تحقيقات

»نزلة السمان« ترفع شعار التطوير


علا نافع - ندي البدوي
2/5/2019 11:39:04 AM

الأحداث الأخيرة التي أعقبت عملية إزالة الأدوار المخالفة بنزلة السمان، جددت الحديث عن وضع الأهالي خاصة بمنطقة سن العجوز الملاصقة للحرم الأثري بالهرم، في ظل مشروع تطوير هضبة الأهرامات والمزمع الانتهاء منه وافتتاحه أواخر العام الحالي، ما دفع الدكتور مصطفي وزيري الأمين العام للمجلس الأعلي للآثار للتأكيد علي أن التطوير تأخر كثيرا لكنه سيراعي أيضا أهالي المنطقة الذين ستشملهم الخطة.

بدأت خطة التطوير في أواخر عام 2009 وكان من المقرر الانتهاء منها في 2012 ولكن توقفت بسبب اندلاع ثورة يناير، وتجلت علي السطح في أواخر الثمانينات عندما تبرم الرئيس الأسبق مبارك من المباني العشوائية الملاصقة للأهرامات أثناء إحدي زياراته، ما دفع رئيس مجلس الوزراء أحمد نظيف بإصدار تعليماته بضرورة تطوير المنطقة وتسجيل عدد المنازل المجاورة لسن العجوز، وليس هذا فحسب بل قام عمر عبد الآخر محافظ الجيزة آنذاك بسن قانون يمنع البناء في المنطقة »أ»‬ الموجود بها الطريق الصاعد ومعبد الوادي لهرم خوفو.
وفي 2014 عاد الحديث مرة أخري عن ضرورة استكمال خطة التطوير بوضع رؤية للتنمية العمرانية بتحويل هضبة الأهرامات إلي مزار سياحي عالمي وتطوير المنطقة الواقعة بينهما وبين المتحف المصري الكبير إلي ممشي سياحي يضم حدائق وساحات عامة مع تعويض المتضررين بتعويضات مناسبة ومنذ ذلك الوقت حتي باتت النزلة علي صفيح ساخن.
لم تكن نزلة السمان منطقة كباقي المناطق المصرية، فولدت بين أحضان وحضرة الأهرامات واستنشقت عبير أجدادها العظام الذين مازالت أرواحهم النابضة ترفرف حولهم، وحمل أهلها راية ترويج السياحة منذ بدء ظهورها حتي أنهم أول من امتهنوا الإرشاد السياحي واستقطبوا السياح من كل جنس ولون، فبات التاريخ المصري يجري في دمائهم والأهرامات الثلاث قبلتهم المقدسة، وعندما اشتدت أحداث ثورة يناير انتفضوا ليلوذوا عن تلك المعالم ويتصدوا لغزو الخارجين عن القانون الذين جاءوا ليسلبوا وينهبوا .
إلا أنه بعد تلك الثورة ظهرت الكثير من الممارسات التي أثرت بالسلب علي السياحة وألقت بالنيران في مرمي هؤلاء الأهالي، ولعل أهمها ازدياد حالات البناء العشوائي التي تمت دون سند قانوني، فضلا عن المضايقات التي يتعرض لها السياح يوميا والتي تبرأ منها أهالي النزلة مؤكدين أن معظم من يقومون بها من الدخلاء وسكان المحافظات المجاورة خاصة الفيوم وبني سويف.
ومنذ أعلنت الدولة عن إعادة إحياء مشروع تطوير الأهرامات ونزلة السمان في 2014 حتي أبدي الأهالي نيتهم للمشاركة في خطة التطوير، وعرضوا مشروعهم الذاتي علي وزراء الآثار والسياحة والتطوير الحضاري للعشوائيات، إيمانا منهم بأن ذلك التطوير سوف يعود عليهم بالخير والمنفعة، إلا أن الأحداث الأخيرة والتي ضمت إزالة الأدوار المخالفة جددت الحديث عن وضع الأهالي القانوني مما استدعي قيام محافظة الجيزة ومركز دعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء بإصدار بيانا يؤكد أنه لامساس أو تهجير لهم وأن ماتم هو إزالة الأدوار المخالفة والتي لم تتعد الأربعة منازل.
