تحقيقات

عمليات طمس ممنهجة لحضارة بلاد الرافدين

تراث العراق.. المنهوب


دينـا توفـيــق
6/5/2018 6:25:11 AM

عندما تعلو أصوات المدافع وسماع دوي القذائف هنا وهناك، تفوح رائحة البارود وتغيم الأجواء بغبار الدمار، فتُطمس المعالم وتنهار حضارة الأمة وتاريخها.. وبين الهدم جراء عمليات القصف ووسط حالة الفوضي؛ تُنهب آثارها وتُسرق.. هكذا تعيش العراق منذ الفوضي التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003.
أرشيف الوثائق العراقية يقع الآن في مؤسسة "هوفر" بجامعة ستانفورد في أمريكا
قيام مجموعة صحفيين أمريكيين بسرقة آلاف الوثائق في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003
أكبر أرشيف للوثائق العراقية يقع الآن خارج البلاد علي بعد 7500 ميل من بغداد، في مؤسسة "هوفر" بجامعة ستانفورد، شمال ولاية كاليفورنيا الأمريكية، والتي تم نقلها عقب قيام مجموعة صحفيين أمريكيين بسرقة آلاف الوثائق التي تعد جزءا من الإرث الخاص بالبلاد والمرتبطة بالتاريخ العراقي، حيث توثق حقبة مهمة من تاريخ البلاد بالإضافة إلي فترة الحرب المهمة ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، حيث وصف موقع "ذي إنترسبت" الأمريكي، بأن سرقة هذا جريمة في الأطر الدولية.
كما كشف الموقع عن وجود محاولات من ناشطين عراقيين مثل "سارة فرحان"، بإطلاق حملات دولية لجمع توقيعات والضغط علي المؤسسات العالمية، لإعادة المخطوطات والوثائق التي سرقها هؤلاء الصحفيون وخاصة تلك التي أخذتها الصحفية "روكميني كالاماتشي" من الموصل أواخر عام 2016. وكانت فرحان قد أجرت مقابلات مع أكثر من 20 فرداً من الشتات العراقي المنتشر في أنحاء الشرق الأوسط وأمريكا الشمالية وأوروبا.
ومنذ بداية الغزو الأمريكي كان هناك عمليات طمس متعمدة وممنهجة للحضارة العراقية في واحدة من أكثر الغزوات الثقافية تدميراً واستبداداً وتدنيساً في التاريخ. فقد تم نهب المتحف الوطني العراقي بأكمله في أبريل عام 2003 وسرقة مجموعة متنوعة من المحفوظات أثناء تواجد القوات الأمريكية بالقرب منه. كما تم تدمير ملايين الوثائق خلال حرائق أو سرقتها من قبل اللصوص المستفيدين من الحرب أو إزالتها عمداً بأيدي المسؤولين الأمريكيين الذين كانوا يلاحقون ما أسموه أسلحة الدمار الشامل في العراق. ولا تزال الغالبية العظمي من هذه الوثائق بما في ذلك أرشيف الطب الملكي غير معروف مكان تواجدها، والتي تعد خسارة مدمرة لتاريخ البلاد ومشكلة كبيرة للباحثين.
وفي أوائل أبريل  الماضي، أصيبت فرحان بالإحباط مع محو الكثير من تاريخ العراق عندما قرأت مقالة في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بعنوان "وثائق داعش"، استناداً إلي أكثر من 15 ألف وثيقة نقلتها كالاماتشي من العراق علي مدار أكثر من عام. وتحكي هذه الوثائق قصة مفصلة عن داعش، وأوراق إجراءات بيروقراطية كإصدار شهادات الميلاد، والكشوف بالسرقات التي كانوا يقومون بها تحت مسميات الضريبة، وغيرها، مشددة علي أن هذه الوثائق تمثل حقبة من تاريخ العراق يجب أن يحتفظ بها ضمن أرشيفات المتاحف لما لها من أهمية في بيان حقبة الحرب وأسلوب الحياة تحت رحمة العصابات الإرهابية في المناطق التي كانوا يسيطرون عليها، وكإثبات لجرائمهم علي الصعيد الدولي.
وكانت كالاماتشي قد سافرت إلي العراق عام 2016 عندما شنت قوات التحالف معركة لاستعادة الموصل من تنظيم داعش، وكانت الصحفية الأمريكية علي الخطوط الأمامية مع القوات وعندما تم القضاء عليهم سارعت إلي المباني التي تم تطهيرها من المسلحين وقامت بجمع كل الوثائق التي وجدتها.
ووصفت فرحان الجريمة التي قامت بها كالاماتشي، بأنها لا تقل خطورة عن تلك التي قامت بها حكومة الولايات المتحدة بعد غزوها العراق عام 2003، والتي تضمنت سرقات لمخازن أرشيف بالكامل، مع وثائق سرية وحيوية تثبت جرائم النظام السابق، بالإضافة إلي سجلات لا تقدر بثمن عن الأموال العراقية في الداخل والخارج، وكذلك أحداث لم تكشف عبر الإعلام.
 وبحسب ما ذكرته فرحان، فإن الحادث الأخير هو جزء آخر من سلسلة سرقة ثروة العراق الوثائقية، كالتي أشرف عليها التحالف الدولي بنقله لملايين من الوثائق خارج العراق دون أدني مبرر قانوني، علي حد وصفها، موضحة أن العدد الكلي لما تم سرقته حتي الآن من الوثائق العراقية يزيد عن 120 مليون وثيقة. وفي الوقت الذي أورد فيه تقرير الموقع الذي أعدته فرحان، تفاصيل كاملة عن بعض أكبر عمليات سرقة الوثائق منذ عام 2003 وإلي يومنا هذا، شدد علي أهمية هذه الوثائق في تشكيل فهم الأجيال القادمة للتاريخ، ومحاولة استعادة ما تم نهبه منه الحضارة العراقية وحقبها التاريخية، والمراحل التي تمر عليها، مشيراً إلي وجود رغبات بالتحكم في ذلك التاريخ، عبر السيطرة علي وثائق البلاد الموردة لأحداثه، وتوصي العراقيين باتخاذ ما يلزم لإنقاذ تاريخهم، ومنع إعادة صياغته للمستقبل.
وكان أرشيف العراق الذي ضاع بعد سقوط حكومة صدام حسين ظهر جزء منه في الولايات المتحدة، وتحتفظ مؤسسة الذاكرة العراقية بجزء صغير منه، والذي يضم وثائق هامة عن تاريخ الدولة العراقية منذ قيامها عام 1921، ووثائق تؤرخ لحزب البعث في العراق ودوره علي مدي أربعين عاماً. هذا ليس ما حدث، فقط، بل قامت سلطات التحالف فيما بعد بنقل ملايين الصفحات من الوثائق إلي خارج البلاد إلي قطر لدراستها من قبل مجموعة "باحثي العراق" - وهي مجموعة من المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين والأستراليين. وركزت المجموعة في بحثهم "غير المثمر" علي شيء واحد فقط وهو أسلحة الدمار الشامل والصلات بين نظام صدام والقاعدة.
وكتب "سنان أنطون"، الكاتب والباحث في بغداد والمولود في جامعة نيويورك، هو من بين العراقيين الذين طالبوا منذ فترة طويلة بعودة وثائق عهد البعث إلي العراق. وكتب في مقالة نشرت عام 2012: »‬هذه الوثائق التي تم نهبها كنز للباحثين. لكن للأسف، لا يمكن للعلماء العراقيين، ولا المواطنين العراقيين، ضحايا نظام البعث، الوصول إلي هذه الوثائق المهمة حول ماضيهم الحشوي».