تحقيقات

رسائل البسطاء إلي أولياء الله والقديسيين

«آخرساعة» ترصدها من داخل مسجدين وكنيسة


والفاتحة لأولياء الله

والفاتحة لأولياء الله

عـــلا نـافــع
1/8/2019 11:22:29 AM

علي أبواب أضرحة ومقامات أولياء الله، يصطف الدراويش والمجاذيب في حلقات دائرية يهيمون في عالمهم الخاص، لا أنيس أو جليس ينشدون لقياه، فما الهناء إلا بلقيا الله، تخرج فجأة أصواتهم العالية ليتردد صداها بين الجنبات، جلاليب بيضاء وعمائم مزركشة، لا يستبدلونها قط كأنها رداؤهم الأخــير للعــبور إلـي جنان الرفــيق الأجـل، يلتمـســون طـريقهــم للآخــــرة ويتـخــــذون من آل البيت شفعاء لهم، يتعلقون بحبلهم متمسكين بكراماتهم، ولم لا؟ فهم الطاهرون الصادقون النجباء.

يجاور أضرحة ومقامات أولياء الله للرجاء نساء ورجال جاءوا أطيافًا كثر، كبلتهم هموم الدنيا وفدائحها، أغلقت محاكم الدنيا أبوابها أمامهم، وابتعدت عنهم أحلامهم وغادرتهم بلا أمل، جاءوا بقلب مهترئ يشكون لهم ويفضفضون دون خوف، يتمتمون بدعواتهم ويسردونها في رسائلهم البسيطة، والتي لم يستعينوا بوسيط لكتابتها أو نظمها.
صناديق حديدية وخشبية امتلأت بأحلام البسطاء وأحقادهم، متيقنين تمامًا بأن أصحاب المقامات ينجدون الملهوف ويغيثونه، ويردون المظالم لأصحابها، فهناك وقائع سابقة لأقرانهم تشهد علي ذلك ولكنهم أيضا لا ينسون التبرع ببعض الجنيهات كإعلان عن طهر قلوبهم ونواياهم الحسنة كما يوقدون شموعًا لطرد الأرواح الشريرة التي قد تطاردهم.
يجوبون بين الأضرحة المختلفة تاركين وراءهم رسائلهم، فيتنقلون ما بين ضريح الإمام الشافعي قاضي الشريعة ونفيسة العلم وسيدنا الحسين وليس هذا فحسب بل إن بعضهم كان لا ينسي أن يكتب رسالة لخادمي هؤلاء الأئمة كأنه واسطته، يدعمون رسائلهم بصورهم الفوتوغرافية للتذكير بصاحب الطلب ودعوته.
الدكتور سيد عويس رائد علم الاجتماع كان أول من اهتم بدراسة تلك الظاهرة  بل إنه خاطب الأوقاف آنذاك ليدرس سيكولوجية تلك الرسائل وواظب علي زيارة الضريح لمدة خمسة أشهر وأفرد لها كتابا خاصا سماه "رسائل للإمام الشافعي" لخص فيه اعتقاد المصريين بكرامات أهل البيت فكان لكل واحد منهم كرامة مختلفة، فمثلًا السيدة نفيسة في علاج العيون والإمام الحسين في تزويج العوانس.
كما سلط الضوء علي اعتقادهم بوجود محكمة باطنية في الآخرة تعيد النظر في طلباتهم ومظالمهم وتردها بعد ذلك سواء طال الوقت أو قصر.
حتي أن إحدي الرسائل التي استعان بها في كتابه تؤكد ذلك: "أما بعد فأوصي يا إمامنا يا شافعي، وأنت يا حسن وأنت يا حسين، وإنتي يا أم هاشم، وإنتي يا ست زينب وأنت يا قطب الرجال يا متولي، وأنت يا سيدي أحمد يا رفاعي، أن تتصرفوا بمعرفتكم من اللي سرق الجاز والدقيق والسمنة والأنجر.. منتقم جبار من الطغيان وابن الحرام، وإن كان أبوها.. ينتقم منه. والسلام ختام. من طرف نبوية".
الغريب أن إرسال رسائل للأولياء لا تقتصر فقط علي المسلمين بل هو إرث ديني يتوارثه المسيحيون أيضا، ولعل غرفة التعذيب بكنيسة مارجرجس خير دليل علي ذلك، فبين ثنايا الجدران الحجرية تتناثر الأمنيات والتبريكات فلدي القديس الشهيد كل ما يطلبونه، ولن ينسي أبدا محبيه وأتباعه، حتي الحجاج الأجانب الذين جاءوا لزيارة مارجرجس لم ينسوا هم الآخرون ترك رسائلهم.
