تحقيقات

تماثيل الفراعنة بـ«أنف مكسورة».. صـُدفة أم مؤامرة؟


عصام عطية
3/13/2018 11:34:50 AM

أنف أبو الهول المكسورة.. انتشرت حولها حكايات كثيرة، غير أن الحديث عن أنف أبو الهول يجعلنا بصدد فتح ملف حير علماء المصريات، عن السر وراء كسر أنوف التماثيل الفرعونية عمومًا في مصر حتي أبو الهول.

كيف حدث ذلك لكل هذا الكم من تماثيل الملوك والملكات، والأمراء والأميرات، والكهنة، والعديد من رموز مصر الحضارية؟.. تماثيل بأنوف مكسورة أو وجوه مطموسة أو رأس مكسور بمتاحف مختلفة، هل هي صدفة أم مؤامرة تمت علي يد متعصبين أو حمقي من حضارات مُتعاقبة؟.. أم تمت إزالة الأنوف عمدًا من أجل إخفاء مظهر شعب الكميت القديم؟.. أم كسروا الأنف حتي يمنع صاحب التمثال من العودة للحياة مرة أخري لأنه بكسر الأنف يصعب عليه التنفس ثانية؟.. ماذا قال علماء الآثار في هذه الظاهرة؟..
في البداية نشرت صحيفة "جارديان" البريطانية منذ أسابيع دليلا جديدا ينفي الرواية المتداولة بشأن تسبب جنود في حملة القائد الفرنسي نابليون بونابرت علي مصر، في تحطيم أنف التمثال الفرعوني أبوالهول، خلال تدريب علي القصف عام 1798 وذكرت الصحيفة أن هناك لوحة زيتية، توضح أبوالهول دون أنف، رسمها قائد بحري دنماركي يدعي فريدريك لويس نوردن، قبل ولادة نابليون بقرون.
لكن غالبية الروايات التاريخية تستند إلي أن الأسباب المناخية وعوامل التعرية وراء تحطم أنف أبوالهول، ونشرت صحيفة "الجارديان" البريطانية تقريرًا عن أبرز الأخطاء التاريخية، التي يتم تداولها علي نطاق واسع، وأشارت إلي أنه كان يعرف في السابق أن حملة نابليون بونابرت، هي المتورطة في كسر أنف "أبوالهول" عام 1798.
كتابات المؤرخين بما حملته من "موروث شعبي" حول آثار مصر تؤكد أنه لم ينظر إلي تلك الآثار علي أنها أوثان أو مظاهر للكفر والوثنية يجب تحطيمها أو إزالتها إلا في حالات نادرة وشاذة. تدل علي ذلك الروايات التي أوردها المؤرخون عما لحق بوجه أبو الهول من تشويه، وما كان من أمر تحطيم أنفه، وسط الكثير من التكهنات التي أحاطت بما ترتب علي ذلك التشويه من آثار ضارة لحقت بأرض مصر، فيقول المقريزي: "وفي زماننا -780هـ- كان شخص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية، سعيد السعداء، قام في نحو سنة ثمانين وسبعمئة لتغيير أشياء من المنكرات، وسار إلي الأهرام، وشوّه وجه أبي الهول، وشعثه، فهو علي ذلك إلي اليوم، ومن حينئذ غلب الرمل علي أراضٍ كثيرة من الجيزة، وأهل تلك النواحي يرون أن سبب غلبة الرمل علي الأراضي فساد وجه أبي الهول ولله عاقبة الأمور..".
