تحقيقات

بسبب نقص العمالة وغياب التسويق الحرف اليدوية.. تراث يحتضر!


ياسين صبري
10/30/2018 1:20:49 PM

تحتل الحرف التراثية مساحة واسعة من التاريخ المصري، فمن قديم الأزل صاغت أنامل المصريين من الخامات الأولية تحفاً جمالية أبهرت العالم، وشكلت دليلا واضحا علي مدي التميز والإبداع، وقد أدركت العديد من دول العالم أهمية الحرف والصناعات التراثية في رسم ملامح الهوية الثقافية لحضارتها، فقامت بتخصيص وزارة  للحرف التراثية لتنميتها وعملت علي تنظيم مناطق صناعية تختص كل منها بحرفة في خطوة ذكية وفرت الآلاف من فرص العمل وفتحت أسواقاً جديدة لمنتجاتها.

في المقابل مازالت الحرف التراثية في مصر تعاني جراء غياب الدعم والتنظيم ما أدي إلي تراجع عدد العاملين بها بسبب أوضاعها الحالية، في الوقت الذي يعزف فيه قطاع واسع من  الشباب عن تعلمها وممارستها، ليحذر الخبراء من إمكانية إندثارها إذا لم يتم نقلها إلي جيل جديد يحافظ علي استمراريتها بالتوازي مع دعمها عبر فتح أسواق محلية وخارجية تجعلها تعود من جديد كرافد من روافد الاقتصاد المصري.
آخر ساعة أخذت زمام المبادرة وقامت بمناقشة العديد من أصحاب المحال والورش المختصة بالحرف التراثية من أجل إلقاء الضوء علي ما يعانيه هذا القطاع من أزمات كانت بداية انطلاقنا من  سوق خان الخليلي الأثري الذي ارتبط اسمه بالصناعات اليدوية، فكان قبلة عشاق الحرف التراثية من كافة الجنسيات، وخلال تجولنا في  شوارع السوق الضيقة التي تمتلئ بمحال تعرض منتجاتها  المصنوعة بمهارة ودقة لا مثيل لها  التقينا مع عماد غندور صاحب أحد البازارات السياحية المتخصصة في عرض منتجات الصدف، الذي أكد وجود العديد من المحال في خان الخليلي  التي لا تزال تحافظ علي هذه الصناعة وتحاول تطويرها ولكنها تعد علي أصابع اليد الواحدة، فيما كان عددها سابقا يزيد عن عشرين محلا كانت تورد منتجات الصدف إلي كافة البازارات علي مستوي الجمهورية.
ويشكو عماد  من نقص  العمالة الماهرة التي انخفضت أعدادها بصورة كبيرة نتيجة انصرافها لأعمال أخري نظرا لمرور الصناعة بفترة صعبة بعد قيام  ثورة  يناير 2011 خاصة أنها تعتمد بصورة كبيرة علي السياحة، لذلك أصبح  الصنايعي الماهر في حرفة الصدف بمثابة عملة نادرة.
ويطالب عماد بتخفيف العبء عن أصحاب المهن الحرفية حتي يستطيعوا الوفاء بالتزاماتهم المالية المستحقة  التي تشمل تسديد مبالغ التأمينات والضرائب بجانب أجور العمال  حيث قال: في فترة من الفترات كان هناك تعهدات من الدولة  بتخفيف الضرائب عن محال خان الخليلي ولكن هذا الأمر  لم يحدث  علي الإطلاق، فحتي الآن يتم مطالبتي بتسديد ضرائب كاملة  عن الفترة من 2011 الي 2012 برغم أنني كنت شبه متوقف تماما عن العمل خلال هذه الفترة.
بدورها تعاني الورش الصغيرة المتخصصة في صناعة منتجات الصدف من ظروف صعبة، حيث يشكو العديد من أصحاب الورش من تجاهل دعم صناعة الصدف  باعتبارها إحدي  الحرف التراثية.
 في ورشته المتواضعة بحي الشرابية في شمال القاهرة يقوم  خالد زايد  بصناعة علب  الصدف حيث يقضي جل  وقته في  خرط القطع الصغيرة وتسويتها فيما يقوم أخوه بمعاونته في صناعة هيكل العلبة الخارجي.. الظروف الحالية أجبرت خالد علي خفض إنتاج الورشة الذي كان يصل  في السابق إلي  مايزيد عن مائة علبة شهريا يتم توريدها إلي المحال والبازارات السياحية ويصدر بعضها  إلي الخارج.