تجولنا بين الأضرحة المقدسة في محاولة لرصد فحوي تلك الرسائل، وسيكولوجية مرسليها وما يدور في خلدهم.
"مدد يا أم العواجز.. مدد.. جتلك وأنا طالبة منك السماح .. تاخديلي بتاري (بثأري) من محمود ابن عفيفة .. لا يهناله بال ولا يغمضله جفن" رسالة مطوية كتبت بلغة متواضعة وحروف مهزوزة، أودعت في صندوق النذور الخشبي الملاصق لمقام السيدة زينب بعد أن نجحنا في الحصول عليها خلسة، واحدة من رسائل ورقية عدة ألقيت تحمل دعوات الرجاء والقصاص للمحكمة الباطنية بالآخرة، فستنا "زينب" بحسب اعتقاد المصريين هي رئيسة ديوان تلك المحكمة التي تحكم بالعدل في كافة شئونهم الخاصة وترفعها للمجيب الأعلي، وإذا ما ضاق بهم الحال وتخلت عنهم محاكمهم الدنيوية يبادرون علي الفور بكتابة توسلاتهم لتلك المحكمة.
أمنيات وتوسلات جاءوا محملين بها، ينثرونها علي أوراق بيضاء بحجم كف اليد، مطعمة بدموع سالت لشعورهم بظلم أو عجز، كرغبة في إنجاب ولد يكون سنداً لذويه، أو لم شمل حبيبين فرقتهما الظروف والسبل، أو شفاء الأمراض المستعصية والنجاح في الحياة العملية.
علي مقربة من الصندوق وقفت إحدي السيدات متشحة بالسواد، تشع من عينيها نظرات الحيرة والرجاء، لا يكف لسانها عن ترديد آيات من الذكر الحكيم، تمد يدها بين الحين والآخر للتبرك بحفيدة رسول الله، يتشبث بطرف ثوبها طفل صغير لم يتعد السابعة، يلاحقها أينما ذهبت، سرعان ما تنتبه لوجوده فتطلب منه قراءة الفاتحة وترديد سور القرآن البسيطة التي يحفظها عن ظهر قلب.
تخرج من طيات ملابسها ورقة بيضاء وبعض الجنيهات الحديدية تمد بيدها مسرعة إلي صندوق النذور وإلقاءها علي عجل، تهرول إلي باب الخروج فزوجها المسن ينتظرها أمام المدخل المخصص للنساء.
إلا أنها تري صندوقاً زجاجياً كبيراً ملقي بداخله بعض النقود والقصاصات الورقية، سرعان ماتسأل عامل النظافة عن سبب وجود تلك القصاصات فيجيبها بأن الكثير يعتقدون أنه كان مكان إقامة سيدي أحمد العتريس خادم السيدة فيتبركون به لتخرج علي الفور رسالة أخري وتلقيها بخشوع وفرح.
وبعد مغادرتها حاولنا جاهدين معرفة فحوي رسالتها من خلف الصندوق الزجاجي لنجدها توسلاً من الله لأن يحفظ لها وحيدها الذي أنجبته بعد خمسة عشر عاما من زواجها وأن يبعد عنها العيون المترصدة وأهمهم "عبلة بنت حميدة" فقالت: "ياستنا ياحبيبة رسولنا... احفظيلي محمد ابني اللي جبته بعد 15 سنة، واجعليه محفوظ من الإنس والجن.. وابعدي عنه شر عبلة بنت حميدة .. وداويه من كل جروح وشقاء.. حبيبتك عفاف".
رسالة أخري استطعنا قراءتها بالكاد تبدو أنها من زوجة تشكو ظلم حماتها ومعاملتها السيئة لها علي الرغم من أنها تخدمها وتعاملها بالحسني مرددة عبارات "حسبي الله ونعم الوكيل "و"اللهم انتقم منها "إلا أن ما لفت انتباهنا صورة فوتوغرافية حديثة لعروسين مازالا في سنوات عمرهما المبكرة ومكتوب خلفها "ياستنا زينب.. تممي حملي المرة دي علي خير".
يقول حسين رجب، أحد عمال مسجد السيدة زينب: يستقبل المسجد آلاف الزوار من كافة المحافظات والبلاد العربية ، ويقومون بالتبرع بأموالهم في الصناديق الخشبية والبعض الآخر يكتب رسائل تبريكات ورجاء اعتقاداً منهم بأن آل البيت يشفعون لهم عند المولي فيحققون أمنياتهم وبالطبع فإنها خرافات لا أساس لها من الصحة مضيفاً أنه بنهاية كل عام تنتقل تلك الصناديق إلي وزارة الأوقاف التي تقوم بتشكيل لجنة كبيرة لفتحها ولا نعلم مصير تلك الرسائل.
