تحقيقات

أراضي طرح النهر.. ثروة مهدرة


ياسين صبري
12/11/2018 10:02:54 AM

علي مدي سنوات طويلة شكلت أراضي طرح النهر ثروة قومية غير مستغلة نتيجة غياب التخطيط والمتابعة لها، فهذه الأراضي التي تكونت عبر آلاف السنين من خلال ترسب مكونات التربة بمقدار 1 ملم سنوياً إلي أن وصلت إلي شكلها الحالي فُقد منها نحو 4.5 مليون متر مربع، بسبب تحولها إلي مبانٍ وعقارات سكنية من إجمالي مساحة تقدر بـ34 ألف فدان موزعة علي 16 محافظة علي مستوي الجمهورية.

ولا تقتصر حالات التعدي علي أراضي طرح النهر علي الأبنية السكنية والعقارات المخالفة والنوادي النهرية وبعض المنشآت السياحية فقط  وردم أجزاء من حواف النيل، بل تمتد إلي التعديات الزراعية عن طريق إقامة المشاتل والمزارع بصورة عشوائية من قبل المزارعين.
وتتراوح القيمة التقديرية لسعر المتر بأراضي طرح النهر في بعض المناطق المميزة بالعاصمة ما بين 50 إلي 100 ألف جنيه، يليها في القيمة السعرية أراض تتراوح قيمتها ما بين  25 إلي 30 ألف جنيه للمتر الواحد، فيما لا يزيد سعر المتر المربع في بعض المناطق الشعبية عن خمسة آلاف جنيه.
وقد شهد ملف أراضي طرح النهر حراكاً قوياً مع طرح قانون الري الموحد الذي حظر البناء علي أراضي طرح النهر نهائيا لمسافة ثلاثين مترا مع إمكانية السماح بالبناء بعد هذه المسافة علي ألا يتجاوز ارتفاع المبني 6 أمتار في نطاق 60 مترا.
"آخرساعة" ناقشت مع مجموعة من المختصين كيفية تحقيق الاستفادة الاقتصادية الكاملة من أراضي طرح النهر ومدي إمكانية الحد من الاعتداءات المتواصلة عليها فكانت البداية لدي الدكتور سامي حماد أستاذ قسم الأراضي والمياه بجامعة المنصورة الذي أشار إلي أن أراضي طرح النهر تعد إحدي الهبات التي أنعم بها الله علي مصر، فمكونات هذه الأراضي انتقلت من منابع نهر النيل ثم ترسبت عند إبطاء سرعة المياه لتتكون مساحة مترامية الأطراف تجمع ما بين طبيعة الأراضي الرسوبية والأراضي الطميية أي أنها من أجود وأخصب الأراضي علي مستوي العالم لوجود توازن بين جميع عناصر التربة الخاصة بها، وعندما تم التعدي عليها بالبناء فقد جزء كبير منها كان يمكن استغلاله في زراعة بعض أنواع الفاكهة والنباتات التي يوجد عليها طلب تصديري واسع.
يضيف: أحد الآثار المترتبة علي تعديات البناء علي أراضي طرح النهر هو إلقاء مياه الصرف في النيل مباشرة ما تسبب في تلوث المياه المستخدمة في ري النباتات والتأثير علي الإنتاج المحصولي ونوعية الثمار نتيجة تركز العناصر السامة في المياه مثل الزرنيخ والسيلينيوم والرصاص والحديد والمنجنيز بل وامتد تأثيرها إلي الأسماك ونوعيتها أيضاً.
ويري الدكتور سامي أن التعديات علي أراضي طرح النهر شملت إقامة المصانع والفيلات الخاصة وبعض المنشآت الحكومية ما يثير تساؤلات عن الجهة المسؤولة عن السماح لهذه المباني والعقارات بصرف مخلفاتها داخل نهر النيل!
كما شدَّد علي  ضرورة إغلاق جميع أنواع المصارف التي تصب مخلفاتها علي النيل مباشرة وعدم السماح بترخيصها ولو بصورة مؤقتة، علي أن يتم إجبار أصحاب هذه المنشآت علي استخدام وسائل أخري من أجل التخلص من مياه الصرف وليكن هذا الأمر من خلال ماكينات رفع المياه، وذلك بالتوازي مع عدم منح ترخيص لأي جهة للبناء علي أراضي طرح النيل مجدداً.
فيما أوضح المهندس أحمد رفعت نقيب الزراعيين بأسيوط أن الأيام التي تلت ثورة 25 يناير شهدت تعديات مكثفة علي أراضي طرح النهر وهناك من قام بردم حواف النيل والبناء عليها مثلما حدث في محافظات الوجه البحري حيث تم رصد تعديات علي البحيرات مثل بحيرة البرلس والمنزلة وبحيرة إدكو وبحيرة مريوط.