وعبر خالد عن حزنه لما آلت إليه أوضاع هذا النوع من الفنون التراثية فالحي كان يعج بالورش المتخصصة في صناعة مشغولات الصدف ولكنها قامت بتغيير نشاطها إلي مجالات أخري  ولم يتبق سواه وأخيه  من العاملين في هذه الحرفة علي أمل تحسن الأوضاع وعودة الطلب القوي علي منتجات الصدف مرة أخري.
يتابع: لا أحد يهتم بالوصول إلي أصحاب الحرف اليدوية إلا لتحصيل أموال الضرائب أوالمتأخرات التأمينية دون وجود أي  مساندة لهم برغم أنهم أحق الفئات بالدعم، فلماذا لايتم اتخاذ  إجراءات لمساعدتهم أسوة بما تم مع  الفنادق السياحية المتضررة جراء إنخفاض اعداد السائحين؟
ويشير خالد إلي أن معارض وزارة الشباب والرياضة  التي كانت تقام أربع مرات سنوياً كانت تعطي حالة من الرواج لمنتجات المهن الحرفية في مصر وتساهم في دعمها، ولكن بعد توقفها بات المصنعون  يواجهون في تسويق منتجاتهم.
هناك صناعة حرفية أخري وهي صناعة الأرابيسك التي ظهرت في مصر بعد الفتح الإسلامي، حيث مهد هذا النوع من الحرف الطريق لانطلاق طاقة الإبداع في تشكيل خامات الخشب وخرطها يدويا في تصميمات رائعة  مطعمة بالصدف والعاج والأبنوس لتظهر علي أعمدة وجدران وأسقف المساجد والمنازل.
والأرابيسك كلمة تنقسم إلي شقين "أراب- يسك"  أي  "الفن المشغول"  حيث كان الفنان العربي  يتجه الي ما يشبه الفن التجريدي عند إبداع وتصميم المنقوشات الزخرفية كالزهور وأوراق النباتات والزوايا الهندسية  في تصميمات  هذا الفن بالتحديد،  بأسلوب متميز انفرد به وحده وجعله مواكبا لكل العصور، ونتيجة لتطور فن الأرابيسك في مصر تمت الاستعانة بالحرفيين المصريين ونقلهم إلي الآستانة  لعمل تصاميم وتركيبات الأرابيسك في المساجد والقصور.
ولكن دوام الحال من المحال، فحرفة الأرابيسك تواجه حالياً  مشكلات عدة نتيجة الزيادة في أسعار الخامات وصعوبة التسويق، كما أن حالة الركود أجبرت الورش علي خفض إنتاجها واللجوء إلي استخدام مواد صناعية مثل البلاستيك بدلا من الصدف الطبيعي أو الأبنوس في تطعيم منتجات  الأرابيسك  وذلك وفق ما أكده لنا ياسر محمد صاحب محل لمنتجات الأرابيسك بالدرب الأحمر.
يضيف: في السابق  لم يكن هناك بيت في مصر يخلو من منتجات الأرابيسك سواء  طقم صالون كامل  أو دولاب أو رف مشغول بالصدف وهذا الأمر لم يعد موجوداً الآن نظرا لتغير طراز الاثاث ومن يقوم بشراء منتجات الأرابيسك حالياً يجد أن سعرها مرتفع ، فصالون الأرابيسك يترواح ثمنه من 18 إلي 20 ألف جنيه  وإذا كان مطعماً بالصدف من الممكن أن يصل سعره إلي 30 ألفا .
ويؤكد ياسر أن قطاعا واسعا من الشباب لم يعد يرغب في تعلم المهن الحرفية، فهو ينظر في النهاية إلي العائد المادي  المنتظر منها لذا يفضل العمل في مهنة تدر عليه ربحا سريعا، أما الصنايعي المتمرس في حرفة الأرابيسك فقد بدأ في اتخاذها كمصدر ثانوي للرزق بجانب مهنة أخري أساسية لتحسين دخله المادي.. ولابد من الاهتمام بإنشاء مدارس مهنية  يمكن من خلالها تعليم الحرف التراثية للشباب، إلي جانب  إبراز دورها الثقافي ومدي ارتباطها التاريخي بالحضارة المصرية.
 أما حرفة الخيامية فتعتبر إحدي الحرف المصرية التي توارثتها الأجيال، حيث شهدت أوج ازدهارها في العصر الفاطمي والمملوكي، كما أنها ارتبطت بشكل خاص بكسوة الكعبة المشرفة، فكانت أقمشة الخيامية الملونة والمطعمة بخيوط الذهب والفضة ترسل من مصر في موكب المحمل لتلف بها جدران الكعبة.
