تحقيقات

«الدولار الجمركي» .. جدل يربك الأسواق

بعد قرار وزارة المالية بتحرير سعره بالنسبة للسلع الاستفزازية


ضياء عبدالحميد - علا العيسوي
12/18/2018 1:22:02 PM

تسبب قرار وزارة المالية بشأن سعر الدولار الجمركي في إرباك السوق المصري، حيث تقرر تثبيت السعر عند 16 جنيهاً بالنسبة للسلع الاستراتيجية والضرورية، بينما يخضع لسعر الصرف المعلن للدولار من البنك المركزي (نحو 17.96 جنيه) بالنسبة للسلع الاستفزازية، حيث رحب خبراء اقتصاد بالقرار، بينما تنامت مخاوف من أن يؤدي إلي زيادة أسعار سلع أخري -  لا تعد استفزازية - خلال الفترة المقبلة.

شهدت الأيام القليلة الماضية جدلاً واسعاً بعد إقرار وزارة المالية إلغاء الدولار الجمركي علي السلع "الاستفزازية" والترفيهية، ليكون بنفس سعره في البنك المركزي، مع تثبيته عند 16 جنيهاً طوال شهر ديسمبر الجاري للسلع الضرورية والاستراتيجية فقط.. وتعتبر الحكومة القرار خطوة لدعم سلع الفقراء، ومساندة المنتجات المحلية، لكن ما زاد الأمور لغطا هو زيادة تصنيف السلع التي يطلق عليها استفزازية، حيث انضمت سلع جديدة مثل أجهزة التليفون المحمول والحاسبات الآلية والأواني المنزلية ولعب الأطفال وأدوات النظافة، إلي جانب الواردات التي لها مثيل محلي، مثل بعض أنواع الأحذية والأثاث، وبعض الواردات الأخري مثل سيارات الركوب الخاصة والموتوسيكلات والتكاتك، وذلك حفاظا علي الصناعة المحلية المماثلة.   
يذكر أن الدولار الجمركي مصطلح اقتصادي، ويتم تحديد سعره شهريا من قبل وزارة المالية، وذلك لقيام  الدوائر الجمركية بتحديد قيمة البضائع المستوردة، ومن ثم حساب الرسوم الجمركية عليها، بينما سعر الدولار في البنوك هو سعر العملة الأمريكية أمام الجنيه ويتم التعامل عليها بصورة يومية، ويمكن أن يتغير سعره في اليوم أكثر من مرة، وذلك عقب تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016.
القرار اتُخذ بداية من أول ديسمبر 2018 ويستمر لمدة شهر حتي 31 ديسمبر الجاري، ويمكن التراجع عنه مرة أخري، لكن الهدف الأساسي منه حسبما أكد محمد معيط وزير المالية، هو حماية الصناعة الوطنية والحفاظ علي فرص العمل الحالية وخلق فرص عمل جديدة، كما أن سعر الدولار الجمركي الجديد سيسهم في زيادة حصيلة الضريبة علي القيمة المضافة للسلع الاستفزازية والترفيهية، خاصة أنه لا مبرر لاستمرار تمتع تلك السلع بسعر الدولار الجمركي المخفض، مثل الكافيار، والجمبري، والاستاكوزا، وأسماك الزينة، والببغاوات، والخمور، وأغذية الكلاب والقطط، وأدوات التجميل والسيجار، ومنتجات التبغ، والزهور وغيرها.
وتابع الوزير: الأصل في تسعير الدولار الجمركي كان هو السعر المعلن من البنك المركزي، بينما كان تخفيض الدولار الجمركي إلي 16 جنيها أمرا استثنائيا نتيجة الأوضاع الاقتصادية التي شهدتها مصر، وأن الاستمرار بالسعر الأقل وهو 16 جنيها للدولار علي السلع الأساسية والضرورية والاستراتيجية والمواد الخام وآلات ومستلزمات الإنتاج وقطع الغيار، حيث إن جميعها يجب أن تحصل علي ميزة تنافسية أمام المستورد خاصة أن الصناعة الوطنية تقوم بتشغيل العمالة وتوفير فرص عمل.
وأوضح معيط أن السلع المستوردة تامة الصنع ستعامل طبقا للسعر المعلن من البنك المركزي وهو 17.95 جنيه، ولا نمانع من استيراد أي سلعة وذلك احتراما للاتفاقيات والالتزامات الدولية، مع الحرص علي توفير احتياجات كافة شرائح المجتمع المختلفة.
وانتقد أحمد الوكيل رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية، قرار تعديل الدولار الجمركي لوقف استيراد ما يسمي بالسلع الاستفزازية، فلا يوجد في قاموس التجارة ما يسمي بالسلع الاستفزازية، لكن ما يقرر ذلك هو حجم ومقدار الطلب عليها وفقا للقوة الشرائية، وانتقد أيضا وجود سعرين للدولار أحدهما دولار جمركي بـ 16 جنيهاً وسعر آخر بـ 17.97 جنيه، لافتاً إلي أن هذا أمر لا يصح في علم الاقتصاد، إذ يجب أن نتعامل بالسعر المتداول المعلن من البنك المركزي، ولا تخوف من زيادة الأسعار فنسبة الزيادة هنا لن تتجاوز 2 إلي 3٪ علي الأكثر في التكلفة، فلا يصح أن نطلق علي التليفون المحمول والحاسب الآلي سلعا استفزازية!      
