تحقيقات

الكتبيـّة.. مهنة عريقة تبحث عن نقابة


يتجمعون علي مقاهى فى وسط البلد ويتواصلون مع زبائنهم عبر الفيسبوك

يتجمعون علي مقاهى فى وسط البلد ويتواصلون مع زبائنهم عبر الفيسبوك

حسن حافظ
7/3/2018 12:51:04 PM

منذ زمن هارون الرشيد وفي أحد شوارع حي الكرخ العريق تجمعوا في بغداد لأول مرة قبل 12 قرنا، ومن هناك انتشروا في مدن الخلافة الإسلامية، وفي مصر وجدوا مستقرهم وشهرتهم، فباتت مصر "حصالة كتب" ومجمعاً لأشهر باعة الكتب القديمة الذين يعرفون بـ "الكُتبية"، في مهنة تتحدي الزمن وتواجه الصعاب لكي تتواصل في مصر علي مدار أكثر من ألف عام، يتحدي أصحابها تغير أمزجة القراء، وتبدل الحال مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي ساعدت البعض منهم علي الانتشار، يبحثون عن كيان يجمعهم ويحمي تراث مهنتهم من الانقراض سواء في شكل نقابة أو جمعية.

عرفت مهنة بيع الكتب القديمة في كل الحضارات، لكنها ارتبطت بالحضارة الإسلامية التي شهدت زيادة في استهلاك الورق كانت هي الأكبر في العالم قبل اختراع الطباعة، وكان بيع الكتاب المخطوط (المكتوب بخط اليد) تجارة شائعة في مدن بغداد والقاهرة وأصفهان والري وبخاري وسمرقند وقرطبة والقيروان، وكان بائع الكتب يسمي "الوراق" والمهنة "الوراقة"، وكان الوراق يقوم بعدة أدوار سواء بتجليد الكتاب أو عملية نسخه ثم بيعه، وهي المهنة التي توارثتها الأجيال في مصر، وعرفت باسم "الكُتبية" وصاحبها باسم "الكُتبي" وكان أشهر تجمعاتها في سور الأزبكية في قلب القاهرة الخديوية، لكنهم سرعان ما انتشروا في عدة أماكن أخري منها منطقة الحسين والأزهر، وبالقرب من السيدة زينب، والمنطقة المحيطة بأسوار جامعة القاهرة وحديقة الأورمان، وفي الإسكندرية تجمعوا في شارع النبي دانيال.
ومن أشهر بائعي الكتب القديمة عم إبراهيم الضرير الذي كان يحمل الكتب القديمة ويبيعها لرواد مقاهي الحسين؛ خصوصا الفيشاوي، وكان أشهر زبائنه أديب نوبل نجيب محفوظ، وكذلك الشيخ علي خربوش، الذي كان يعد عمدة الكتبية، وارتبط بعلاقات قوية بكبار المثقفين والمستشرقين وعلماء الأزهر، ومن ضمنهم الشيخ علي جمعة الذي مدح أخلاقه وسماحته في بيع الكتب في أحد لقاءاته التليفزيونية، ويواصل ابن الشيخ علي؛ مهنة والده حتي يومنا هذا، فكثير من باعة الكتب توارثوا المهنة أبا عن جد.
أما أشهر باعة الكتب القديمة في سور الأزبكية فهو العم علي الشاعر، الذي يحرص علي الجلوس أمام مكتبته في مدخل السور من جهة جراج العتبة، وهو أحد المثقفين الكبار إذ قضي أكثر من ثلاثين عاما في مهنة بيع الكتب، ويفضل دائما أن يقرأ الكتب قبل بيعها، لذا يمتاز بخبرة نادرة في معرفة الكتب قديمها وحديثها، وتحول مع الوقت إلي ما يشبه الخبير المثمن، فغالبية باعة الكتب القديمة في السور يعتمدون عليه في تحديد أسعار الكتب لمعرفته العميقة بها، وهو من الجيل الذي يرفض التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي قائلا إنه يفضل العلاقة المباشرة مع عملائه، إذ دائما ما يعقد جلسات تشبه الصالون الثقافي في مكتبته الصغيرة، والتي يؤمها العديد من كبار المثقفين.
