تحقيقات

» أخر ساعة « ترصد تأثير التغيرات المناخــــيـة بالإسـكندريـة والدلـتـا


تحقيق وتصوير: محمد عبد الفتاح
12/25/2018 1:05:05 PM



 -منسوب البحر الأبيض المتوسط ارتفع 6سم خلال 30 عاما
الشواطئ تتآكل في رشيد والملوحة تضرب أراضي زراعية في كفر الشيخ
-»‬الكارديوم» و»‬الكابوريا» ضحايا انبعاثات ثاني أكسيد الكربون
-»‬كل شيئ بدأ منذ 10 سنوات».. كلمة تسمعها 4 مرات في مدن مختلفة وعن جنوب أوروبا

التغيرات المناخية..  
تتردد الكلمة في وسائل الإعلام أكثر من أي وقت مضي، لتطرح أسئلة عدة: ما هي الظواهر الملموسة للتغير المناخي؟ وما هي تبعاته حالياً ومستقبلا علي مستوي البيئة والاقتصاد والصحة العامة؟ وهل يجب أن نشعر بالقلق جراء تغيرات مناخية باتت ووضوح الشمس سواء بأدلة دامغة؟ 
أسئلة تقدم آخر ساعة الإجابة عليها، من خلال جولة شملت مدن الأسكندرية ورشيد وكفر الشيخ، والتقينا خلالها أكاديميين متخصصين في تفسير الظاهرة، فضلاً عن الرصد بكاميرتنا  ما وجدناه متطابقاً علي أرض الواقع مع ما ورد في الدراسات والأبحاث الجيولوجية والكيميائية.
أول ما يلفت نظر الزائر للإسكندرية هو رافعات عملاقة علي امتداد طريق الكورنيش البالغ طوله 23 كم.. رافعات لا عمل لها سوي إنشاء حواجز صخرية علي مقدمة الشاطئ، ولفهم  السبب والهدف من تلك الحواجز توجهت لمعهد بحوث الشواطئ بمنطقة حي شرق، لمقابلة الدكتور أيمن الجمل، نائب رئيس المعهد، وبسؤاله أجاب: " أهم وأخطر ظاهرة للتغير المناخي هي ارتفاع منسوب البحر، وهو ما يحدث بمعدل بطيئ غير مثير للقلق حتي الآن، وعلي مدار السنوات الثلاثين الماضية رصدنا ارتفاعا في منسوب مياه البحر قدره 6سم، بمعدل ١٫٨ ملليمتر سنوياً، وأكثر المناطق تأثراً بتلك الزيادة توجد في دلتا النيل وتحديدا في مدن رشيد (محافظة البحيرة) والبرلس (محافظة كفر الشيخ)". ويتابع الدكتور أيمن:" الهدف من تلك الحواجز الصخرية هو حماية المظلة الشاطئية من التآكل coastal erosion حيث أن الشواطئ واقعة تحت هجوم عملية نحر بفعل الرياح واندفاع الأمواج والمد والجزر، لذا نسعي لصد الأمواج بنوع معين من الصخور وفقاً لمواصفات ومعادلات هندسية معينة لكسر الأمواج". ولكن هل العوامل البحرية وحدها هي المسبب للتآكل؟، يجيب الدكتور الجمل:" لا، بل إن ارتفاع منسوب مياه البحر سبب ثانوي، أما المتسبب الرئيسي في ظاهرة النحر هو بناء السد العالي، حيث أن فيضان نهر النيل كان يخلف وراءه رسوبيات تعوض عملية النحر، وتساعد في بناء أرض جديدة، أما بعد بناء السد، فالنحر مستمر ولكن لا يوجد تعويض". ويتابع بنبرة فيها الكثير من الحزن:" للأسف حجم الأراضي المفقودة في رشيد وكفر الشيخ كبير جداً".
سألته : وماذا إن لم يتم بناء تلك الحواجز الصخرية؟، أجاب:" ستستمر عملية النحر وسيمتد التآكل لمنازل ومصانع وأراض زراعية.. تلك الحواجز تتكلف ملايين الجنيهات ولكنها تحجب خسائر بمليارات، وفي هذا الإطار تبذل الدولة مجهوداً لا يمكن إنكاره". وهل ذلك يعني الاستماع لمن يقولون أن مناطق من الدلتا والأسكندرية سوف تغرق؟ أجاب الجمل بحزم:" لا، ارتفاع منسوب مياه البحر أمر هام وخطير ويجب التنبه له، ولكن ليس لدرجة الحديث عن الغرق.. ونحن هنا في المعهد نحاول أن نعرف ما الذي يمكن يحدث خلال الثلاثين عاماً المقبلة من خلال دراسات تأخذ العوامل كافة في الحسبان".