كما أن الدولة لا يمكنها وقف الاستيراد من الخارج خاصة بعد التوقيع علي اتفاقية منظمة التجارة العالمية.. وإنه إذا قامت الدولة باتخاذ قرار بوقف الاستيراد سينعكس ذلك بالسلب عليها.. ولكن يجب علي الحكومة مواجهة هذه السلع والتي يطلق عليها استفزازية من خلال دعم المنتج المحلي وإمكانية صناعة هذه السلع في الداخل بدلاً من استيرادها.
في حين يري محمد المرشدي، رئيس غرفة الصناعات النسيجية، الصواب في قرار وزير المالية الذي فكر في نوع من التفريق بين مستلزمات الإنتاج والمنتج التام الصنع، لذا قرر تطبيق رفع الدولار الجمركي علي المنتجات تامة الصنع والتي يتم استيرادها من الخارج، ويدخل معها أيضاً في تطبيق القرار بعض السلع الترفيهية مثل البندق واللوز والاستاكوزا والكافيار والخس الكوري والخمور وخلافه، وهذا يعطي صورة من صور المنافسة في الداخل لصالح المستهلك المصري.
كما أن التليفون المحمول والحاسب الآلي كلها منتجات تامة الصنع ولا تحتاج لدعم، كما أن الزيادة في الأسعار لن تكون كبيرة فالفرق بين الدولار الجمركي والدولار الرسمي لن يزيد علي 170 قرشاً، ومعني هذا أن نسبة الزيادة ستكون 1.7٪ أي أنه علي أقصي تقدير فإن نسبة زيادة الأسعار لن تتجاوز 2٪، مضيفاً: لا أحد يمانع استيراد أي سلعة ولا يوجد أي نوع من الحذر، لكن يوجد تحرير لعملة الدولار طبقا لسعر البنك المركزي، ولكن من الواضح أن أصحاب المصالح والتجار والمستوردين يريدون مزيدا من المكاسب، فلا داعي للمزايدة، فنحن نتحدث عن اقتصاد الدولة، ويجب أن نشجع المصانع علي العمل وألا تذهب مكاسب المصانع الوطنية إلي المنتج الأجنبي.
من جانبه، علق الخبير الاقتصادي الدكتور مختار الشريف، علي القرار قائلاً: "يجب علي الحكومة إعادة النظر في هذا القرار، لأنه سيؤدي إلي مزيد من ارتفاعات الأسعار في السوق خلال الفترة المقبلة، كما أنه سيؤدي لزيادة معدلات التضخم والعجز في الميزان التجاري".
وطالب بضرورة توخي الحذر في القرارات التي يتم إطلاقها لحماية الصناعة الوطنية، وعدم اتخاذ قرارات عشوائية تضر بمصلحة السوق، وتؤدي لفوضي داخل السوق، خاصة أن عام 2018 شهد طفرة كبيرة في أسعار السلع، وأكد أن الصناعة المصرية بحاجة لإصدار قرارات تدعم الصناعة الوطنية.
قرار تحرير سعر الدولار الجمركي وصلت أصداؤه إلي البرلمان، حيث تقدم عدد من أعضائه بطلبات إحاطة اعتراضا علي القرار، حيث تقدم النائب عمرو الجوهري، عضو لجنة الشئون الاقتصادية بالبرلمان بطلب إحاطة لوزير المالية، الدكتور محمد معيط، بشأن القرار، وتضمن الطلب تأثيرات القرار السلبية علي دعم الصناعة المصرية، مشيراً إلي أنه لابد من العمل علي اتخاذ القرارات التي تسهم في دعم الصناعة الوطنية بدلا من اتخاذ مثل هذه القرارات.
كما تقدم النائب محمد فؤاد عضو مجلس النواب عن دائرة العمرانية، بطلب إحاطة إلي الدكتور علي عبدالعال رئيس البرلمان، موجهاً إلي الدكتور مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والدكتور محمد معيط وزير المالية، حول التأثيرات السلبية للقرار علي السوق المصري.
الخبير الاقتصادي عمرو صابر قال إن القرار سيضر بالصناعة المصرية، مشيرا إلي أن إطلاق القرارات الاقتصادية يحتاج إلي دراسات متأنية لمعرفة تأثيرها علي السوق، خاصة أن السوق ليست لديه القدرة علي استيعاب أي زيادات أخري في الأسعار خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل ضعف الرقابة علي الأسواق. ونصح بضرورة تشكيل لجنة اقتصادية تعمل علي دراسة تأثيرات القرارات الاقتصادية علي السوق.
علي صعيد آخر، طالب أشرف الشيمي، سكرتير عام غرفة القاهرة، بضرورة إعادة النظر في القرار، وتحديد تعريف واضح للسلع الاستفزازية، مشيرا إلي أن القرار شمل العديد من السلع الأساسية والتي تم إدراجها تحت مسمي السلع الاستفزازية، لافتاً إلي أن القرار سيؤدي إلي ارتفاعات في الأسعار، وإصابة السوق بالشلل.
ونتيجة المخاوف من تبعات القرار، تعد وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال الفترة الحالية دراسة بشأن عدد أجهزة الحاسبات الآلية التي يتم استيرادها كل عام وتأثيرها علي الموازنة العامة للدولة، فضلا عن تأثير قرار وزارة المالية باعتبار الكمبيوتر والحاسبات الآلية ضمن قائمة السلع الاستفزازية والتي تخضع لسعر الصرف المعلن للدولار من البنك المركزي.