ويري المهندس رفعت صعوبة في التعامل وتقنين أوضاع بعض المناطق السكنية الواقعة علي أراضي طرح النهر بصورة غير قانونية نتيجة تعدد الجهات المانحة لتراخيص البناء،  فلكي يتم استخراج ترخيص للمبني للتعامل معه بصورة رسمية لابد من المرور أولاً بسلسلة من الإجراءات والحصول علي موافقة الإدارة العامة للحماية المدنية ووحدات الحكم المحلي المختصة فضلا عن الموافقات الأمنية، وغالبا ما يتم رفض إعطاء تراخيص البناء إلا في حالات الإنشاءات سهلة الفك والتركيب.
من جانبه يري الخبير والمثمن العقاري محمد سعد راشد أن الدافع للتعدي علي أراضي طرح النهر في الكثير من الأحيان هو استغلالها من قبل البعض في الأنشطة السياحية أو التجارية نظراً لتميز موقعها، وذلك عن طريق اللجوء إلي التحايل عبر تزوير أوراق ملكية لتسهيل الاعتداء علي أراضي الدولة، مستفيدين من طول إجراءات التقاضي في المحاكم في تلك القضايا التي قد تصل مدة البت في أحكامها إلي ثلاث سنوات.
يضيف: هناك مساحة تقدر بـ 4.5 مليون متر مربع من أراضي طرح النهر تحولت إلي مبانٍ وعقارات وإذا ما تمت الموافقة علي تقنين أوضاعها يكون هذا الأمر بمثابة موافقة صريحة علي التعدي علي أراضي الدولة، إلا أن هناك بعض الحالات التي يمكن استثناؤها مثل وجود مبانٍ مقامة منذ أكثر من 50 عاماً ومن الصعب إزالتها لذلك يمكن تشكيل لجنة من المتخصصين من الناحية الهندسية والقانونية لدراسة الحالات التي يجوز المصالحة معها لأسباب ذات بعد اجتماعي أو اقتصادي.
وتابع قائلاً: لايمكن الجزم بحجم العائد المادي الكلي في حالة السماح بتوفيق أوضاع هذه الحالات إلا بعد حصر الفئات التي ستحظي بموافقة اللجنة المختصة بتقنين الأوضاع.
كما أكد علي ضرورة وجوب اقتصار السماح بإعطاء تراخيص البناء علي أراضي طرح النهر علي حالات المنفعة العامة ومنها إنشاء محطات للنقل النهري، مع تجريم أي صورة أخري من صور البناء بها واعتبارها  تعديات علي أراضي الدولة.
من جانبه أوضح الدكتور مكادي عبد المجيد أستاذ الاقتصاد الزراعي بكلية زراعة المنيا أن أراضي طرح النهر تعتبر أراضي مملوكة للدولة ولابد من إدارتها تحت إشرافها بصورة مباشرة، وذلك من شأنه تحديد الطرق التي يمكن من خلالها استغلال أراضي طرح النهر من الناحية الزراعية عبر تقسيمها من حيث نوعية المحاصيل ذات الجدوي الاقتصادية وعلي رأسها زراعة الخضر والفاكهة كونها تعطي عائدا ماديا مناسبا وتتميز بقصر دورتها الزراعية.
يضيف: إذا كانت أراضي طرح النهر تقع في منطقة بعيدة عن الأبنية السكنية يمكن تحويلها إلي مشاتل لإنتاج التقاوي أو استخدامها لزراعة أشجار الزينة.
وتابع: بعض أراضي طرح النهر يجب التعامل معها بصورة خاصة إذا ما كانت تقع في محيط المناطق الأثرية مثل منطقة تل العمارنة التي قام البعض بالاستيلاء علي الأراضي القريبة منها عن طريق وضع اليد واستغلالها إما في الزراعة أو البناء ولكن تم استرداد هذه الأراضي مرة أخري من قبل الدولة وتحويلها إلي مزار سياحي بتمويل من الخارج.
فيما أوضح النائب مجدي ملك عضو مجلس النواب أن تحويل ولاية أراضي طرح النهر لتصبح تابعة لوزارة الري بعدما كانت تتبع هيئة التنمية الزراعية مرده أن هيئة التنمية الزراعية تعد هيئة مركزية لا يوجد لها إدارات بالمحافظات الست عشرة التي يمر بها مجري النيل، لافتا إلي أن أراضي طرح النهر كانت مستباحة نتيجة تعدد الجهات التي تمتلك حق الولاية عليها وعدم وجود حصر بكافة أراضيها.
وأرجع سبب عدم وجود حصر كامل لأراضي طرح النهر إلي الاعتماد علي الطرق الروتينية وعدم استخدام التقنيات الحديثة مثل تقنيات التصوير الجوي، مطالباً في الوقت ذاته بتعاون العديد من الجهات من بينها هيئة المساحة حتي يمكن الوصول إلي حصر دقيق لتلك الأراضي.
يتابع: الجدوي الاقتصادية المتوقعة في حال نجاح الدولة في التعامل مع هذا الملف تصل إلي مليارات الجنيهات ويكفي أن نعلم أن هناك 7 مليارات جنيه تمثل قيمة متأخرات مستحقات حق الانتفاع لأراضي طرح النهر منذ عام 2011 وحتي الآن لم يتم تحصيلها من قبل الدولة.