وعلي ذكر التوقعات المستقبلية تجدر الإشارة إلي معلومة علي الموقع الرسمي للجنة الدولية للتغيرات المناخية IP»‬»‬ ، وهي منظمة دولية تتبع الأمم المتحدة وتتألف من ثلاثة آلاف من علماء المناخ، ومفادها أن منسوب مياه البحر سيرتفع بمقدار 68سم بحلول عام 2050. 
ويعقب الدكتور أيمن الجمل علي هذه المعلومة بالقول:" هذاالسيناريو قابل للتحقق في بلدان، وفي بلدان أخري غير قابل للتحقق، فهناك من يجزم بارتفاع منسوب مباه البحر مستقبلاً دون حساب أن مستوي الأرض نفسه قد يهبط، وبالتالي لا يمكن القول إن مستوي البحر سيرتفع لهذا القدر، فضلا عن أن تأثير التغيرات المناخية يختلف من بلد لآخر".
غير أن ارتفاع منسوب مياه البحر، ليس الشيئ الوحيد الخطير الذي تحدث عنه الدكتور أيمن الجمل، حيث أكد أن ارتفاع درجة الحرارة بشكل عام نتيجة الاحتباس الحراري Global Warming، يؤثر سلباً علي الحياة البحرية إذ أن ذلك يرفع بالتبعية درجة حمضية ماء البحار والمحيطات، وهو " ما أثبته من خلال دراسات أجريتها علي كائن الكارديام"، يشير الدكتور أيمن، ويتابع موضحا:" الكارديام من الكائنات ذوات الصدفتين (أو ذوات المصراعين)، ومن خلال دراسات أجريتها عليه علي مدار عشر سنوات، اتضح لي أن سُمك وصلابة صدفتيه قلت بشكل كبير والشيئ ذاته ينطبق علي الكابوريا (السلطعون أو السرطان باللغة العربية)، حيث أن ازدياد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وانخفاض نسبة الأكسجين الدائب في المياه، قلل من نسبة كربونات الكالسيوم المتواجد في أجسام الحيوانات البحرية ذات الصدفتين".
ويختتم الدكتور أيمن كلامه بشرح السبب المباشر لارتفاع منسوب البحر، بقوله:" الاحتباس الحراري الناتج زيادة معدل ثاني أكسيد الكربون المنبعث من الطائرات والسيارات، أدي إلي ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بشكل عام، وبناء عليه حدث ذوبان في القطب المتجمد الشمالي، وتلك الكتل الثلجية الذائبة اتجهت إلي المحيطات والبحار ومنها البحر الأبيض المتوسط بطبيعة الحال، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أيضاَ أن ارتفاع درجة الحرارة يزيد من كتلة الماء، بمعني أن كمية ما من المياه يزداد حجمها وهي ساخنة عن حجمها وهي بارده".
رشيد    
أنهيت لقائي مع الدكتور أيمن الجمل، وتوجهت في اليوم التالي إلي  رشيد، وفي الميدان الرئيس لتلك المدينة المطلة علي الفرع الغربي لنهر النيل، تلحظ أو ما تلحظ صندوق زجاجي بداخله نسخة مقلدة من الحجر الذي اكتشفه الفرنسيون في حملتهم علي مصر عام 1799، وفك طلاسمه العالم الشهير شامبليون.
علي مدار يوم كامل حاولت العثور علي من يقودني إلي ما أبحث عنه، ووجدت ضالتي بمقهي شعبي في رجل يقترب عمره من السبعين.. يتمتع بجسم مشدود ونظرات حاده وذهن متقد رغم المشيب وما تركه الزمن علي وجهه من علامات. أخبرت الرجل الذي عرف نفسه بـ" الحاج حامد الرشيدي" عن سبب زيارتي للمدينة، فطلب مني إنهاء فنجان القهوة أولاً، ثم توجهنا معاً إلي منطقة علي أطراف المدينة حيث شواطئها المطلة علي البحر الأبيض. في الطريق أخبرني أنه قرأ الكثير عن مسألة التغيرات المناخية وتأثيرها علي الحجر والبشر، ولكي يوضح الأمر قال كمن تذكر شيئ ما فجأة:" أنت عارف يا بيه، من 10 سنين بس كنت عشان أكل الكابوريا كان لازم أحط علي الطبلية شاكوش صغير كده عشان أكسرها، إنما دلوقتي ممكن بأسناني المتخلعة دي أكسرها".. كان كلام الرجل متطابقاً بشكل مذهل مع سرده الدكتور أيمن الجمل. وحينما وصلنا إلي وجهتنا بعد المرور علي نقطة تفتيش عسكرية، أمر قائدها بعبور السيارة فورا بمجرد رؤية الحاج حامد، أخبرني الرجل العجوز " أوعاك تتطلع كاميرتك يا بيه.. المنطقة دي كلها تبع المخابرات الحربية، وأنت طبعا سيد العارفين.. ممنوع التصوير"، ثم أشار إلي حاجز صخري لصد الأمواج وقال:" الحاجز ده مبني من الثمانينات"، ولكن الرجل نفسه فوجئ بأن حاجز آخر يجري تشييده علي قدم وساق بواسطة القوات المسلحة لدعم الحاجز القديم  في مواجهة عملية نحر لا تتوقف.