ولدي الكتبية الكثير من المعايير التي تحكم مهنتهم، منها التعامل في الكتب القديمة بداية من مطلع القرن العشرين، وعدم التعامل في الكتب "المضروبة" التي يتم التعامل فيها من قبل البعض الذين يرفض الكتبية انتسابهم للمهنة، إذ يؤكدون أن المهنة تقوم علي الشرف والأمانة والعمل في الكتب القديمة، التي تكون نادرة عادة بسبب قلة المعروض منها أو توقف دور النشر التي طبعت الكتاب للمرة الأولي، ورغم أن هناك من يعمل في تهريب المخطوطات والكتب النادرة خارج مصر، إلا أن الكتبية يرفضون هذه النوعية ويعتبرونها مثل تجارة الآثار المجرمة.
ويتجمع الكتبية كل يوم سبت في مقهي بالقرب من سينما ديانا بمنطقة وسط البلد، وفي هذا اليوم يتم عقد الصفقات بين أصحاب المهنة، ويتم تسليم الكتب المتفق عليها للزبائن عبر صفحات التواصل الاجتماعي، فضلا عن مناقشة ما يستجد في المهنة، إذ يعتمد الكتبية بشكل أساسي علي مكتبات الشخصيات الثقافية الذين يبيع ورثتهم مكتباتهم بعد وفاتهم إلي باعة الكتب القديمة، فيتم فرزها من قبل شيوخ المهنة ويتم توزيعها علي بقية الباعة بحسب تخصص كل كتبي في المجال الذي يتميز فيه، فهناك من يتخصص في التاريخ أو الفلسفة أو العلوم أو الأدب وغيرها، ومن أشهر المكتبات التي حصل عليها الكتبية في الآونة الأخيرة مكتبة الكاتب والقاص يوسف الشاروني التي ظهرت الكتب المهداة له من كبار المثقفين علي الأرصفة بعد وفاته بأيام قليلة.
"هذه المهنة تقوم علي الجانب الشخصي للكتبي ما يوفر متعة خاصة لصاحبها"، هكذا قال عبد التواب سلامة، أحد الكتبية وصاحب مكتبة "شراع" المتخصصة في بيع الكتب القديمة، وأضاف لـ "آخر ساعة": "هناك مجالان لبيع الكتب الأول الخاص بالمكتبات المعروفة والمتخصصة في بيع الكتب الجديدة الخاصة بدور النشر القائمة، والمجال الآخر الخاص ببيع الكتب القديمة وهو المجال الذي يعمل فيه الكُتبيّة"، وأشار إلي أن "عالم المكتبات في طريقه إلي أن يكون بلا جدوي مع ازدياد اعتماد القراء علي وسائل التواصل الاجتماعي في شراء الكتب".
وتابع: "موقع فيسبوك ساعد في تطور مهنة الكتبية، وسهل علي القارئ الوصول إلي الكتب التي يريدها، فالكثير من المشترين لم يكن بإمكانهم الوصول إلي الكثير من العناوين أو الذهاب إلي المكتبات التي تتركز معظمها في منطقة وسط البلد، لذا جاءت فكرة بيع الكتب علي فيسبوك لتخدم القارئ في المقام الأول، والذي بات من السهل عليه الوصول إلي الكتب، بل في كثير من الحالات كان بعض المتخصصين لا يعلم بوجود كتب تهمه في تخصصه إلا من خلال صفحات بيع الكتب القديمة، ومع الوقت تحولت صفحات بيع الكتب إلي ما يشبه المكتبات المفتوحة، التي يمكن لكل شخص الدخول إليها ومعرفة ما يحتاجه من الكتب، ويكفيه أن يكتب في التعليق الكلمة المتفق عليها بين المتعاملين في المجال؛ وهي كلمة (حجز)".
وأشار سلامة إلي أن هناك أمنية بأن تكون هناك نقابة أو جمعية تجمع الكتبية في كيان واحد، من أجل الحديث باسمهم خصوصا في أزمات سوء الفهم التي تواجههم، مضيفا: "من أشهر المشاكل التي تواجه الكتبية، هي فكرة القانون المنظم الذي يعتبر أي كتاب مر عليه أكثر من 100 عام من ضمن الآثار التي يمنع بيعها، وهو قانون متعسف لأن كل كتاب لابد وأن يخضع لتقييم مختلف، فهناك الكثير من الكتب التي مر عليها أكثر من قرن وهي كتب عادية ولا قيمة أثرية أو قيمة خاصة بل تراها متاحة عند باعة الكتب علي الأرصفة، فلابد من وجود لجنة مختصة تقوم بتقييم كل كتاب علي حدة من أجل إيجاد فهم أعمق لتجارة الكتب القديمة".