"فن الخيامية من الفنون التي تحتاج إلي صبر وأناة كونها تعتمد بشكل كبير علي الدقة في التنفيذ".. هكذا أوضح رشاد محمد صاحب أحد محال الخيامية في منطقة التونسي بالإمام الشافعي، لافتا إلي أن صناعة الخيامية  كانت تتفرع  إلي صناعات متعددة مثل الجلود والأحذية واشتهرت بها ورش ومحال منطقة الدرب الأحمر ولكنها  لم تعد حاليا منافسة لمنتجات الخيامية المطبوعة علي القماش بالكمبيوتر، فالأخيرة  تتميز بالسرعة والسهولة في التنفيذ فضلا عن انخفاض تكلفتها ما يجعلها خياراً مفضلاً لدي المشترين.. يتابع: صناعة  قطعة واحدة من الخيامية بالطرق اليدوية قد تتكلف 1000 جنيه وتستغرق فترة تتراوح ما بين شهر إلي شهر ونصف حتي يتم الانتهاء من  كافة أعمال  التطريز بها، ونتيجة غلو أسعارها أصبح شراؤها مرتبطاً بفترات محددة خلال العام منها شهر رمضان والمواسم الانتخابية.
من جانبه أشار محمد رشوان مستشار التنمية والمشروعات الصغيرة بالمؤسسة القومية لتنمية الأسرة والمجتمع  إلي أن  بعض الجهات المالية التي تقوم بإقراض مشروعات الحرفيين قد تبالغ في احتساب قيمة  الفوائد التي قد تصل لـ30 ٪ من قيمة القرض، كما أن تعسف بعض المؤسسات والجمعيات  في طلب الضمانات من المقترضين يؤثر علي فرصة  الحصول علي التمويل.
وتابع: نظراً لمحدودية إمكانية  صغار الصناع  تقديم  ضمانات عينية  إلي البنوك أو جهات التمويل المختلفة  مثل الضمانات العقارية أو وجود رصيد مالي يمكن من خلاله تغطية قيمة  القرض، لذلك فإن شروط  الإقراض لتمويل مشروعات الحرف التراثية  تتم من خلال ما يعرف بالضمان الشخصي، والتي تشمل كتابة إقرار من المقترض بضمان تسديد هذه المبالغ خلال فترة محددة.. ويشير رشوان إلي إمكانية دعم  الحرف التراثية عبر اتباع  ذات الاستراتيجية التي انتهجتها ماليزيا من خلال منح هذه الفئة قروضا بفائدة بسيطة  لا تتجاوز 2٪ علي أن تقوم الدولة  بتعويض الجهات المانحة أو الجهات الممولة عن الفارق في التكلفة.. من جانبه يوضح طه العشماوي عضو مجلس إدارة جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة أن الجمعية منذ إنشائها وضعت ضمن أهدافها تخريج  أجيال جديدة  تحمل مشعل الحفاظ علي هوية الحرف التراثية وذلك من خلال شقين أساسيين، شق ميداني يتعلق بإيجاد تواصل ما بين الأكاديميين من ذوي الخبرة الفنية وأصحاب الحرف التراثية لمساعدتهم في اختيار تصميمات منتجاتهم وكذلك في اختيار الأدوات المناسبة لإتمام العمل وإدخال مسحة تكنولوجية بسيطة لا تخل بالعمل اليدوي ولكن ترتقي بالشكل النهائي له، أما الشق الثاني فهو يتعلق بتدريب الشباب وجذب عناصر من خارج وسط الحرفيين من حملة الشهادات المتوسطة أو الدبلومات أو حتي البكالوريس وهو ما نجحت فيه الجمعية بصورة ملحوظة.. وأضاف: عندما شاركت مؤخراً في معارض  الحرف التراثية المصرية في الهند كان من الملاحظ وجود إقبال علي المنتجات المصرية  من قبل  الجمهور رغم أنهم متفوقون في مجال الحرف اليدوية بصورة قوية للغاية إلا أن المنتج المصري ذو طابع  مختلف واستطاع فرض وجوده بين منتجات الدول الأخري، ومن هنا يمكن أن يتم استغلال الملحق التجاري المصري في كل دولة من الدول العالم  لفتح أسواق جديدة للحرفيين المصريين.