 
عودة إلي الإسكندرية
قبل أن أتوجه إلي كفر الشيخ عدت إلي عروس البحر الأبيض مرة أخري، للحديث مع الدكتور صلاح سليمان، أستاذ الكيمياء وسُمية المبيدات بجامعة الإسكندرية، ورئيس مركز التنمية المستدامة بمكتبة الإسكندرية، وباعتباره أكثر الباحثين اهتماماً بمنطقة الدلتا. وبسؤاله عما حدث في محافظة كفر الشيخ بفعل التغير المناخي، أجاب:" تكمن المشكلة في أن المنطقة التي يحدها بحيرة البرلس جنوبا والبحر الأبيض المتوسط شمالا، ويحدها من الغرب إدكو ورشيد، ومن الشرق بلطيم، عبارة عن سهل منبسط، ومع ارتفاع منسوب مياه البحر يشكل ضغطا هيدرولكي (أي أن البحر يكبس المياه لأسفل) بفعل ذوبان الجليد وارتفاع درجة الحرارة، يقع ضغط علي تلك المنطقة، فحدث زحف جوفي Intrusion لمياه البحر إلي الأرض الزراعية وفقدت كل خصوبتها وأصبحت غير صالحة للزراعة بالمرة.. الوضع هناك غير قابل للسيطرة"، ويؤكد الدكتور صلاح سليمان:" قرابة الـ2800 أسرة في قري: "السيد البدوي" و"إبراهيم الدسوقي"، و" سيدي طلحة"، فقدوا منازلهم وليس أراضيهم الزراعية فقط.."، قاطعته: إذا ً أنت مؤيد لمصطلح »‬limate refugees، أو "لاجئو المناخ" الذي بدأ يظهر في بعض وسائل الإعلام؟
-أجاب: للأسف نعم

 ويواصل الدكتور صلاح سليمان شرحه بالحديث عن مناطق تتعرض لموقف مشابه في الإسكندرية، وهي مناطق منخفضة حددها بـ" غيط العنب"، و"غيط الصعيدي"، ومنطقة "أبيس"، ويضيف: "من وجهة نظري فإن منشآت مثل شركة العامرية للبترول في منطقة مرغم، وشركة الأسكندرية للبترول في منطقة وادي القمر، ماكان ينبغي لهما أن يُنشئا في المنطقتين المذكورتين لأنهما منخفضتين عن سطح البحر ومعرضتان للغرق.. وهذه رسالة يجب توجيهها للمستثمرين وصناع القرار: يجب وضع مسألة التغيرات المناخية، الآن ومستقبلا، في الحسبان قبل اتخاذ أي قرار".
-سألته إذا كان هناك مظاهر أخري للتغير المناخي في الإسكندرية، لا سيما وأن الحديث يدور في المدينة الساحلية عن أمطار هطلت بغزارة في منتصف أغسطس الماضي في سابقة لم تحدث من قبل، فأجاب:" بالطبع نعم أمطار أغسطس كانت مفاجئة، فمن ظواهر التغير المناخي عواصف وأمطار غير متوقعة في مواعيد وبكميات غير متوقعة، علي غرار ما حدث من سيول أغرقت الأسكندرية حرفياً في شتاء 2015، وكذلك ما شهدته دول الخليج، السعودية والكويت والإمارات تحديدا، علي مدار السنوات الماضية، من سيول لم تكن تحدث من قبل". ويتابع مستفيضاً في الشرح:" نتيجة الثورة الصناعية في العالم كله، تضاعفت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو، لتصبح 400 جزء في المليون، بعدما كانت 200 جزء في المليون، فارتفعت درجة حرارة الأرض، وكل ذلك ناتج عن الأنشطة البشرية المعتمدة علي استخدام الوقود الأحفوري. والنتيجة، علي مستوي الزراعة، ظهور بكتيريا جديدة، تعيش في درجات حرارة عالية، في محصول الطماطم لهذا العام علي سبيل المثال، وعلي مستوي الحياة البحرية حدث "تبييض" لبعض الأنواع من الشُعب المرجانية في البحر الأحمر، بمعني أنها فقدت ألوانها".
