تحقيقات

الانشقاقات تضرب "فلول داعش" في سيناء


أثناء إلقاء القبض علي أحد العناصر الإرهابية

أثناء إلقاء القبض علي أحد العناصر الإرهابية

عـــلاء عـــزمـــي
1/30/2018 12:52:42 PM

حرب الدواعش والمنشقين عن التنظيم الإرهابي في سيناء صارت في أشدها.. ومجددًا عاد تنظيم »جند الإسلام»‬، صاحب الولاء والبيعة للقاعدة، والعداء لداعش وشريعته وخليفته المزعوم، لتعلن عن مجابهتها لرجال "تنظيم الولاية"، بفيديو ثانٍ، لكن هذه المرة يتضمن اعترافات لمنشق عن الجماعة الدينية المتطرفة.. تناول الفيديو المصور، أقوال كادر داعش سابق خرج عن قسم الولاء للتنظيم، قبل أن يفضح أسرارًا كثيرة كان شاهدًا عليها إبان كان لا يزال عضوًا منتظمًا.

منها أن الدواعش مسؤولون عن عملية مسجد الروضة التي جرت نهاية نوفمبر الماضي، حيث سقط أكثر من 300 ضحية بريئة، إلي جانب الهجوم علي سيارات شركة الأسمنت بوسط سيناء وقتل 9 سائقين وحرقها، فضلًا عن تأكده العداء التام في الوقت الحالي بين رجال البغدادي وحركة حماس الفلسطينية.
الفيديو تضمن كذلك شهادة تفيد بوجود مقاتلين أجانب في صفوف داعش سيناء إلي جانب انضواء أعضاء التنظيم تحت لواء شباب مغرر به، وكثير منهم يتسم بالانفلات الأخلاقي.
المنشق وصف كذلك أهوال التعذيب التي تصل إلي حد الحبس والاعتداء البدني والقتل لكل من يحاول الهرب من جحيم الدواعش وبيعتهم السوداء.
علي هذا النحو، وعمليًا، خرجت الانشقاقات في صفوف ما تبقي من دواعش سيناء »‬تنظيم الولاية» إلي العلن.. فعدد المقاتلين في تناقص، ومن ثم لم تعد هناك رفاهية لترك الحبل علي الغارب.
 وعليه كان الضرب بيد من حديد علي من يسقط متورطًا في محاولة فرار من نار التنظيم المترنح.
ويبرز الفيديو الدموي الشهير الذي بثته مواقع إلكترونية تابعة للدواعش في فضاء الإنترنت مطلع يناير الماضي، ويظهر عملية إعدام منشق عن التنظيم، جراء اتهامه بالتعاون مع حركة حماس وتهريب سلاح وعتاد لها، كنموذج لمحاولات أخيرة من جانب »‬الولاية» لإيقاف مسلسل الانشقاقات المتصاعد بين صفوفها.
الفيديو المشار إليه كان يضم تهديدًا واضحًا للحركة الفلسطينية، جنبًا إلي جنب توعد المنشقين عن التنظيم بالقتل.
ظهر في الفيديو شخص تم تعريفه باعتباره القاضي الشرعي للتنظيم، حيث تلا حكمًا بالإعدام علي أحد عناصر التنظيم من الغزاوية.
القاضي الشرعي قال نصًا: »‬اليوم سننفذ حكم الإعدام علي أحد المرتدين لتهريبه سلاحاً لكتائب عز الدين القسام وعشرات الأفراد من منطقة العريش لقطاع غزة».
بعدها باغت الفيديو الجميع، حينما أظهر شابًا عُرف فيما بعد أنه نجل قيادي بارز في حماس أيضًا انضم حديثًا لصفوف داعش سيناء، صوب فوهة مسدسه تجاه رأس المتهم بالانشقاق والخيانة بالتعاون مع حماس، قبل أن يرديه قتيلًا بهدوء شديد.
علي الأرجح، فإن الفيديو الجديد الذي بثه تنظيم »‬جند الإسلام»، جاء للرد علي فيديو الإعدامات الداعشية.
وعمومًا يعاني داعش في مختلف ولاياته وأفرعه، في سوريا والعراق وليبيا والمغرب العربي وحتي بمصر والجزيرة العربية، لموجات لا تنتهي من الانشقاقات علي إثر انهيار التنظيم علي مختلف الجبهات.