وعن أبرز الفئات التي تهتم بكتابة الرسائل يقول: تتعدد تلك الطوائف وتختلف إلا أن أبرزها يكونون من النساء ذوي التعليم المتوسط أو اللاتي لم يتلقين أي تعليم وعادة ما تنحصر أمنياتهم في حلم الإنجاب أو الانتقام ممن ظلمهن أو تزويج بناتهن والغريب أن هناك بعض الزائرات من الخليج العربي يؤمنَّ بتلك الخزعبلات.
أما عن الرجال المهتمين بكتابة الرسائل فيشير إلي أن أغلبهم من مجاذيب السيدة وبعضهم لا يعرف القراءة والكتابة فيطلبون من الزوار كتابة طلباتهم.
وفي مقام السيدة نفيسة لم يختلف الحال كثيراً عن السيدة زينب، فالزائرات يجبن يميناً ويساراً حول المقام الذي تفوح منه رائحة عطرة، بعضهن اتخذن مجلساً ومصلي فهم يشعرن براحة عجيبة لجوار أهل البيت، شابات في بداية أعمارهن ترتسم علي ملامحهن الرجاء والأمل، يلقين برسائلهن خفية في صندوق الرسائل الذي كان حديديا يصعب علينا فتحه أو اختلاس نظرة إليه.
تبادلنا أطراف الحديث مع الحاجة "سامية" وهي إحدي زائرات المقام الكريم، امرأة في نهاية العقد الخامس من عمرها، تتمتع بدماثة خلق وابتسامة لا تفارق وجهها، توزع كلماتها الرقيقة علي الزائرات، فقد وقعت في حب آل البيت وخاصة ابنة الحسن رضي الله عنه، بعد أن استنجدت بكراماتها مرارا ودوماً ما كانت تنجدها.
تقول سامية: أنا من محبي آل البيت جميعهم ولكنني ارتبطت برابطة عجيبة مع السيدة نفيسة فبعد زواجي بعدة أشهر، فقدت جنيني الأول وتأخر حملي الثاني عدة سنوات مما سبب لي أزمة نفسية، فنصحتني إحدي صديقاتي بزيارة مقام السيدة نفيسة وكتابة رسالة للتبرك بها وبرغم اعتراضي علي ذلك إلا أنني وافقتها وألقيت برسالتي في الصندوق الخشبي وبالفعل بعد شهرين علي الأقل عرفت بخبر حملي وأنجبت ولدي الذي أصررت علي تسميته "الحسن" علي اسم حفيد رسول الله ووالد نفيسة العلم مضيفة ولم أقطع تلك الرابطة قط فعندما كانت تضيق بي الدنيا أو يظلمني أحد كنت أشكو لها وفعلا كان الحق يعود لي.
أما سعيدة عبدالخالق واحدة من المتطوعات لخدمة الضريح فقالت: تنشط حركة الزيارة في أيام الجمعة والأعياد الدينية وتأتي الزائرات من مختلف المحافظات محملات بدعواتهن وتوسلاتهن للسيدة نفيسة، وبعضهن يلجأن لكتابتها علي الأوراق أو التمتمة بها وبرغم نهي الكثير من الشيوخ عن ذلك إلا أنهن لا يلقين لهم بالاً.
وعن الرسائل المكتوبة فقالت: أغلبها دعوات بإنجاب الولد أو نجاح الأبناء في سنوات الدراسة والأخري تنم عن الرغبة الانتقامية ممن ظلمهن ويقومون بكتابة الاسم كاملا واسم الأم اعتقاداً بأن الدعوة لابد أن يذكر فيها اسم الأم حتي يقبلها الله.
وبداخل مجمع الأديان الذي يحتضن بداخله كنيسة مارجرجس العتيقة، بشوارعها الشبيهة بشوارع القدس وبيت لحم موطن السيد المسيح، تتناثر أيقونات الشهيد مارجرجس بكافة الجنبات، حالة من الرهبة تسيطر عليك عندما تطأ قدمك مبني الكنيسة، تراتيل الصلوات بأصواتها الملائكية كأنها نور ينبثق بداخلك.