ما يهمنا في تلك الروايات هو انشغال الوجدان الشعبي عن أسباب كسر أنف أبوالهول التي لم تشبع حاجات هذا الوجدان الروحية، فراح يضيف من تصوراته وموروثاته إلي تلك القصص التي حفظتها لنا الكتابات التاريخية، والراجح أن كسر الأنف كان طقساً دينياً في العقائد العربية القديمة السابقة علي عصر الجاهلية، وقد تحول إلي عُرف تعمل به القبائل وتحرص عليه، ولعل التماثيل اليونانية والرومانية والمصرية والآشورية الكثيرة التي نشاهدها اليوم، مجدوعة الأنف أو مقطوعة اليد، هي تجسيد لهذه العقيدة القديمة، حين كانت اليد هي - الكفارة- في حالة الخطيئة. وليست نتيجة رفض ديني متعصب لهذه الآثار، كما هي الحال مع تمثال أبي الهول الذي ينتصب مجدوع الأنف في الجيزة في مصر، وقد غرز أقدامه في الرمال، مروعاً الإنسان بسكونه وصمته المهيب، كممارسة دينية طقوسية قديمة، استمدت عناصرها الإنشائية من تعرّفهم المباشر، أو بواسطة قصص متناقلة حملها رحالة وتجار عن تماثيل ومنحوتات، تركتها حضارات كبري، وربما حمل هذا النوع من القصص الشعبي المتعلق بآثار الحضارة المصرية، رسالة تحذير لمن يتجرأ ويتطاول علي حرمة الآثار وانتهاك قدسيتها.
المتخصصون في الآثار بموقع علم المصريات راحوا يبحثون عن سر هذه الظاهرة وأكدوا أن هناك ثلاثة تفسيرات لهذه الظاهرة أولها أن عوامل التعرية تسببت في تآكل هذه الأنوف والثاني التخريب المتعمد من سارقي المقابر والتفسير الثالث أن هناك بعض علماء الآثار يكسرون الأنوف الفرعونية للتماثيل لأنها مفلطحة وهو ما يشير للقول بأن الحضارة الفرعونية هي حضارة أفريقية ولهذا يقوم هؤلاء العلماء بطمس الأنف لأنها تتعارض مع النظريات التي يؤمنون بها بأنها حضارة غير أفريقية.
من أهم النظريات التي تفسر هذه الظاهرة نظرية التآكل الطبيعي نتيجة عوامل التعرية، فالمياه والكثبان الرملية والطين والشمس وحركة الرياح تؤثر علي المواد المصنوعة منها التماثيل مثل الرخام والألبستر وغيرها، ومن الملاحظ أن أكثر أجزاء التمثال تأثرا بعوامل التعرية والظروف البيئية هي الأطراف وأهمها الأنوف والأيدي والأرجل.
أما التفسير الثاني لتلك الظاهرة فيتمثل في التخريب العمدي أو غير العمدي للتماثيل، فمثلاً عرضت تركيا تمثالاً لأرسطو أبو الفلسفة اليونانية عام 2009 وكان التمثال معروضا في مدخل منطقة أسوس الأثرية ولكن في عام 2015 تعرضت ذراع التمثال للكسر العمدي من بعض المتطرفين الإسلاميين، وبالتالي فإن التخريب العمدي للتماثيل الأثرية من المتطرفين الإسلاميين في العصر الحديث والمتطرفين المسيحيين واليهود في العصور القديمة يمثل أحد أهم أسباب التخريب العمدي للتماثيل وأنوفها وأطرافها.
من أسباب التخريب غير العمدي للتماثيل أيضاً استخدام المنقبين وعلماء الآثار لأدوات استكشاف بدائية خاصة في القرنين الـ18 و19.
هناك نظرية أخري لتخريب الأنوف تعود للأسر المصرية القديمة، فالأسر الأحدث كانت تتعمد تخريب تماثيل الأسر الأقدم كنوع من الإهانة وتخريب تراثهم وهناك نظرية أضعف تقول إن علماء المصريات القدامي كانوا يلجأون لتخريب عمدي للتماثيل المصرية القديمة لإخفاء شكلها رغبة منهم في تأكيد أن الحضارة المصرية القديمة ليست أفريقية خاصة أن بعض التماثيل المصرية القديمة كانت ذات أنوف أفريقية فطساء.
ومع ذلك، فإن هذه النظرية تفشل في تفسير لماذا العديد من التماثيل اليونانية والرومانية القديمة مسكورة الأنف، ونجد هذا واضحاً علي الغالبية العظمي من المنحوتات الحجرية اليونانية والرومانية القديمة، في حين أن بعض هذه التماثيل قد حطم عن طريق الخطأ، فمن الواضح جدا أن عددا هائلا منها قد استهدفت عمدا. فتاريخيا، أثبت علميا وعمليا أن الإغريق والرومان القدماء كانوا من أصل أوروبي (قوقازي)، في هذه الحالة لم يكن من المحتمل أن تكون العنصرية سبباً للتعمد لكسر أنوف هذه التماثيل.