»‬شرعيون كبار ومقاتلون أجانب وعرب واستراتيجيون يفرون من جحيم التنظيم، أو إن تحرينا الدقة يقفزون من سفينته التي توشك علي الغرق نهائيًا».، يقول علي بركة، الخبير في الحركات الدينية المسلحة بمركز الأهرام للدراسات السياسية.
ويتعامل داعش بعنف شديد مع كل محاولة انشقاق، معتبرًا الخروج عليه نوعًا من الردة والكفر لا يكفر عنها إلا قتل صاحبها بأبشع الطرق الممكنة.
ويتفنن التنظيم في مختلف أفرعه في عمليات القتل الموجهة للمنشقين، وفي هذا الإطار قالت صحيفة ديلي ميل البريطانية في تقرير شهير لها، نشرته قبل أشهر، أن داعش وتحديدًا في مناطق خلافته المزعومة بسورية والعراق أضاف إلي جانب الحرق والذبح والإغراق أسلوب »‬الكلاب الجائعة والمتوحشة» من أجل إعدام »‬المنشقين والخونة» في صفوفه، وردع من تسول له نفسه محاولة الهرب من براثن التنظيم.
وفق الصحيفة، لا يتردد التنظيم في العمل علي تقديم أجساد المنشقين والباحثين عن طريق للهرب، كوجبات طعام لكلاب جائعة تنهش بنهم وفظاعة متناهية أجسادهم قطعة فقطعة، حسب ما نقلت روسيا اليوم في ترجمتها لأجزاء من التقرير.
وبالنسبة للحالة المصرية، وفي حقيقة الأمر، لا تحدث انشقاقات كبري أو مؤثرة وملموسة في ولاية سيناء الداعشية، الاسم الأكثر رواجًا لتنظيم أنصار بيت المقدس، الذي يستوطن شبه الجزيرة، فيما أنه يدين بالولاء والبيعة للخليفة المزعوم، أبو بكر البغدادي.
ما يجري واقعيًا أن التنظيم ينهار بشكل ممنهج، تارة علي يد الأمن وضرباته العسكرية المتواصلة والمركزة والمتطورة، وتارة أخري بيده عبر إصراره علي تعديد واجهات العداوة ضده، من قبائل كالترابين، وتنظيمات منافسة تدين بالولاء للقاعدة، كجند الإسلام، أو عبر استعداء المنشقين عنه.
الانشقاق الأضخم كان في التأسيس، أو إن تحرينا الدقة، في التحول من كيان سلفي جهادي إلي منصة داعشية دموية..
في نوفمبر 2014، تحلل ضابط الصاعقة المفصول، هشام عشماوي ورجاله من بيعة التنظيم، علي خلفية مبايعة الأخير نفسه لداعش، وتحوله إلي ولاية سيناء.
بالتوازي مع ذلك رفضت بعض الجماعات والخلايا التي كانت تعمل تحت مظلة أو بالتنسيق مع أنصار بيت المقدس، السير في ركابه الداعشية الجديدة. من تلك الجماعات »‬جند الإسلام».
ولمن لا يعرف، وحسب الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، محمد جمعة، فإنه من أبرز نتائج بيعة »‬أنصار بيت المقدس» لداعش، انفصال بعض التنظيمات التي كانت قد اتحدت تحت مظلتها من قبل، ومنها جماعة »‬جند الإسلام» التي تمثل »‬القاعدة في سيناء».
وكانت جماعة »‬جند الإسلام»، وفق جمعة، قد تبنت في بيان لها عملية تفجير مبني المخابرات الحربية برفح في 12 سبتمبر 2013، والذي راح ضحيته 6 شهداء من الجنود وأصيب 17 آخرون ثم اختفت بعدها، مما يرجح أنها كانت قد اندمجت مع »‬أنصار بيت المقدس»، وانتظرت عامين تقريبا حتي بثت بيانها في نوفمبر 2015، في صورة تسجيل فيديو زعمت أنه لبعض عملياتها في مواجهة الجيش في سيناء، فضلاً عن تفجير مدرعات تابعة للجيش أو الشرطة، في بدايته بثت لقطات لجانب من تدريبات عناصر الجماعة، ربما في إشارة إلي ضمها عناصر جديدة خلال الفترة الماضية، كما ظهر وجود تدريبات بسيارات الدفع الرباعي حملت عليها أسلحة ثقيلة، لتوضح مهارات مقاتلي الجماعة في حروب العصابات.