وقال زيد نصر، أحد الكتبية، لـ "آخر ساعة" إن الكتب القديمة تأتي إلي الكتبية عبر أكثر من طريق أبرزها بيع الورثة لمكتبات محبي الكتب، وهي عادة منتشرة بصورة كبيرة، فكلما توفي أحد جامعي الكتب سواء كان شخصية عامة أو مجرد مثقف هاوٍ للكتب، يسارع الورثة في أغلب الحالات لبيع مكتبته إلي باعة الكتب القديمة، وتصل إلي سوق في غضون أيام قليلة، وهناك حالات يتم بيع الكتب من قبل جامعيها، فبعض أساتذة الجامعة ومحبي اقتناء الكتب تضطرهم الظروف لبيع مكتباتهم علي عينهم، وهناك أيضا وسيلة أخري عندما تقوم مدرسة بإحلال مكتبتها تقوم بإعدام استبعاد الكتب القديمة والمتهالكة التي يتم بيعها لباعة الكتب القديمة.. وشدد نصر علي أن الكتبية لا يتعاملون في الكتب "المضروبة" وأن من يتعامل فيها لا يعد من الكتبية بأي حال من الأحوال، وأشار إلي أن لفظ الكُتبيّ لا يطلق إلا علي المخلص لهذه المهنة ويعشق الكتب كصناعة، فمهمة الكتب لا تتوقف علي شراء وبيع الكتب، بل هناك جوانب أخري مهمة تقوم علي تجليد الكتب القديمة لحمايتها من التلف، والتعامل مع الكتاب كتحفة فنية تحتاج إلي العناية، فالكثير من الكتب التي تقع تحت يد الكتبية تخضع لعملية ترميم وتجليد وهو ما يساعد في حمايتها وإطالة عمرها وإبعادها عن شبح التلف.. وأشار نصر إلي أن "فيسبوك" سمح للكتبية بالانتشار خصوصا للشباب الأصغر سنا في هذا المجال، لكنه لم يؤثر علي طبيعة المعاملات المالية، إذ يحتفظ الكتبية بهامش ربح بسيط، مشددا علي أن الكتبية لا علاقة لهم من قريب ولا بعيد بمن يعملون في سوق الكتب المضروبة، وهي الكتب الخاصة بدور نشر معروفة التي يتم طباعتها في دور نشر غير رسمية في طبعات مزورة وأرخص ثمنا، لافتا إلي أن الكتبية عددهم قليل ما يقف كعائق في وجه مشروع إقامة نقابة أو جمعية تضم جميع الكتبية في مصر، خصوصا أن بعض الكتبية يرفض هذه الفكرة ويفضل العمل المنفصل، فيما هناك بعض الدخلاء علي المهنة الذين يتم رفضهم من قبل الكتبية، لذا هناك حديث ومشاورات عن إمكانية إيجاد كيان يضم جميع الكتبية ويتضمن قواعد واضحة للعمل ويمنع الدخلاء.. من جهتها، قالت سارة حسن، أول فتاة تمتهن الكُتبية في مصر، لـ "آخر ساعة"، إنه لابد من أن يتم جمعهم في كيان منظم سواء نقابة أو جمعية بحسب الإجراءات المتبعة، فهذا أمر لا مفر منه، فمهنة الكتبية مثل أي مهنة تحتاج الخروج إلي النهار، وأن تكون تجارة رسمية منظمة، لكي تكون قوية وقادرة علي حماية العاملين في المهنة، سواء بتوفير معاش لهم أو التأمين الصحي لهم، لأن معظم الكتبية يعتمدون علي صحتهم، كما أن وجود كيان رسمي سيمنع الدخلاء علي المهنة، خاصة أن بعض الدخلاء استغلوا اهتمام الناس بالكتب للنصب عليهم.. وأضافت حسن: "أهمية النقابة أو الجمعية أنها توجد الكيان الممثل للكتبية في أي محفل سواء داخل مصر أو خارجها، مثلا ستكون هناك جهة تتفاوض باسمنا في وجود مكان لنا في معرض القاهرة الدولي للكتاب، كما أن النقابة ستوفر لنا العديد من الأنشطة التي يكون أهمها عقد دورات وندوات للرفع من مستوي ثقافة الكتبي. هناك مشاورات بين الكتبية لاختيار الشكل التنظيمي لهم والعمل علي اختيار مقر النقابة أو الجمعية بحسب ما يستقر الاختيار، خصوصا بما يتوافق مع قانون وزارة التضامن الاجتماعي".