ولكن هذا الدمار الوحشي للتماثيل القديمة لم يطل الفراعنة فقط، لكن من اليونان تمثال هوميروس، أيضاً تعرضت الإمبراطورية الفارسية والهيلينية واليونانية والإمبراطورية الرومانية لمثل هذا العبث،ليس الأنف فقط التي كسرت في هذه التماثيل بل آذانه قطعت، تليها اليدان والقدمان.
الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، عالم الآثار الكبير، يؤكد أن الأنف هي أضعف قطعة للتمثال وبالتالي فمن الممكن أن تتأثر بعوامل التعرية من رياح وأعاصير تقصف الأنف، أما بخصوص أنف أبوالهول فقال إن نابليون بريء من كسر أنف أبوالهول لأن ما ذكره المؤرخون أن صائم الدهر هو الذي كسر الأنف لأنه كان متشدداً دينيًا.
مصطفي وزير، أمين عام المجلس الأعلي للآثار، له رأي آخر، حيث تساءل: "ما حكاية الصوابع وخصوصا الإبهام في التمثايل الفرعونية؟.. فهي أيضاً أضعف منطقة في التماثيل، وكان الفنان المصري القديم عندما يقوم بعمل التمثال ينحته كتلة واحدة والذراع مفرودة حتي لا تنكسر، والدليل في معبد الأقصر كل إبهام التماثيل مكسورة، لأنها أضعف نقطة في التمثال".
ويضيف مصطفي: أما بخصوص التماثيل الرومانية واليونانية فنجد أن الأجزاء التي تكسر فيها الأيدي والأرجل لأن الفنان قام بتحريك الأيدي والأرجل، لكن المصري القديم مثلا نحت الذقن ككتلة واحدة من التمثال، نافيا أن يكون كسر الأنف مؤامرة ولكن أكد أنه قد يكون الأنف أضعف نقطة في التمثال.
الدكتور محمد شاكر، كبير الأثريين بمركز تسجيل الآثار، له وجهة نظر أخري،فيقول إن المصري القديم كان يدخر كل الأشياء للآخرة بدليل أنه عندما يموت يأخذ كل متعلقاته معه إلي مقبرته ولم نعثر علي أي متعلقات للملوك في معابدهم ولكن كل متعلقاتهم أخذوها معهم في مقابرهم من ذهب وعربات وأكل لأنهم يؤمنون بالبعث مرة أخري، لذلك كان المصري القديم يسعي لعودة الروح إلي جسده مرة أخري حتي لو تحلل الجسد كان يحاول عودة الروح إلي تماثيله.
ويضيف شاكر: دائما المصري يقول في لحظة غضب "أموتك.. أكتم نفسك" فالمصري القديم مرتبط بالتنفس وبالتالي أنا أهشم له الأنف لأن الأنف متربط بالتنفس، وزهرة اللوتس ومفتاح الحياة والأنف مرتبط بالحياة الأخري عند الفراعنة، والروح عند عودتها سوف تجد الوجه ولن تجد الأنف، إذاً فلن تعود إليه الروح، ومنطقة الموت هي الأنف، مثلاً نقول الآن "أكبس علي نفسك" والمصري القديم كل عيشته لآخرته، وكسر الأنف ليس له مدلول وثني أو ديني فهم عاشوا لآخرتهم فنجد إخناتون قال: "لقد خلقت الأرض حسب رغبتك، رغم أنك بمفردك، أنك تتواري عن الأنظار" فهم يؤمنون بوجود إله، ويضيف أن القدماء المصريين لم يكن مجتمعهم مثالياً فكانت هناك ثورات دينية وكانوا يضربون بعضهم ويقتلون بعضهم، ومن كسر أنوف الملوك حتي لا تعود إليهم الروح مرة أخري.