تحقيقات

بيزنس نهاية العالم


حسن حافظ
2/27/2018 11:16:14 AM

مع قرب حلول العام 2000 وانتهاء الألفية الميلادية الثانية، سادت صيحة في التسعينيات بأن نهاية العالم وشيكة مع حلول العام الألفي، وأن البشرية ستعرف الفناء الأكيد علي يد حدث كوني يعم الأرض، ومع انتشار هذه الشائعة في مختلف دول العالم، ظهر إلي الوجود بيزنس نهاية العالم الذي يقوم علي استفادة الكثير من صناع السينما وتجار الدين بل مؤلفي الأدب ومنتجي الفنون لهذا الحدث لتحقيق مكاسب خرافية عبر الاستفادة من الحديث عن سيناريوهات نهاية العالم التي تحولت في عصر الاستهلاك الكبير إلي سلعة مفضلة لجمهور مل من الموضوعات المطروقة.

تحولت "نهاية العالم" إلي منجم ذهب وتجارة تدر المليارات علي أصحابها، ربما يكون فيلم أرمجدون إنتاج العام 1998 المعبر الأكثر شهرة في عقد التسعينيات عن نهاية العالم بكارثة، وهو الفيلم الأكبر من حيث الإيرادات في عام صدوره في السينما، فنهاية العالم الموضوع الذي كان محل رعب البشرية وخوفها علي مدار أجيال لم يعد له نفس الزخم التخويفي في نفوس البشر في الألفية الجديدة، بل علي العكس تحول إلي مادة جالبة للمال ووسيلة لضخ المكاسب في جيوب من يعرفون كيف يتحدثون عن أرمجدون أو يوم القيامة أو يوم الدينونة، فكلها أسماء لحدث يشغل بال العالم حول اللحظة التي تنزل فيها كلمة النهاية علي مسيرة البشرية، ربما تكون ذروة الهوس بالنهاية واستثمارها هي المتعلقة بنبوءة حضارة المايا القديمة في أمريكا الوسطي التي توقعت بحسابات فلكية أن تكون نهاية البشرية في العام 2012 ما أطلق أكبر موجة انتظار في العالم لهذا الحدث الذي لن يتكرر!
صناع السينما الأمريكية التقطوا الحدث وعملوا علي استثماره بقوة سعيا لتأكيد الهيمنة الثقافية الأمريكية علي العالم بقيادته صوب النهاية، فظهر فيلم "2012" الذي يقوم علي نهاية العالم عبر سلسلة من الكوارث الطبيعية، بفعل الانخفاض الشديد في حرارة الأرض وبدء ما يمكن وصفه بالعصر الجليدي الجديد، وحقق الفيلم الذي عرض العام 2009 نجاحا جماهيريا كبيرا إذ بلغت إيراداته الإجمالية نحو 800 مليون دولار أمريكي، فيما حققت هذه النوعية من الأفلام ما يزيد عن 25 مليار دولار منذ بداية الألفية الثالثة.
تحول موضوع "نهاية العالم" إلي فكرة تروج من خلالها هوليوود إلي حق الشعب الأمريكي المكتسب في قيادة العالم لمواجهة أخطار نهاية العالم، وهو ما رأي فيه الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية، في حديثه لـ "آخر ساعة"، وسيلة من وسائل آلة الدعاية الأمريكية الجبارة التي تعمل علي استغلال حدث نهاية العالم والشغف به إلي وسيلة لتمرير الدعاية الأمريكية القائمة علي تفوق الشعب الأمريكي، وأنه الأحق بقيادة البشرية، وتأبيد هذه السيادة حتي نهاية العالم، وهي أفكار سياسية بالأساس روج لها كل من صموئيل هنتنجتون في كتابه "صدام الحضارات"، وفرانسيس فوكاياما في كتابه "نهاية التاريخ"، والكتابان صدرا في التسعينيات وهي الفترة التي شهدت تكثيف الأفلام الأمريكية التي تتحدث عن نهاية العالم.
وأشار صادق إلي أن صيحة نهاية العالم أصبحت مكونا أساسيا من وجود الإنسان المعاصر منذ الإعلان عن امتلاك البشر السلاح النووي القادر علي إبادة كل مظاهر الحياة علي الكوكب في لحظات معدودة، وذلك بعد أهوال الحرب العالمية الثانية التي كشفت أن الحضارة يمكن أن تنهار في أي لحظة، وهو هاجس سيطر علي شعوب الدول الغربية بالأساس طوال فترة الحرب الباردة، ما جعل أفكار نهاية العالم تلقي رواجا كبيرا في الأوساط الشعبوية ما حولها لأداة لجذب الأموال من قبل صناع السينما والسياسة علي حد سواء.
الاستخدام السياسي لحدث نهاية العالم في أمريكا، لم يكن بعيدا عن الاستخدام الديني لنفس الحدث في مصر والعالم العربي، فشيوخ الفضائيات وتجار الفتاوي استغلوا حديث القرآن الكريم عن يوم القيامة وعذاب القبر ومعركة آخر الزمان بين المسلمين وأعدائهم أشهر تلك النبوءات ولا شك الواردة في أحد الأحاديث المنسوبة إلي النبي، والتي تتحدث عن حشد من جيوش الروم (الدول الأوروبية) ترفع 80 راية، تواجه جيش المسلمين عند بلدة مرج دابق السورية في ملحمة يقتل فيها العديد من المسلمين لكنهم في نهاية المطاف ينتصرون قبل أن تحل القيامة، وهي النبوءة التي تم استغلالها من قبل قادة تنظيم "داعش" لتعبئة المجاهدين وشحن هممهم، خاصة بعدما سيطر داعش علي مرج دابق في أغسطس 2016 لكن سرعان ما هزم التنظيم الإرهابي وولي الدبر في سوريا والعراق.
من جهتها، أكدت الدكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، لـ"آخر ساعة"، أننا نعيش في زمن التجارة بالدين من أجل تحقيق أهداف دنيوية زائلة ومصالح شخصية، لذلك تري من يستخدم الأحاديث النبوية الخاصة بالغيبيات بحثا عن سلطان أو جاه أو مال، وأشارت إلي أن موعد يوم القيامة لا يعلمه غير الله، والأحاديث النبوية التي يستند إليها البعض بعضها ضعيف والآخر متواتر، لكنها في النهاية تتحدث عن علامات يمكن أن تنطبق علي أي فترة تاريخية منذ عصر الرسول حتي يومنا هذا.
وطالبت نصير بضرورة تصدي رجال الدين لمثل هذ الاستخدام السيئ للأحاديث النبوية الذي يشوه معناها ويجعلها عرضة للاستخدام في تحقيق مصالح دنيوية بعيداً عن مقاصد الدين الحنيف، مطالبة بضرورة التصدي لمثل هذه الاستخدامات التي تسيء للدين الإسلامي وتشوهه بهدف تحقيق انتصارات سياسية.