ويؤكد الدكتور صلاح سليمان أن إيطاليا وأسبانيا وفرنسا أنشأت منذ 10 سنوات مراكز لمكافحة الملاريا، حيث تشير دراسات عدة إلي أن الباعوضة الناقلة للملاريا بدأت تتحرك من جنوب وشمال السودان باتجاه مصر وجنوب أوروبا، نتيجة للاحترار الحادث في تلك الدول.
كفر الشيخ
ذهبت أولاً، ومن خلال السير عبر الـGPS  إلي المنطقة التي حددها الدكتور صلاح سليمان، وكانت بالفعل أشبه بصحراء جرداء، وتقول بعض الشواهد أن تلك الأرض كانت مزروعة يوماً ما، ولكن الملوحة تكمنت من التربة وبلغت منها كل مبلغ، وأصبح الملح طافحاً علي السطح بشكل صارخ، بل أن مياه من البحر أوجدت لنفسها قناة في قلب الأرض.  
وبالصدفة التقيت عابر سبيل لفت انتباهه قيامي بتصوير التربة عن قرب.. هيئته وما يحمله علي دراجته النارية يقولان إنه فلاح يزرع أرضا علي بعد عدة كيلو مترات، وأغلب الظن أنه كان متوجها لبيته لتناول وجبة الغداء وربما القيلولة، وكان من الواضح أنه يريد أن يسألني عما أفعل ولكني باغته بالسؤال أولاً: منذ متي أصبحت هذه الأرض علي هذا الحال؟، فأجاب: "منذ 10 سنوات.. لقد هجرها أصحابها بعدما عانوا الأمرين في زراعة أي شتلات".
 تركت الرجل وعدت إلي القاهرة بعدما اعتذرت عن دعوة كريمة منه للغداء، وبعد عدة أيام عُدت إلي كفر الشيخ مرة أخري، ولكن توجهت إلي قلب المدينة هذه المرة، وهناك التقيت نهي عبد الفتاح، رئيس مجلس إدارة جمعية الشباب لتنمية المجتمع والموارد البشرية، والتي تعاونت مع الأمم المتحدة في عدة برامج ومشاريع لمكافحة ودراسة التغير المناخي في كفر الشيخ ، وانطلقت معها في جولة سريعة شملت عدد من الأراضي التي كانت زراعية يوماً ما، وكأن كلمة السر هي 10 سنوات، تؤكد نهي أيضاً أن تسمم أراضي كفر الشيخ بالملوحة "ظهر بشكل واضح منذ 10 سنوات بشكل تدريجي.. في المناطق الأكثر قرباً من البحر، وتحديداً في مدن الحامول وبلطيم وأجزاء من مطوبس، ثم بدأ الزحف إلي الداخل".  وعند مدخل المدينة رأيت معها أرضاً تحولت إلي مزرعة سمك، بعدما فشل أصحابها في علاجها من الملوحة، ثم رأينا أرضاً ثانية أصبحت قاحلة تماماً، ثم ثالثة لم تعد بنفس القدرة علي إنتاج كم معقول بجودة مقبولة من المحصول. وتوضح نهي:" محاولة تدوير الأرض مرة أخري لعلاجها من الملوحة، أمر مكلف جدا، ويشكل عبئاً من الصعب أن يتحمله الفلاح وحده، فتكلفة المحصول ترتفع وبالتالي ترتفع قيمته بالنسبة للمستهلك".
بينما كانت الشمس تتجه للغروب شاهدت سربا من الفلاحين عائدين إلي منازلهم بعد يوم عمل شاق،  فتوجهت إلي أحدهم وكان عجوزاً ستينياً يمتطي عربة كارو يجرها حمار، وفي الخلف جاموسة يربطها حبل بمؤخرة العربة. عرفت الرجل بنفسي وما أريد معرفته، فقال بتلقائية شديدة:" الأرض بقت عيانة.. لا بتقبل شتلة قمح ولا شتلة برسيم.. نص الأراضي علي الحال ده"، وفجأة تدخل شاب ثلاثيني ملتحي في الحديث، وسألني بعنف عن هويتي وما إذا كنت أحمل تصريحاً بالتصوير والحديث مع الناس.. لم أكترث له، فأخرج هاتفه المحمول من جيبه والتقط لي صورة، متوعداً بإبلاغ الجهات الأمنية، علي اعتبار أن ما أسأل فيه قد يشوه سمعة مصر، بينما هو ومن معه "ناس بتحب بلدها"، هكذا قال بحزم وفخر، قبل أن يوجه حديثه للرجل العجوز قائلاً:" يللا بينا يا حاج عبد الله"، وانصاع الحاج عبد الله بالفعل للشاب، رافضاً التقاط صورة أو استكمال الحديث، وأشاح بوجهه وانصرف وهو لا يلوي علي شيئ.