابية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية ضد حكومة غزة ومنها إجراء تخفيض حصة الحكومة من الكهرباء. وهو ما يُنظر إليه باعتباره تسريعاً لوتيرة المصالحة بين حركتي فتح وحماس، التي يسيطر كل منها علي الضفة الغربية وقطاع غزة بالترتيب، وفي نفس الإطار يعتزم الرئيس محمود عباس أبو مازن عقد اجتماعات لكل هيئات منظمة التحرير بهدف التنسيق مع حماس لصياغة استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة الاحتلال.
وينظر البعض إلي جهود الرئيس عباس تجاه المصالحة باعتبارها نوعاً من التكفير عن ذنب عمره 25 عاما، حيث كان أبو مازن أحد أبرز مهندسي اتفاقية أوسلو عام 1993 والتي كان من المفترض أن بمقتضاها أن تظهر دولة فلسطينية إلي الوجود، وهو ما لم يتحقق، بل زاد الطين بلَة بالتمدد الاستيطاني في الضفة الغربية، من خلال تمكين 380 ألف يهودي في مستوطنات علي أراض في الأصل يملكها فلسطينيون. كما يريد عباس، البالغ من العمر 82 عاماً، تقليل الفجوة مع جيل الشباب الذي لا يفهم إصراره علي مواصلة التفاوض والتمسك بحل الدولتين واستمرار التنسيق الأمني مع سلطة الاحتلال.
أحمد الطيبي، النائب العربي بالكنيست الإسرائيلي، يقول إن "نبرة الانتقاد في الشارع الفلسطيني تتصاعد ضد السلطة.. لا يمكن أن نستمر طوال الوقت بنفس الخيارات وبنفس طريقة التفكير"، ويري الطيبي أن الاختبار الحقيقي للسلطة الفلسطينية سيكون في تمسكها بموقفها الرافض لمقابلة  مايك بينس نائب الرئيس الأمريكي في زيارته  للأرض المحتلة يوم السابع عشر من ديسمبر الجاري.. اختبار نجحت فيه السلطة حتي الآن بتصميمها علي الرفض، رغم تحذير الإدارة الأمريكية من أن رفض مقابلة بينس يُعد "غير مثمر"، علماً بأن النواب العرب في الكنيست أعلنوا  مقاطعتهم لكلمته التي سيلقيها من فوق منصته.
نبيل شعث، مستشار الرئيس الفلسطيني، يري أن السلطة الفلسطينية يجب أن تبحث عن رعاة جدد لعملية السلام، لاسيما روسيا والصين، وبالنسبة لفرنسا، فإنه يري للاتحاد الأوروبي وفرنسا دور هام، ولكن يبدو أن " ماكرون لا يملك أي استراتيجية حتي الآن.. ننتظره ونأمل أن ينطلق في مبادراته من وجهة نظر أوروبية متكاملة".