وفي تصريح خاص لـ»‬آخرساعة» أكد أشرف محيي الدين مدير عام منطقة الأهرامات الأثرية  أن الإزالات التي تمت مؤخرا كانت للأدوار المخالفة والعقارات التي بنيت في الحرم الأثري الملاصق لمنطقة الأهرامات، والتي وصل عددها إلي 450 محضرا منذ ثورة يناير حتي أوائل العام الحالي، حيث إن الدولة بدأت تستعيد قوتها وقامت بخطة الإزالات منذ 2016 وحتي الآن، حيث ينص قانون 18 لسنة 1999 بأنه لا يحق تنكيس المباني أو هدمها أو تطويرها إلا بتصريح مسبق لكونها منطقة أثرية من المقام الأول.
تقع منطقة نزلة السمان جنوب حي الهرم. يحدها من الشمال شارع الهرم الذي ظهر مع افتتاح قناة السويس في عهد الخديو إسماعيل، ومن الغرب المنطقة الأثرية ويحدها من الشرق ترعة المنصورية، وقد ذكرت تلك المنطقة في كتب التاريخ القديم وكانت تسمي »‬بوزير» وروي الأثري الراحل سليم حسن في كتابه »‬أبو الهول» أن أهالي النزلة كانوا يقدمون الخدمات لبناة الأهرام.
ثم تطور تواجد الأهالي في المنطقة، والذين كانت تعود أصولهم الي القبائل الكنعانية العربية مستغلين تواجد مياه الفيضان والتي كانت تصل في بعض الأحيان إلي قدمي أبو الهول في أمور الزراعة، ولعل ذلك سبب إطلاق اسم نزلة السمان علي المنطقة حيث إن طيور السمان كانت تهبط أثناء الهجرات الموسمية وبعد بناء خزان أسوان انحسرت المياه مما دفع الأهالي للنزول وبناء مساكنهم الحالية.
ومنذ عام 1870 وبعد خروج الحملة الفرنسية من مصر واهتمام محمد علي باستقطاب السياحة وتلاه الخديو إسماعيل الذي سار علي خطواته بإنشاء فندق المينا هاوس القريب من الأهرامات ليحتضن الأفواج التي جاءت لتشهد حفل افتتاح قناة السويس، ظهر الشكل السياحي للنزلة وقام أهلها بخدمة السياح من بيع وشراء فضلا عن الترجمة لهم، ولعل ذاك النواة الأولي لظهور مهنة المرشد السياحي .
ومرت السنوات حتي باتت النزلة مكانا يستقطب الكثير من أصحاب الشركات السياحية والبازارات فضلا عن أصحاب الخيول والجمال الذين لم يهتموا باستخراج التراخيص والتصريحات الطبية، وسرعان ماتحولت إلي مكان أقرب للعشوائيات خاصة في ظل قيام بعض أهالي منطقة »‬سن العجوز» الملاصقة لحضرة الأهرامات، بتحدي قانون البناء والقيام بتعلية أدوار عقاراتهم، علي الرغم من قيام وزارة الآثار بإقامة سور عازل ليفصل المنطقة الأثرية »‬أ» عن المنطقة السكنية، ولعل هذا مادفع بعض عائلات النزلة لإعلان تبرمهم المستمر من تلك الممارسات حتي أنهم أرسلوا استغاثة للرئيس عبد الفتاح السيسي يطالبونه بالتدخل لوقف التعديات وعدم خلط الحابل بالنابل، ومنذ الإعلان عن خطة تطوير الأهرامات حتي تكون مزارا عالميا، اهتم الأهالي بوضع خطة تطوير للنزلة باعتبارهم جزءا لايتجزأ من المكان، فالحجر والبشر لاينفصلان عن بعضهما البعض بحسب قوانين منظمة اليونسكو.
يقول محيي خطاب محامي أهالي نزلة السمان: »‬منذ إعلان الدولة عن خطة التطوير حتي رحب به الأهالي كثيرا وقاموا بالتقدم للحكومة بمشروع لتطوير النزلة شارك فيه بعض الأثريين وخبراء السياحة حيث تصبح مزارا سياحيا في حد ذاتها بجانب الأهرامات وتم عرض المشروع علي وزراء السياحة والإسكان والآثار خلال جلستي حوار بسبتمبر وأكتوبر 2014».