وحسب رؤية جمعة، فإنه ربما كان هذا الشريط (الذي تم بثه في نوفمبر 2015)، رسالة إلي أصدقاء الأمس »‬أنصار بيت المقدس» ولاية سيناء، وليس موجها للحكومة المصرية، بمعني أن »‬جند الإسلام» أرادت أن تقول لأنصار بيت المقدس، إنها موجودة وستعود لتنافسها وتتمدد علي أرضها في سيناء.
فيما مثل بيانها الصوتي الأخير الصادر 11 نوفمبر الجاري فيما كان يروي تفاصيل معركة مع الدواعش جرت في تشرين الأول أكتوبر الماضي، إعلانًا واضحًا بأنها قد بدأت الحرب المفتوحة ضد رجال البغدادي أو فلولهم في سيناء عمليًا.
نفر من رجال هشام عشماوي، ممن انفصل معه عن ولاية سيناء، واستقر لفترة في الصحراء الغربية وفي محيط الوادي الجديد والواحات، قبل أن ينتقل إلي ليبيا، لينشط تحت مظلات مجالس المجاهدين وشوري المدن المحتلة، كدرنة وأجدابيا وبنغازي وغيرها، عاد من جديد ليتحرش بأنصار بيت المقدس ولو علي نحو غير مباشر.
مثلًا، الذراع اليمني لعشماوي، الضابط المفصول أيضًا، عماد عبدالحميد. وقبيل مقتله قبل أيام علي يد الأمن علي خلفية تورط تنظيمه »‬أنصار الإسلام» في عملية طريق الواحات، قد مارس تحرشًا واضحًا بدواعش مصر، بيد أنه نجح في حث بعض عناصرهم علي الانسلاخ من بيعة البغدادي والانضواء تحت لواء الهوي القاعدي، ومن ثم ممارسة فعل الدم علي مذهب يخاصم نهج رجال البغدادي.
من الأصل، لا يُفهم حتي الآن، سر انفصال عبدالحميد عن عشماوي وتشكيل الأول فصيلاً مسلحاً منفصلاً عاد به إلي مصر..
الأرجح أنه انفصال بالتراضي لا بالخلاف أو الشقاق.. غير أن أكثر ما يلفت النظر فيه، أن عماد عبدالحميد لم يتردد بمجرد عودته لمصر في استقطاب دواعش لصفوف تنظيمه دون قلق.
تم استقطاب 6 من عناصر داعش الصعيد ممن نفذوا الهجوم علي حافلة الأقباط بالمنيا في 26 مايو 2017.
حسب تحقيقات مصرية وليبية، كان هناك تنسيق ودعم لوجيستي من جانب رجال عماد عبدالحميد بدرنة ومنفذي الاعتداء علي موكب الأقباط، ومن ثم فالقدرة علي تجنيد عدد منهم وتحريضه علي الكفر ببيعة الدواعش والانضمام لكيان علي النقيض أيديولوجيًا، يدين بالولاء والطاعة والسمع المطلق لرجال أيمن الظواهري، ستكون أمرًا يسيرًا في كل الأحوال.
الأيام القليلة الماضية، أثبتت هشاشة بيت المقدس علي نحو لافت.. التسرب العضوي لرجاله يتزايد.. في هذا الشأن تبدو الفيديوهات المتداولة صوتيًا لعناصر تدعو للتحلل من تبعيته، وبغض النظر عن صحتها من عدمه، إشارة لا يمكن إغفالها لضعف التنظيم وتشرذمه.
لن ينتهي أنصار بيت المقدس نهائيًا ولو انهار تنظيميًا تمامًا.. فكرته ستظل متداولة، وربما ببعض الإلهام.. وعلي الأرجح سينتهي به الحال لمجرد واجهة مستقرة لدي عدد قليل من السيناويين والمحليين، يضربون من بعيد لبعيد ومن وقت للآخر.
فيما أن عمليات قتل المنشقين عنه، والتي وصلت إلي سيناء ستبقي عصبه نابضًا بعض الشيء وبخاصة في صفوف العناصر المرتزقة النشطة تحت لوائه.