هنا تعذب القديس وتحمل آلامه بشجاعة وإيمان كبير، حتي صار أيقونة الصابرين والصامدين في وجه الطغاة، يأتي إليه الحُجاج من كافة البقاع يستمدون منه قوة وتحملاً تعينهم علي مشاق الحياة، أفواج سياح من كافة الجنسيات، يقفون باستسلام أمام صوره، يدخلون بخوف غرفة التعذيب التي تكتظ بالأدوات التي استخدمت في تعذيبه كالحذاء الخشبي الموضوع به مسامير مثبتة بنعله كذا العجلة الدائرية التي يبرز من جميع أنحائها مسامير ضخمة.
وبجانبها تصطف رسائل الشكر لمارجرجس لنجاح أصحابها أو خطوبتهم أو حصولهم علي عمل طالموا تمنوه والغريب أن أصحابها ليسوا مسيحيين فقط ، فعلي لوحة رخامية متأنقة كتبت بحروف منظمة "شكرا لك مارجرجس علي وقوفك بجانبي وتلبيتك دعواتي الخفية.. وللعلم أنا مسلمة ولست مسيحية".
وبداخل تلك الغرفة كهف صغير تكسوه الجدران الحجرية العتيقة والتي تحتضن عشرات الرسائل الورقية "يا مارجرجس كون معاي يوم العملية.. ساعدني.. احفظني.. قرب إليَّ ما في نفسي".. رسالة أخري كتبت علي صورة من إيصال أمانة صادر من محكمة حلوان "يايسوع .. يا مارجرجس ..تشفعا ليا عند الرب . اقضيا عني الدين قبل يوم الثلاثاء .. ويسر ليا الصعب".
وهناك نوع آخر من الرسائل امتلأ به الكهف كتمنٍ للزواج من شخص بعينه وتقريب قلبه "يا مارجرجس.. جوزني من ريمون وحنن قلبه عليا وخليه يحبني زي ما بحبه وابعد عنه ديانا بنت عمه" ورسالة أخري كتبت باللغة الإسبانية يطلب فيها صاحبها من مارجرجس أن يختر له صديقة حنوناً تتحمل أطواره الهوجاء.
وحول تفسير علم الاجتماع لتلك الظاهرة يقول الدكتور محمود ناشد أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق: يترسخ لدي المصريين اعتقاد بالتبرك بأولياء الله وزيارة أضرحتهم كتوسل لإجابة دعواتهم وكان الدكتور سيد عويس أول من استرعي انتباهه فتوصل إلي أن تلك الظاهرة موجودة منذ الفراعنة حيث كانوا يتركون رسائلهم في مقابر الموتي لإيصالها للعالم الآخر.
ويضيف: كما أن معظمهم عندما ييأسون من عدالة محكمة الدنيا يلجأون لمحكمة الآخرة أو الباطنية والتي لا ظلم فيها بل ترد الحقوق لأصحابها طال الأجل أم قصر وهناك حادثة الفلاح الشهيرة مع الرئيس جمال عبدالناصر فقد كان الرئيس يطلب قراءة الرسائل التي يرسلها البسطاء إلي سيدنا الحسين فلفت انتباهه أحد الفلاحين الذين يطلبون من الحسين 200 جنيه لتزويج ابنته فأمر ناصر بصرف 100 جنيه من صندوق الإعانات وتم توصيل المال للفلاح قائلين له إنها من طرف جمال ليفاجأ عبدالناصر برسالة أخري من نفس الفلاح تطلب من الحسين أن يرسل له 100 جنيه المتبقية ولكن ليست مع جمال حتي يصله المبلغ كاملاً، فهذا يدل علي ثقتهم بأولياء الله وشفاعتهم.
ويتفق معه الدكتور سعيد زين أستاذ مقارنة الأديان فقال: لا تختلف الموروثات الدينية عند المسلمين والمسيحيين من حيث إقامة الموالد للأولياء أو التبرك بهم حتي أن بتراثهم بائعي الحمص والترمس وإيقاد الشموع وحتي التبرك بالأيقونات والأضرحة وتظل كتابة الرسائل لهم شكلاً من أشكال استجداء العدالة الإلهية التي لم توفرها محاكم الدنيا وليس هذا فحسب فهم مقتنعون بأن أولياءهم يطلعون علي تلك الرسائل ويحققونها مضيفاً حتي أنهم يزيلون كافة العوائق والتكلفات أثناء خطابهم للقديس فيحدثونه كأنه واقف أمامهم ولا ستار بينهم.