وأضاف أنه ظهرت بعض السلبيات خلال السنوات الأخيرة لا ذنب لهم فيها لأن من يقومون بها دخلاء علي المنطقة فأغلب الأهالي موجودون منذ أكثر من مائة عام ومعظمهم ينتمون لعائلات عريقة ولعل أشهرهم عائلات خطاب والجبرتي والشاعر، مشيرا إلي أن أغلبهم يعملون في أنشطة السياحة كالمرشدين وأصحاب البازارات في كافة المناطق السياحية، وفي أحداث الانفلات الأمني التي أعقبت ثورة يناير قام الأهالي بتشكيل لجان شعبية لحماية مخازن الآثار داخل المنطقة الأثرية وقد تم الاعتداء علي كافة أقسام الشرطة بالجيزة إلا قسم الهرم الذي حمي من قبل عائلات النزلة.
يتابع: أصدرت هيئة الآثار المصرية قرارا يمنع الهدم والبناء أو الترميم والتنكيس ويعد ذلك القرار مناقضا للواقع حيث إن الهيئة قامت بفصل المنطقة الأثرية عن السكان بسور خرساني وأثبتت المجسات التي قامت بها هيئة الصرف الصحي عن عدم وجود آثار بتلك المنطقة.
أما الباحث الأثري محمود طوسون أحد أهالي النزلة والمشرف علي مشروع التطوير الذاتي فقال: منذ إعلان الدولة عن نيتها تطوير منطقة الأهرامات وضمت النزلة جنبا إلي جنب معها بأوائل 2014 حتي قمنا بوضع مشروع يخدم مصالحنا باعتبار النزلة جزءا لايتجزأ من الأهرامات ومن الصعب فصل الحجر عن البشر وقد رحبنا بذلك التطوير لأنه سوف يساهم في عودة السياحة مرة أخري والتي تأثرت بعد ثورة يناير فلك أن تعلم أن منطقة أندلسية بأسبانيا والتي تحوي الكثير من التراث العربي الأندلسي محظور الاقتراب من أهلها أو تقنين وضعهم بل بالعكس يتم إشراكهم في المنظومة وتعيين مرشدين محليين يصاحبون السياح ليحكوا لهم عن تاريخ الأثر باعتبارهم لصيقين به منذ سنوات طويلة.. ويؤكد إخلاص أهالي النزلة بدليل أن كشف مقابر العمال الذين بنوا الأهرامات كان بتتبع من أحد أبناء النزلة الذين يعرفون مداخل الجبانة الشرقية والغربية جيدا، وقد نقل شكوكه تلك للدكتور زاهي حواس مما ساعده في ذلك الكشف الأثري العظيم والذي بين الكثير من الحقائق حول طريقة بناء الأهرامات.
يضيف: هناك خلط من قبل الدولة والإعلام بين أبناء نزلة السمان الحقيقيين المتواجدين بها منذ مئات السنين وبين الدخلاء عليها والذين يقومون بأفعال نحن منها براء، والدليل علي كونهم ليسوا من أبناء النزلة أنه عند زيارة أي مسئول أو وفد كبير للمنطقة سرعان مايغادرون ولايتواجدون خوفا من التواجد الأمني.
ويشير إلي أن المشروع الذاتي كان يراعي تقييم أوضاع الخيالة والجمالة بحيث لابد من الضروري استخراج تراخيص لهم وتصريحات بشرعية تواجدهم في حرم الأهرامات خاصة وأن المعظم لايمتلك مثلها ويمكن تحديد زي موحد لهم كالجلابية البلدي، مع الرعاية الطبية الدورية للدواب وتحديد مكان يضمهم  ويشتمل علي كافة المستلزمات وقد قمنا بعمل دراسة وافية عن أعدادهم والأماكن التي يعيشون بها واقترحنا أن يتم كتابة مهنتهم بالبطاقة ويشرف علي استخراجها وزارة الآثار وذلك لمنع تواجد الدخلاء الذين يسيئون لهم.
ويضيف أن المشروع راعي أيضا الباعة الجائلين والذين يمثلون نسبة كبيرة من النزلة حيث من الممكن تجميعهم في مكان واحد وإنشاء تطبيق إلكتروني يسهل للسائح الوصول إليهم.